ننتظر دعمكم للمجلة بابداعاتكم وتطلعاتم في جميع المجالات وفصح مجيد وكل عام وأنتم بألف خير  *  وأخيرا" كلمة الختام ومسكه بقلم الأديبة والقاصة لما عبدالله كربجها التي تحدثت بمادة عنوانها : الدين هو الله  *  وبعدها تطل لوحة العدد ومسابقته لتأتي الهمسة الروحية التي تتحدث عن دم المسيح بقلم الخورية أنطوانيت رزق  *  وبعدها طل حوار العدد مع الفنان التشكيلي مصباح الدروبي الذي حاورته المبدعة والقاصة لما كربجها  *  ثم تلت الابداعات المتنوعة من شعر وقصة وخاطرة للمبدعين , وبعدها جاءت المقالات الغنية بكل المجالات الاجنماعية والأدبية  *  بمناسبة حلول الفصح المجيد صدر العدد الفصلي لموقع مجلة كفربو الثقافية / ربيع 2017/ تصدرت فيه الافتتاحية / الفصح وواجبنا الانساني / بقلم رئيس التحرير  * 

أجواء الحكاية الشعبية

 

كانت الجدة نجمة الليالي الشتوية الباردة تضيء العتمة وتزين السهرات عندما يتحلق الأولاد حول الكانون المصنوع من الطين أو مدفأة الحطب يترقبون بشوق ولهفة شديدة أن تنهي الجدة عملها وتتربع بجلال وسط المجموعة كأنها سلطانة زمانها وتبدأ الحكاية من البداية : ( كان يا ماكان في قديم الزمان

نحكي وإلاّ ننام…) هذه المقدمة كانت تستهل بها الجدة الحكايات بينما كان صوت الرعد والبرق يخلع القلوب , يعلو على طرقات المطر التي تضرب النوافذ بعنف فتثير الهلع في النفوس . لكن أحداث الحكاية المثيرة وشخصياتها الخرافية تغيّب الانفعالات وتبدّل مشاعر الخوف بخوف آخر مختلف تماماً يتحول إلى الداخل , والجدة تنتقل من حدث إلى آخر ومن حكاية إلى أخرى فتمضي الساعات الطويلة وينسى الصغار أنفسهم فيغطّون في نوم عميق توقظهم الجدة بحنان معلنة نهاية الحكاية ليناموا في فراشهم الدافىء . هذا المشهد الساحر كان يتكرر كل ليلة تقريباً طوال فصل الشتاء , وعندما يأت الصيف بليله المقمر القصير ومشاغله الكثيرة تتوقف الجدة عن القص والسرد الحكائي لتستجمع قواها وتستعيد ذاكرتها لليالي الشتاء القادم .‏

في الليلة الأولى : كالعادة في كل مساء من أمسيات الشتاء الباردة وبعد أن ينتهي الجميع من صلاة المغرب وتناول العشاء يبدأ الاولاد بالتجمع الواحد بعد الآخر في غرفة الجدة يترقبون بشوق وصمت أن تنهي الجدة عملها لتبدأ سهرتها وحكاياتها المثيرة . بدأت حبات المطر تطرق زجاج النافذة وصوت الرعد يشتد والبرق يلمع فيخترق الظلمة بوميضه المرعب , بينما كان لهب سراج الكاز يتراقص فتتراقص خيالاته كالأشباح على الجدران القاتمة ونحن نلتصق أكثر فأكثر بمدفأة الحطب التي تتوسط الغرفة بينما كان الجد مضطجعاً في إحدى زوايا الغرفة المعتمة يمسد شاربيه ونظراته تنتقل بانزعاج وقلق بين أولاده وأحفاده وفجأة ركن نظره عليّ وصرخ : قم يا …….هات خشبتين من الحطب للمدفأة … بسرعة ,‏

شعرت بالخوف الى والدي ثم نظرت إلى والدتي متضرعاً اليهم أن ينقذوني من هذه المهمة الثقيلة فقالت جدتي : قم يا ستي اذهب بسرعة وسأقف لك على الباب ولن أبدأ بالحكاية حتى تعود ,مرت لحظات مخيفة قبل أن يصبح الحطب مكوماً بجانب المدفأة .ساد صمت مطبق لم يقطعه سوى قصف الرعد ورقط الخشب المشتعل في المدفأة وأنظارنا معلقة بشفتي الجدة الرقيقتين التي طال انتظارنا لحركتهما ,فبدأت الململة والاحتجاجات تطالب الجدة بالحكاية .لكن الجد الكبير رد بقسوة :(ما في حكاية اليوم الليلة ليلة جمعة . الليلة بدنا ننام بكير ) ضحك الكبار ضحكة فهمانين وضحك الصغار ضحكة جاهلين بمعنى ليلة الجمعة لكن الجميع صرخ بصوت واحد (بدنا حكاية …بدنا حكاية )‏

صرخ والدي (بس اسكتوا …سببتوا لنا صرعة ..اليوم حكايتكم رح تكون صغيرة تسمعوها وتقوموا إلى النوم فوراً ) وافقنا وسكتنا جميعاً , تململت الجدة وغيرت جلستها قليلاً ثم قالت : سأحكي لكم اليوم عن عشتك ما رأيكم ?‏

وافقنا بلا تردد وساد الصمت , لم نكن نعرف من هذا عشتك ? فسرت في أوصالنا رعشة خوف مما سنسمع وساد جو من الرهبة ونحن نتصور عشتك رجلاً عملاقاً ومارداً جباراً أوغولاًَ من الجان متوحشاً سيضرب ويقتل ويأكل ويخرّب , ولم نكن نعرف أن عشتك بهذا الاسم سيكون رجلاً هزيلاً ساذجاً يضحك منه خياله .ساد الصمت العميق فنظرت الجدة فينا وصرخت : مالكم شو ماتريدون ? فصحنا في نفس واحد اللهم صلي على النبي العدنان بدنا نحكي .. بدنا نحكي‏

كان صوت الرعد قد همد وخبا البرق بينما خفتت طرقات حبات المطر وبقي صوت الجدة العجوز قوياً واضحاً يتابع الحكاية . عندما انتهت الحكاية خيّم جو من الصمت والذهول على الجميع وبقينا دون حراك فترة من الزمن !! فقد صعقتنا الجدة بهذا العشتك العجيب ولم نرض عنه ولا عن تصرفاته ولم نقتنع بهذه الخاتمة وبقيت أنظارنا معلقة بالجدة لعلها تغير رأيها وتبدل نهاية الحكاية لكن الجدة سكتت وصمتت معها الطبيعة ووقف المطر لكن جدي صرخ فينا فجأة : هيا قوموا ناموا .... انتهت الحكاية . في الليلة الثانية رمت أمي قطعة حطب في المدفأة ومدت الملقط فكشفت عن الجمر فتأججت النار من جديد ثم ضربت الملقط على طرف المدفأة فأصدر صوتاً ركيكاً خافتاً وضعته جانباً وصرخت على أخي الصغير ليبعد رأسه عن النار حتى لا يحرق شعره الناعم الطويل وتنحت جانباً وجلست بهدوء ,جذبت الصغير وركنته بجانبي والتفت إلى جدتي بلهفة وقلت : هيّا يا ستي ابدئي الحكاية . أخذ احتراق الحطب يرقّط السكون بفرقعات عالية متتالية وتسربت الحرارة في أجسادنا القابعة حول المدفأة وعلى أضواء السراج الكازي المتسخة بلورته بالشحار الاسود وأشعته تتراقص على الجدران القاتمة معلنة بدء طقوس السهرة الشتويةالطويلة الباردة , وبصوت متهدّج حنون بدأت الجدة حكايتها ( هذه كانت غالباً طقوس السهرة الشتوية الممتعة مع حكايات الجدة الجميلة والمثيرة ) كان يا ماكان في قديم الزمان …….‏

الجمعة 19/8/2005- عن جريدة العروبة الحمصية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *