ننتظر دعمكم للمجلة بابداعاتكم وتطلعاتم في جميع المجالات وفصح مجيد وكل عام وأنتم بألف خير  *  وأخيرا" كلمة الختام ومسكه بقلم الأديبة والقاصة لما عبدالله كربجها التي تحدثت بمادة عنوانها : الدين هو الله  *  وبعدها تطل لوحة العدد ومسابقته لتأتي الهمسة الروحية التي تتحدث عن دم المسيح بقلم الخورية أنطوانيت رزق  *  وبعدها طل حوار العدد مع الفنان التشكيلي مصباح الدروبي الذي حاورته المبدعة والقاصة لما كربجها  *  ثم تلت الابداعات المتنوعة من شعر وقصة وخاطرة للمبدعين , وبعدها جاءت المقالات الغنية بكل المجالات الاجنماعية والأدبية  *  بمناسبة حلول الفصح المجيد صدر العدد الفصلي لموقع مجلة كفربو الثقافية / ربيع 2017/ تصدرت فيه الافتتاحية / الفصح وواجبنا الانساني / بقلم رئيس التحرير  * 

فسيفساء طيبة الإمام

 

الإنسان كائن اجتماعي مركب من روح وتاريخ , وهو في جهده ونشاطه ينتج ثقافة بلده , وهذه الثقافة تساهم في تكوين جسمه وخُلقه , وتبرز في حِسِّه ووجدانه , لا بل في أحاديثه أيضاَ عن طموحاته وآماله . ذلك أنه ابن بيئته معبرٌ عنها ,مواصلٌ لتقاليدها .

والمسافر من حماه في قلب سوريه قاصداَ حلب في شمالها ,وبعد أن يمر بجبل زين العابدين الذي يطل على حماه . وبمسافة لا أكثر من 15 كم وحوالي 4 كم تزيدها ولكن باتجاه غرب الطريق العام تلوح لك وتطالعك بلدة طيبة الإمام ويا لحلاوة وطيب اللقاء .
هي بلدة يطل منها التاريخ في حضارات متعاقبة ,وعلى أرضها يقابلك مئات من السنين الغابرة . خزائنها ملأى بالذكريات ,وتنفرد بأوابد لا مثيل لها ليس في الوطن الأم سوريه الحبيبة فحسب , بل في العالم بأسره .
كما أن هذه البلدة في حضورها ليست تشكيلات عمرانية وحجرية بنيت عبر الزمن الحضاري فحسب . بل هي تواصل حضاري مستمر أيضاَ , وذاكرة تكتب باستمرار وتتعانق مع البقاء بأريحية وذكاء وتطور دائم .
والفن والثقافة هما الحارسان لهذه البلدة , وهما اللذان يشكلان العمق المعرفي والفكري والذاكرة لها وهويتها .
ولما كان الفن حضارة وفعالية إبداعية تدل على مستوى رقي الإنسان فإن الفن الذي يبرز في لوحة فسيفساء بلدة طيبة الإمام هو الذي يميز ويفرد هذه البلدة عبر التاريخ ويجعل منها حدثا يملأ سمع العالم وبصره . ويجعل من إنسان هذه البلدة روح وتاريخ أيضا يعشق أرضه , ويحافظ على ثقافتها .
لوحة الفسيفساء في بلدة طيبة الإمام لوحة تاريخية . فيها ترف روحي وشفافية يتلاقى فيها إنسانية الإنسان مع روحانيته لتشكل ثقافة الإيمان وروعة الإنسان المؤمن المحب لفعل الخير .
هي لوحة تشكل أرضية كنسية وقد صنعت من طراز البازليك عام 442 م أي قبل كنيسة سمعان العمودي وبمساحة تقدر ب600 م2 هي قطعة فنية رائعة الجمال , وآية من آيات العبقرية الفنية . وهذا ما جعل لوحة فسيفساء طيبة الإمام هي الأكبر مساحة في العالم بأسره .
ان روعة الفن مع الجمال ترسم على شاشة الخيال صورا راسخة للوحة حيث ترسل إيماءات جمالية ودلالات فنية فيها الألق والإبداع .
كما يظل الدور الوظيفي للوحة ثانويا أمام حضورها الفني الآسر الذي يؤثر على عواطف الإنسان وأحاسيسه وفكره . وتبقى هذه اللوحة تحاول إرسال رسالة غامضة ,ربما تكون هي كلمات مثل ” المحبة ,التسامح , الرحمة , الإنسانية , الرب , فضاء السماء الرحب ..الخ من المعاني الروحية والإنسانية هي كلمات أقرب إلى المشاعر, تنسل إلى القلب حتى قبل أن يعتمل بها العقل وترقى بعلم الجمال لا ليصبح مجرد تذوق الجمال فحسب , لا بل هي تفسير وتحليل وتقويم لهذا الذوق .
تتميز لوحة فسيفساء بلدة طيبة الإمام بزخارف فنية تميزها برسم مبانٍ مدنية وكنائس . ومنها كنيسة بين لحم وكنيسة القدس والكنائس تظهر على مخطط متصالب تقاطعه قبة مخروطية . ويبدو طائر الفينكس خلف كل كنيسة وهو طائر رمز البعث والخلود , كما توجد رسم أنهار الجنة دجلة والفرات وسيحون وجيحون وكتابة يونانية , وصورة الحرية رمز الروح القدس, وصورة السمك والسللور , وأوراق العنب , وحيوانات برية مثل
غزلان يطاردهما فهد ,وطواويس , وحيوانات مفترسة وأحواض مائية ,وأعمدة وزخارف إنها حقاَ صور نادرة الجمال , أو كما وصفها الأديب محمد قسوم ابن طيبة الإمام هي “البعد الذي لا يقاس” .
ونستعير قول أحد القديسين حيث يقول ” يقودنا البصر إلى الإيمان خير مما يقودنا إليه السمع وأن ما يوضع أمام العين ينطبع أشد الانطباع في النفوس بواسطة التقاط الحواس .
وربما كانت رسالة هذه الزخرفة في لوحة الفسيفساء هي إحياء لتعاليم الإنجيل بتصوير مناظر تمثل نصوصه , وبذلك يتعلم الشعب الجاهل ويسهل تعلم الدين للناس الذين لا يقرؤون الإنجيل . إنها تعلم بواسطة الصورة لا القراءة . وبواسطة العين لا الأذن .
وتظل لوحة فسيفساء بلدة طيبة الإمام إرث وطني أولاَ , ثم إرث إنساني ثانياَ وإرث روحي قل نظيره.
وأما الآبدة الثانية في طيبة الإمام والتي لا مثيل لها في كل العالم الإسلامي فهي المئذنة الهزازة التي تهتز بالواقف عليها هزات متناغمة , وهي من الطراز العثماني مستديرة اسطوانية الشكل تعلو الأرض ب 13.25 م إنها معجزة هندسية لم تتكرر بين مآذن مساجد العالم الإسلامي قاطبة .
بقي أن تعرف أن إنسان بلدة طيبة الإمام هو سرد روحي وموضوعي يبرز لك فيه قيمة إنسانية الإنسان
هو إنسان يختلف عن إنسان الزحام البشري الذي تصادفه وتلقاه , تلمس فيه حقاَ هو ابن بيئته , وقد سار فعلاَ مع الزمن بروحانية محدقة وهو حقاَ أصل وفصل وذاكرة وقيم . فخور بانتمائه ,محب لأرضه ووطنه . مرتبط تماماَ ببلده الذي رباه وترعرع فيه .
وإنك لترى حتى مجالس بلدة طيبة الإمام إنما هي مجالس علم وأدب ومعرفة وهذا ما يمّيز شخصيتها أيضاَ.
طيبة الإمام بلد تختزن التاريخ في ربوعها , وتضم في قلبها تراث الأجداد . هي بلدة مباركة طيّبها وباركها الإمام زين العابدين بدعواته حين مرّ بها , وإنك لتلقى هذا الطيب في هواءها وقلوب أبنائها كيفما سرت أو حللت بها أو ارتحلت عنها .
طيبة الإمام طيبك الله من بلدة , وطيب الله أهلك وثراك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *