ننتظر دعمكم للمجلة بابداعاتكم وتطلعاتم في جميع المجالات وفصح مجيد وكل عام وأنتم بألف خير  *  وأخيرا" كلمة الختام ومسكه بقلم الأديبة والقاصة لما عبدالله كربجها التي تحدثت بمادة عنوانها : الدين هو الله  *  وبعدها تطل لوحة العدد ومسابقته لتأتي الهمسة الروحية التي تتحدث عن دم المسيح بقلم الخورية أنطوانيت رزق  *  وبعدها طل حوار العدد مع الفنان التشكيلي مصباح الدروبي الذي حاورته المبدعة والقاصة لما كربجها  *  ثم تلت الابداعات المتنوعة من شعر وقصة وخاطرة للمبدعين , وبعدها جاءت المقالات الغنية بكل المجالات الاجنماعية والأدبية  *  بمناسبة حلول الفصح المجيد صدر العدد الفصلي لموقع مجلة كفربو الثقافية / ربيع 2017/ تصدرت فيه الافتتاحية / الفصح وواجبنا الانساني / بقلم رئيس التحرير  * 

شامبوليون … حكاية تفوّق، نبوغ وعبقرية

45555555555

في مثل هذا اليوم قبل 129 عاماً توفي في باريس المؤرخ وعالم الآثار واللغوي الفرنسي شامبوليون، الذي يعد مؤسس علم الآثار المصرية (Egyptology) وكان له الدور الرئيسي في فك رموز الخط الهيروغليفي المصري. ولد جان – فرنسوا شامبوليون في مدينة فيغياك في فرنسا في 23 كانون الاول 1790، ونشأ مولعاً باللغات القديمة، موهوباً في تعلّمها، ولما بلغ السادسة عشرة من عمره كان يجيد ست لغات شرقية قديمة، اضافة الى اللاتينية واليونانية. وقدم بحثاً الى اكاديمية (غرينوبل) الفرنسية ناقش فيه (مخطئاً) ان (القبطية) كانت لغة المصريين القدماء.

وفي التاسعة عشرة من عمره واصل دراساته في باريس واصبح استاذاً للتاريخ في ثانوية (غرينوبل) (1809 – 1816)، واصبح فك رموز الكتابة الهيروغليفية شغله الشاغل، وفي اعقاب النجاح المتواضع الذي حققه الفيزيائي الانكليزي توماس يونغ، في محاولته لحل رموز (حجر رشيد)، الذي كان محفوراً عليه نص اغريقي مع ترجمتين بـ(الديموطية) (وهي الخط المصري القديم المستعمل في الحياة اليومية) والهيروغليفية، بدأ شامبوليون اخيراً في تجميع الرموز اليروغليفية وأوابدها، مقارناً إياها بما يقابلها في اليونانية.

وقد لاحظ في البداية ان بعض الرموز كانت (ابجدية) وبعضها (صوتية) وبعضها الاخر مجددة (اي انها تعبر عن فكرة او مادة سبق الاعراب عنها)، وعلى الرغم من بقاء ابواب كثيرة يجب فتحها، فان شامبوليون كان قد عثر على المفتاح اللازم لفهم كتابة مصر القديمة. ومع كل ما حققه من نجاح. فان اكتشافاته الباهرة، وما بذله من جهود شاقة ومثابرة، قوبلت من جانب بعض العلماء والباحثين بمعارضة شديدة، ومريرة، وفي كثير من الاحيان تضمنت جوانب شخصية.

مع ذلك فان الحكومة الفرنسية كرّمت شامبوليون وعيّنته قيماً على مجموعة الآثار المصرية في متحف اللوفر في باريس. وترأس شامبوليون في سنة 1828 بعثة تنقيبية الى مصر، ثم تسلم كرسي علم الآثار المصرية الذي انشئ له خصيصاً له في (الكوليج دو فرانس) في سنة .1831

قواعد المصرية القديمة

الف شامبوليون كتاباً في (قواعد اللغة المصرية القديمة) (نشر بين سنتي 1836 – 1841) كما نشر الى جانب هذين الكتابين كتباً اخرى اهمها (مبادئ النظام الهيروغليفي) و(البانتيون المصري او مجموعة الشخصيات الاسطورية في مصر القديمة).

وقد اعتبر المصريون إيزيس وزوجها أوزيريس رمزاً لكل ما هو مقدس وغامض وسحري. وفي هذا الصدد فان قصة الكتابة المصرية القديمة وفك رموزها تتشابه في وقائعها مع اسطورة إيزيس واوزيريس .. فبعد ان حكما مصر بالعدل وحققا لاهلها الحضارة والتقدم انتقم الإله ست إله الشر من اخيه وبعثر اشلاءه في ارجاء الوطن وقامت إيزيس وابنها حورس بجمع الاشلاء ومساعدته على البعث والخلود، وهكذا كان امر الهيروغليفية او (المدونتر) اي الكلام الإلهي او النقش المقدس كما اسماها الاغريق، وقد عبدها قدماء المصريين واطلقوا عليها اسماء عدة منها (كتابة الحياة)، ثم ما لبثت ان اختفت وجرت محاولات عدة لفك رموزها وشاء القدر للفرنسي جان فرانسوا شامبوليون ان يلعب دور الإله حورس ليجمع اشلاء الكتابة ويخرج الى النور معانيها واسرارها. ويزيل الحجاب الازلي عنها ويذوب عشقاً وهياماً في حب مصر وحضارتها وآثارها ولغاتها وينذر حياته القصيرة لهذا البلد فأطلق عليه اصدقاؤه اسم شامبوليون المصري واطلق هو على نفسه اسم (محبوب آمون).

وصفت بردية انسطاس الخامسة مهنة الكتابة على انها (اعظم مهنة وتوهب من يمتهنها القوة والسعادة) وتتكون الكتابة الهيروغليفية من اربعة آلاف علامة وهي وسيلة من 3 وسائل استخدمها المصري القديم لكتابة لغته وهي كتابة تصويرية وصوتية في الوقت نفسه. وقد تحدث هيرودوت المؤرخ الاغريقي (حوالى 450 ق.م.) عن هذه الكتابة فقال ان المصري (يكتب من اليمين الى اليسار عكس الاغريق، وقد عرف المصري القديم نوعين من الكتابة واحدة مقدسة والاخرى شعبية، وهكذا صارت الاجيال تردد الافكار المغلوطة ليهرودوت لمدة الفي عام).

وكتب المؤرخ المصري مانيتون تاريخ مصر مقسماً إياه الى اسرات ومعتمداً في ذلك على وثائق اصلية. ولم يصلنا للاسف من اصول كتبه سوى مقتطفات في ترجمات المؤرخين، وفي القرن الاول الميلادي وضع خيرمون امين مكتبة متحف سيرابيس بالاسكندرية قاموساً هيروغليفياً ضاعت اصوله وبقيت بعض اخباره لدى كاهن يدعى تزيتسيس، ومما نقله هذا الكاهن وصفه لبعض الرموز المصرية القديمة وقد تأكدنا بعد ذلك من صحتها – منها مثلاً رمز المصريين للحياة بالضفدعة – وللأم بطائر الرخمة وان السيدة التي تعزف على الدف تعني السعادة، كما ان القوس يعني السرعة.

وفي منتصف القرن الخامس الميلادي عاش الكاهن المصري حور أبوللو وكان من الفلاسفة المتعمقين في دراسة العادات والتقاليد المصرية القديمة وكتب كتاباً اسماه (هيروغليفيا)، وصلنا مترجماً باليونانية وبه شرح لـ 189 علامة هيروغليفية وتوضح لرموزها، وتتفق اغلب معطياته في هذا الامر مع الحقيقة، ونذكر منها مثلاً وصفة للهلال المقلوب على انه رمز للشهر – والارنب يترجم بفعل (فتح) كما ان ابن آوى او الذئب عني القاضي وذيل التمساح يرمز للظلام والنصف دائرة تعنى الرقم 10 ما ترمز ريشة النعام الى العدل.

وقد اعتمد شامبوليون بعد ذلك على هذا الكاهن اكثر من سواه في دراسته للهيروغليفية.

وننتقل بعد ذلك الى آراء الكنيسة ومنهم كلمنضس السكندري وهو اول من شرح بوضوح الكتابات المصرية الثلاث وترجم لنا جملة سبق ان شرحها بلوتارخ في معبد نيت بسايس، وتتكون الجملة من طفل ورجل عجوز وصقر وسكة وتمساح ترجمها كالتالي (وأنتم يا من تولدون وتموتون، اعلموا ان الله يمقت السفه) وهي ترجمة قريبة جداً من المنطق.

ننتقل بعد ذلك الى القرن السابع عشر ونعجب لجهود ومثابرة الالماني كيرشر KIRCHER والذي بذل جهوداً مضنية وشاقة ولكنها بنيت على اسس مغلوطة – واعتبر الهيروغليفية لغة مقدسة تليق بالطبقات الراقية والسامية واخترع هو نفسه رسماً هيروغليفياً ليزين به احد كتبه.

وقد ترجم اسم الملك أبريس من خبز رع محبوب رع على طريقته كالتالي: ان رضا الإله أوزيرس يتم الحصول عليه بواسطة احتفالات مقدسة .. وبذلك يتم الحصول على رضا إله النيل وان القلعة السماوية الكوكبية محفوظة من كل شر بمساعدة الإله أوزيريس الروح الطيبة) وفي هذا الجو الملبد بالغيوم والملئ بالخزعبلات جاء شامبوليون.

 

ولادة شامبوليون

ولد شامبوليون في 23 كانون الاول 1790 في مينة FIEJAC وقد امتهن والده في بداية حياته تجارة الكتب واشترى منزلاً صغيراً في المدينة نفسها صار فيما بعد متحفاً لشامبوليون.

وقبل ولادته اصيبت أمه بالشلل واضطر والده للاستعانة بساحر مشهور لعلاجها فأخبرها بأنها ستشفى قريباً وسترزق بطفل سيكون عظيم الشأن.

وتربى شامبوليون الصغير في حضن الثورة الفرنسية، ومن حسن حظه ان اخاه يكبره بـ 12 عاماً يدعى جاك جوزيف تولى تربيته وتثقيفه وقد بلغ هذا الاخ مناصب عدة منها امانة اكبر المكتبات الفرنسية.

وورث شامبوليون عن أمه فضيلة الصبر والطموح وكان يقول ان (الطموح هو اجمل ميزات الحياة) وكانت ملامحه منذ الصغر تذكّر بالشرق وسحره وكان محباً للجو الحار وينفر من البرد، ولم يهتم شامبوليون بالدراسات التقليدية فعهد به شقيقه لرجل يدعى كالميه (CALMET) ليعلمه الا انه اعاد شامبوليون لاخيه عندما بلغ سبعة اعوام قائلاً عنه (انه عبقري لا يستطيع مجاراته).

وفي عام 1792 وصل لاخيه عدد من مجلة (COURRIER DصâGYPTE) يتصدر صفحاته خبر عثور الفرنسيين على حجر جميل صلب وجد في حصن الرشيد يطلق عليه حصن جوليان على وجهه المنقوش ثلاث كتابات مختلفة وصفت وقتها انها الهيروغليفية (14) سطراً والسريانية 32 سطراً و (الاصح الديمقراطية) مالنص الاغريقي وبه 54 سطراً.

وقام الجنرال مينو وقتها بترجمة جزء من النص الاغريقي ويحوي شكراً لبطليموس الخامس لهباته للمعابد وبقي الحجر في القاهرة وبالتحديد في ميناء بولاق حتى اخذه الانكليز بعد هزيمة الفرنسيين، ويقع الان في المتحف المصري .. لفت هذا الحدث نظر الصغير شامبوليون والذي كان يجيد في ذلك الوقت الاغريقية واللاتينية ويحفظ عن ظهر قلب اجزاء من الإلياذة والاوديسا وانتقل شامبوليون بعد ذلك الى غرينوبل عام 1801 وبدأ فوراً في تعلم العبرية – وفي عام 1802 عاد الى غرينوبل العالم FOURRâR وبجعبته متحف للآثار المصرية وفي عام 1804 كتب لاخيه الاكبر يرجوه ارسال كتب كثيرة اذ انه لا يعرف ما يفعله والعربية واليونانية والسريانية والكلدانية، وانتقل شامبوليون بعد ذلك الى باريس ليتابع دراساته الاكاديمية عام 1807 وفي عام 1808 اصدر دراسة متعمّقة عن الامراض الجلدية في المخطوطات القبطية.

وفي عام 1809 صار استاذاً بالكوليج دي فرانس واصدر في عام 1813 كتابه الهام عن مصر تحت حكم الفراعنة واهتم بعد ذلك وبصفة خاصة بالهيروغليفية وبدأ يجمع كل ما طالته يده عن هذه الكتابة الغامضة.

 

محبوب بتاح

ونعود الى حجر رشيد وكان رأى ZOEGA بأن الاسم الملكي في النص الهيروغليفي يوجد داخل اطار يسمى خرطوش، وقد ذكر داخل هذا الخرطوش اسم الملك بطليموس محبوب بتاح له الحياة الى الابد.

وقام عدد من العلماء قبل ذلك بدراسة نصوص الحجر ونذكر DE SACY عام 1802 والذي عمل بصفة خاصة على النص الديموطيقي.

ويعد توماس يونغ THOMAS YOUNG (1737 – 1830) والذي كان عالماً في الفلسفة وعلوم النبات ويجيد عدداً من اللغات القديمة اول من توصل فعلاً لقراءة اسم بطليموس مقارناً إياه بالاسم اليوناني ولهذه الاسباب يعده الانكليز المكتشف الحقيقي للهيرغليفية.

وبدأ شامبوليون عمله على اسس صحيحة منطلقاً من فكرة KIRCHER على ان القبطية ما هي الا اللغة المصرية القديمة مكتوبة بحروف يونانية وبدأ في تجميع اكبر عدد من اسماء الملوك والملكات وبصفة خاصة اسم كليوباترا والذي ذكر باليونانية والمصرية القديمة على مسلة معبد فيلة والتي تم نقلها منذ سنوات قليلة الى لندن، وبدأ مقارنة اسماء كليوباترا وبطليموس ليحصل على المعاني الصحيحة لحروف الـ: ل، ب، ت، ر، ى، أ وعرف بطبيعة الحال حرف الراء في اسم كليوباترا وانطلق مشغوفاً بدراسة خراطيش الفراعنة وقرأ بنجاح اسم فيليب شقيق الاسكندر وقرب حرف الـ PH في الـ فا اليونانية ثم قرأ اسم الاسكندر وقيصر وهادريان وغيرهم من الاباطرة .. وبدأ في ترجمة اسم الإله بتاح والذي يشترك مع بطليموس في حرفي الـ T,P وترجم رمز الحياة مستخدماً القبطية (أونج) وهكذا حتى كتب رسالته الخالدة LETTRE A MR DACIER (رسالة الى اليد داسييه بخصوص الهيروغليفية الصوتية).

وانطلق بعد ذلك الى ايطاليا ودرس مجموعة متحف تورين ولتخليد ذكراه نقش الايطاليون اسمه بحروف من ذهب بالمتحف.

واخيراً وفي عام 1827 زار مصر معشوقته الاولى والاخيرة وجابها طولاً وعرضاً وقابل محمد علي حاكم مصر والذي اهداه سيفاً من ذهب، وبرغم ذلك وجد في نفسه الجرأة لينصحه بالاهتمام بالآثار وحفظها وصيانتها .

وفي هذه الايام تحتفل فرنسا بمرور 177 عاماً على الحدث التاريخي لشامبوليون وفكه لرموز الكتابة الهيروغليفية.

توفي شامبوليون في باريس عام 1832 في الثانية والاربعين من عمره، وتولى اخوه الاكبر شامبوليو – فيفاك تحرير ما لم ينشر من مؤلفاته ونشرها بعد وفاته .

Wed, Jun 23, 2004

جريدة الانوار-لبنان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>