ننتظر دعمكم للمجلة بابداعاتكم وتطلعاتم في جميع المجالات وفصح مجيد وكل عام وأنتم بألف خير  *  وأخيرا" كلمة الختام ومسكه بقلم الأديبة والقاصة لما عبدالله كربجها التي تحدثت بمادة عنوانها : الدين هو الله  *  وبعدها تطل لوحة العدد ومسابقته لتأتي الهمسة الروحية التي تتحدث عن دم المسيح بقلم الخورية أنطوانيت رزق  *  وبعدها طل حوار العدد مع الفنان التشكيلي مصباح الدروبي الذي حاورته المبدعة والقاصة لما كربجها  *  ثم تلت الابداعات المتنوعة من شعر وقصة وخاطرة للمبدعين , وبعدها جاءت المقالات الغنية بكل المجالات الاجنماعية والأدبية  *  بمناسبة حلول الفصح المجيد صدر العدد الفصلي لموقع مجلة كفربو الثقافية / ربيع 2017/ تصدرت فيه الافتتاحية / الفصح وواجبنا الانساني / بقلم رئيس التحرير  * 

كوليت خوري..سيرتها …زواجها ..أدبها …ماقيل عنها

4244425

 

هو ذا وجه من وجوه سيدات بلادي. وجه تتمرأى فيه الأجيال، وتغتبط. لعل تركيبتنا الشرقية، صعب عليها أن ترى سيدة ترتقي إلى مناصب عليا، بدءاً من مجلس الشعب، وصولاً إلى منصب رفيع كمستشارة أدبية للسيد الرئيس. والحقيقة أن إعطاءها هذا المنصب ليس أكثر من تكريم لهذا الوجه الذي تتمرأى فيه الأجيال، ويخطو الإبداع أمامه، ويتدفق من أنامله.

ولعل تركيبتنا الشرقية أيضاً، تأنف أكثر أن ترى هذه السيدة تحمل قلمها تارة موسيقى تنبعث من أعماق أنثى بلادي، وتارة أخرى تشهره سلاحاً في وجه عتاة التاريخ والمجتمع، وإذا ما أمسكت المرأة سلاحاً، وانتصبت، فماذا بوسع الرجل أن يفعل حينئذ؟! أفلعله يخجل من نفسه، ومن تقاعسه عن مواجهة العتاة؟ أم يغضب أن المرأة أصبح لها كيان، وأصبحت نداً له. ولكننا نسمعها تقول لا أريد ولا أفكر أن أكون نداً للرجل، بل صديقة وزوجةً وأماً وأختاً!!

نعم، مرت السنون والسنون، وهذه المرأة تحمل مشعلاً صامتاًَ، ورسالة صامتة تريد أن تبلغها لأجيال هذا الوطن. فهل لأحدنا أذان للسماع، وعيون للنظر؟!

 

سيرة حياتها

طفولتها وتعليمها

وُلِدَت كوليت خوري عام 1937 في بيت من بيوت دمشق، في باب توما، والدها سهيل فارس الخوري، أما والدتها فهي ليلى حبيب كحالة، وهي أسرة وطنية مشهورة في مجالات السياسة والأدب والصحافة.

تذكر نعمة خالد في كتيبها عن كوليت خوري: «حظيت كوليت خوري باسمين: الأول كوليت، الذي اختاره أبوها عند ولادتها، تيمناً بالكاتبة الفرنسية كوليت، التي كانت تعيش مجدها كأديبة، حيث كان الوالد سهيل، يتابع ما تكتب، وما يُكتَب عنها. والاسم الثاني: هو خولة، وقد أطلقه عليها الجد فارس الخوري، الذي رتّب رغبة ابنه سهيل عوضاً عن رفضه اختيار اسم كوليت، وبسبب إيمانه الذي لا يُحدّ بالعروبة، وجد مخرجاً لابنه بقوله: كوليت بالفرنسية هو خولة بالعربية، وخولة اسم جميل، فهو الظبية، ثم إن خولة هي فارسة العرب، سيكون عندنا فارسة جديدة».

أما دراستها فكانت عند راهبات البيزانسون، حيث تعلمت القراءة في إنجيل متى، ثم تمكنت من اللغة العربية عبر قراءة القرآن والشعر العربي القديم، وقد تتلمذت على يد جدها العلاّمة فارس الخوري.

إخوة كوليت خوري فارس وسامر مع الجد فارس الخوري
والخال حبيب كحالة في بيت حبيب كحالة بالقصاع عام 1952

تابعت دراستها في مدرسة اللاييك، ثم انتقلت كوليت وأهلها من باب توما، الحي الدمشقي القديم، إلى حي من أحياء دمشق الجديدة.

أما دراستها الجامعية فكان أولها في الجامعة اليسوعية في بيروت، حيث بدأت بدراسة الحقوق، لكن زواجها في تلك الفترة جعلها تترك الجامعة وتعود أدراجها. وفيما بعد أنجزت دراستها في جامعة دمشق، حيث درست الآداب الفرنسية.

لم تكن كوليت تميل في طفولتها إلى الأدب، وإن كان الإبداع عموماً ميدانها الأثير منذ السنوات الأولى في حياتها، فميلها المبكر كان «إلى الموسيقى والغناء والرياضيات والكيمياء، لكن البيئة والظروف (حسب قولها)، لم تسمح لها بأن تحقق طموحاتها في التعبير عما تفيض به نفسها، وفي الاحتجاج والصراخ، وبما أنها كانت لا تحب الصراخ بحنجرتها، فقد صرخت بأصابعها، فأصبحت أديبة».

 

بدايات تجربتها مع الكتابة

تسألها نعمة خالد: «متى بدأت الكتابة؟»، تجيبها كوليت: «لا أذكر لحظة من حياتي لم أكتب فيها. أذكر بأني، وأنا في السابعة أو الثامنة، كنت أكتب الرسائل لأبي أشكو فيها همومي وأحزاني الصغيرة، وكنت أخفيها تحت وسادته ليقرأها قبل أن ينام. في الصباح أستيقظ متلهفة لأجد تحت وسادتي رداً دافئاً فيه عاطفة كبيرة، ترافقه أحياناً حبة شوكولا صغيرة».

وتضيف قائلة: «لم تكن الكتابة هوايتي، بل كانت جزءاً من طريقتي في التعبير، لكأنها وُلِدَت معي، ونمت وترعرعت، ربما جو البيت هو المساعد الأول، حيث الكتب والصحف والمجلات هي أهم مفروشات بيتنا وبيت جدي لأبي، وبيت خالي».

كوليت خوري في صباها

في السادسة عشرة من عمرها، ظهر نتاجها في الصحف والمجلات، وفي عامها العشرين أصدرت أول كتاب لها، وهو ديوان شعر بالفرنسية بعنوان: «عشرون عاماً».

 

زواجها

في الثامنة عشرة من عمرها تزوجت من الكونت الإسباني رودريكو دوزياس، وحصل الزواج في فرنسا. وكانت ابنتها نارة تتويجاً لهذا الزواج. توضّح كوليت: «لم يكن زواجي من الكونت بدافع الحب فقط، بل أيضاً لأني كنت دائماً أبحث عن شخص يستطيع أن يشبه أبي وسامة وحضوراً».

 

إبداعها

تذكر نعمة خالد: «تجوّلت كوليت خوري، ما بين الشعر والرواية والقصة القصيرة والمقالة والمسرح، والدراسة التاريخية، ولها أكثر من ثلاثين مؤلفاً في الأدب والتاريخ، كما عملت لفترات متقطعة في الصحافة، فقد كان خالها حبيب كحالة صاحب مجلة “المضحك المبكي” المشهورة».

 

عملها

تذكر نعمة خالد: «عملت كوليت في التدريس كأستاذة محاضرة في قسم اللغة الفرنسية في كلية الآداب في جامعة دمشق، وتعاقدت لسنوات طويلة مع الجيش كمستشارة إعلامية ولغوية للسيد العماد أول مصطفى طلاس وزير الدفاع سابقاً.

كوليت خوري

وفي عام 1990 رشّحت نفسها لمجلس الشعب، وفازت على مدى دورتين متتاليتين، قدمت خلالهما خدمات كثيرة للشارع السوري، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، وقد انعكس هذا الاهتمام في مقالاتها التي نُشِرَت في زواياها في صحيفتي «البعث» و«تشرين» وفي منابر أخرى. ومع موعد انتخابات المجلس التشريعي التي تلت، آثرت كوليت الانسحاب لتتفرغ لأعمالها الأدبية.

وفي عام 2006 اختارها السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد لتكون مستشارة أدبية له.

 

أعمالها

1) عشرون عاماً (1957)، شعر بالفرنسية.
2) أيام معه (1959)، رواية صدر منها سبع طبعات حتى عام 2001.
3) رعشة (1960)، شعر بالفرنسية.
4) ليلة واحدة (1961)، رواية صدر منها أربع طبعات حتى عام 2002.
5) أنا والمدى (1962)، تسع قصص صدر منها طبعتان فقط حتى عام 1993.
6) كيان (1968)، قصة صدر منها أربع طبعات حتى عام 2003.
7) دمشق بيتي الكبير (1969)، قصة.
8) المرحلة المرة (1969)، قصة وأعيد طبعها مع قصتين في عام 2002.
9) الكلمة الأنثى (1971)، تسع قصص أعيد طبعها في عام 2001.
10) قصتان (1972)، قصتان ظهرتا ثانية مع المرحلة المرة في عام 2002.
11) ومر صيف (1975)، رواية صدر منها ثلاث طبعات حتى عام 2000.
12) أغلى جوهرة بالعالم (1975)، مسرحية باللغة العامية.
13) دعوة إلى القنيطرة (1976)، قصة ظهرت ثانية مع مجموعة «الأيام المضيئة» في عام 1984.
14) أيام مع الأيام (1978-1979)، رواية صدر منها ثلاث طبعات حتى عام 2004.
15) الأيام المضيئة (1984)، قصص.
16) معك على هامش رواياتي (1987)، غزل.
17) أوراق فارس الخوري: الكتاب الأول (1989)، الطبعة الثانية (2000).
18) أوراق فارس الخوري: الكتاب الثاني (1997)، الطبعة الثانية (2001).
19) العيد الذهبي للجلاء (1997)، محاضرة مع مقدمة أولى للعماد أول مصطفى طلاس.
20) امرأة (2000)، مجموعة قصص.
21) طويلة قصصي القصيرة (2000)، صفحات من الذاكرة.
22) ستلمس أصابعي الشمس (2002)، قصة رمزية نُشِرَت مسلسلةً عام 1962.
23) ذكريات المستقبل (1) (2002)، مجموعة مقالات من الفترة 1980–1983.
24) ذكريات المستقبل (2) (2003)، مجموعة مقالات من الفترة 1984–1987.
25) في الزوايا حكايا (2003)، مجموعة قصص.
26) في وداع القرن العشرين (2004)، المقالة الأسبوعية من الفترة 1998–2000.
27) سنوات الحب والحرب (2006)، مقالات وقصص.
28) عبق المواعيد (2008)، وجدانيات وقصص.

 

أدبها

يشير الأستاذان بوعلي ياسين ونبيل سليمان في كتابهما «الأيديولوجيا والأدب في سورية (1967–1973)» إلى أن «كوليت خوري كما هو معروف شاعرة، ولكن باللغة الفرنسية، وعملت في التدريس الجامعي، وقد أكسب عبارتها العربية هذا التعامل مع الفرنسية، ومع الشعر، صفتين هما: الرشاقة والشاعرية. كما أكسبها جرأة في تغيير بنية الجملة (مثل: “وكان وأنا نفسين ممزقين”، ص17، في قصتها “الزنزانة” من مجموعتها “الكلمة الأنثى”)، وأكسبها جرأة في أشكال التعبير القصصي. وها هي في “التهمة” تزاوج بين القصة والمسرح، وتحطم المقاييس المألوفة في التعبير والسببية، موفِّرةً زخماً حركياً عالياً. إن “التهمة” نفثة حانقة ضد التشويه الذي يحفل به العالم: زيف الرجل الأصلع، الإرهاب، الكبت المتمثل في الأشخاص الثلاثة، قتل البراءة بقتل الطفل، وسواس الجنس الذي يقض المضاجع أجمعين. والكاتبة في هذا الغمار كله لا تتعمق بل تؤثر أن تصف حالة نفسية تتسم بالمأساوية».

كوليت خوري

أما الدكتورة ماجدة حمود فتقول في أدب كوليت خوري: «تبدو اللغة مع كوليت خوري أكثر نبضاً بالحياة وأكثر جرأة منذ العنوان “أيام معه” الذي يوحي لنا بأن الرواية تقدم أيام الحب في حياة المرأة، وإن لم تذكر كلمة الحب صراحة لكن دلالات “أيام” واقترانها بالظرف “مع” وضمير الغائب الذي يدل على وجود الرجل (معه) يوحي بقصة حب بين المرأة والرجل، لكنها توحي بانتهاء أيام الحب. نلمس في هذه الرواية أيضاً جرأة في تقديم لغة الحب التي تجسد علاقة المرأة بالرجل (همهمة الشفاه، القبلة…الخ)».

كما تقول: «تمتزج فيها اللغة اليومية بشفافية تجعلها أقرب إلى لغة الشعر، مما يؤهلها لتجسيد ما يعتلج في الأعماق، دون أن تخسر صلتها بالواقع، مما يمنح الرواية قدرة تعبيرية وتتيح لخصوصية الصوت الأنثوي فرصة التعبير عن ذاته».

بوسعنا أن نلمح شاعرية لغتها عبر الوصف خصوصاً، فمثلاً في روايتها «ليلة واحدة» نقرأ هذه اللغة الجميلة والرائعة: «وفي صمت الليل، كانت ذراعان قويتان تزنران سمرة سكرى بالأمل، ويتمزق السكون فجأة بحشرجة حذاء ارتطم بالأرض، وتنهدات قضبان السرير، وينطوي الليل على طيفين احتواهما الدفء، فوحدهما في خيال واحد، ترنح طرباً، واحترق شوقاً، وذاب همهمة وأنيناً».

أليست هذه اللغة جميلة، كما لو أنها معزوفة سوناتة ضياء القمر لبيتهوفن أو سوناتة لشوبان تفيض عذوبة وجمالاً.

وأخيراً، تقول نعمة خالد: «كوليت في رواياتها، جسدت، مع كوكبة من الروائيين العرب، ومنذ وقت مبكر، الانتماء إلى الواقع، وعملت في سبيل تجاوزه لمصلحة التقدم والتغيير، إنسانياً واجتماعياً وفكرياً، ولقد نجحت في خلخلة الركود، وأطلقت العنان لنشيد الحرية، في ظروف مليئة بالتحدي».

 

مقدمة في أدب المرأة عموماً

إننا غالباً ما نقول بتحرير الأرض المغتصبة، حتى باتت الأرض المغتصبة تشكل، والهزائم المتكررة التي يلحقها العدو بنا، عقدة ندور في فلكها لا نبرحها مطلقاً. وربما هذا ما يريده العدو، أن نظل في فلك الهزيمة لكي لا تخرج منا إلا أجيال الهزيمة، أجيال الخنوع والتواطؤ والضياع. باتت الهوية العربية مصدر خجل لأجيال اليوم، هذا إن وُجِدَت هذه الهوية في أيامنا هذه، فالبعض قد وصلت به الحال أن ينفض يديه براءة منها.

أين الأمل؟! لعل أدب المرأة، يعبِّر عن صرخة تتفجر كالينابيع من الأعماق، ونحن في حمأة هذه الهزيمة، نسمع المرأة تصرخ، وتجلجل كالرعد الذي يمتزج بالبرق، وهطول المطر. آه، ماذا تريد المرأة أن تقول لنا؟! أوَ هذا وقت صراخها؟ ونحن غارقون في عار الهزيمة التي خلقت لنا عقدة نقص تكاد تتحول إلى عقدة اضطهاد؟!

كوليت خوري

تريد المرأة أن تقول لنا: أنا هي الأرض المغتصبة، حرروا هذه الأرض الحيَّة، قبل أن تسعوا إلى قطعة أرض يابسة، حرروني ولسوف تصلون إلى ذواتكم. أنا أرض انتهكت حرمتها السلطة الذكورية، جردتها من حقوقها، ومن خصوصيتها، ومن حريتها، ووضعت عليها لواءها لكي تكون ناطقة باسم هذه السلطة، مذعنة لها. وهكذا يتوالى صراخ المرأة العربية، وهي إذا صرخت فإنها تصرخ بجسدها، وتقول: أنا لستُ أرضاً لغزواتكم ونزواتكم يا أبناء آدم، كما أنني لستُ أرضاً محرَّمة أو ملعونة. أنا أرض كالقدس بل أنا هي القدس، وربما أكثر، فأنا قد حملت في أحشائي أنبياءكم، ومرسليكم، أولياءكم، وقديسيكم. بوسعكم أن تجعلوا مني أرضاً مقدسة، وبوسعكم أن تجعلوا مني دنساً بأقدام العدو الغاصبة التي هي أقدام الجهل والتعسف والطغيان الذكوري والتعصب والاستغلال!!

مفهوم تحرر المرأة عند كوليت:
في حوارها مع سامي كمال الدين تقول كوليت: «مفهومي عن المرأة المتحررة أنها المسؤولة عن نفسها والتي تربح معيشتها، فلا أستطيع أن أفهم أن هناك امرأة متحررة وزوجها أو أبوها أو أخوها ينفق عليها، المتحررة أولاً هي المتحررة مادياً، التي تملك المال، وثانياً، المثقفة، وثالثاً أن تكون مسؤولة عن نفسها، فالتحرر شعور بالمسؤولية، وحتى هذه اللحظة هناك نساء يعتبرن أنفسهن متحررات، التحرر شيء والانحلال شيء آخر، المتحررة تعرف كيف تقول لا، في حين غير المتحررة تقول نعم، وترضخ بشكل سلبي للأشياء من حولها».

وفي حوار آخر لها نسمعها توضح هذا المفهوم على النحو الذي تقول فيه: «التحرر لا يأتي دفعة واحدة، يجب أن ننتظر تطور المجتمع بكامله، وسنصل مع الزمن إلى التحرر الذي نرجوه».

وفي نفس الحوار تردف: «لقد قفزت المرأة قفزة بعيدة جداً أبعد مما يجب، لكنها في رأيي ستعود وتملك زمام أمرها، فتفهم معنى التحرر الصحيح».

رواية «ليلة واحدة» نموذجاً:
ملخص الرواية على ما تذكره نعمة خالد هو على النحو التالي: تصبح المرأة (رشا) بين حجري رحى (أب يفصّل لها زوجاً، ورجل يقتنيها في عقد مع الأب) والأم المرأة أولاً والتي تلعب دوراً واضحاً في تمكين الأب من تنفيذ قراره، ويتحدد مستقبل حياة رشا على أيدي ممثلي النظام الاجتماعي البطريركي، دون أن يكون للمرأة أي خيار نابع من إرادتها ورغباتها الإنسانية.

ولكن رشا في الرواية، وإن بعد “وقوع الفأس بالرأس” كما يقال، أي بعد خضوعها وهي في سن الرابعة عشرة، وتحوّلها زوجة للرجل الذي اختاره لها أبوها، تستعيد شيئاً من قدرتها، وتتجرأ على مكاشفة الزوج (سليم) بحقيقة مشاعرها نحوه وبطلان زواجها منه.

وما تلبث رشا أن تكتشف حقيقة عقم الزواج الذي قرروه دون إرادتها. ويتمثل العقم هنا بعدم قدرة سليم الزوج على زرع بذرة الحياة في رحم رشا. ولأن المجتمع ذكوري، فإن الزوج لا يمكن أن يساوم على عدم قدرته على الإنجاب.

في مرسيليا، ثم في باريس، تنفتح رشا على عوالم جديدة. تذهب وحيدة إلى باريس، ويبقى زوجها سليم في مرسيليا، أشغاله التجارية أهم عنده من مرافقة رشا، حيث الغرض إجراء فحوصات طبية أملاً في إنجاب طفل.

رحلتها كانت في القطار، وهناك تعرفت خلالها إلى رجلين هما: جورج وكميل.

كان وصول رشا إلى باريس، برفقة كميل وجورج، وكان الكشف عن حبها لكميل، وهي تستعيد أحلامها، فيكون كميل معادلاً للرجل الذي كانت تلتقيه في لياليها المسهدة الطويلة عبر الحلم والتخيل. لقد رأت في كميل صدى شعور جميل بأن هناك إنساناً يهتم بها، يتحمل مسؤوليتها، لذا أحست بسعادة طاغية حين التقت به في المقهى: «لأنني كنت دائماً أتمنى أن أشعر بأنني أنثى، ومن طبيعة الأنثى أن تضعف».

إن ما جعل رشا تحب كميل هو حبه للشرق والبلاد العربية، ومدينة دمشق تحديداً. هذا بالإضافة إلى حلمها برجل يملأ حياتها العاطفية، ويعوضها عن صفقة الزواج العقيم، وهكذا وطد حب المكان – دمشق – عشقها له، في إشارة صريحة إلى تعلقها بوطنها ومدينتها.

وهكذا مضت رشا مع كميل حتى آخر حدود العلاقة بين الجنسين، وجمعتهما غرفة واحدة، ولم تحس نفسها غريبة معه، على العكس من إحساسها مع زوجها سليم.

ولعل رشا تحس بالصدمة مما فعلت، فتصارح زوجها سليم بالحقيقة قائلة له: «لقد خنتك يا سليم، إن الكلمة قذرة، لكنها تهون أمام خيانتي لنفسي إحدى عشرة سنة قضيتها في بيت رجل لا أحبه».

ثم على أثر ذلك تجد الكاتبة كوليت نهاية صعبة لبطلتها رشا فتصدمها سيارة وتموت!!

القضايا التي تطرحها رواية «ليلة واحدة»:
أولاً) السلطة البطريركية وتعسفها:
فهي لا تقيم وزناً لهذا الآخر الذي هو الأنثى، ولا تحترم حريته واستقلاله ككيان له حقوقه الإنسانية مثله مثل الرجل. ولعل الكاتبة اختارت موضوعاً حساساً يقوم على تحديد المصير وهو حرية الاختيار، وخصوصاً في مسألة مصيرية كالزواج، الذي أساسه الحب، وليس صفقة اجتماعية، تُعَامَل فيه الأنثى كما لو أنها سلعة، أوعار ما على المرء أن يتخلص منه بالزواج!!

ثانياً) الزواج الباكر:
إننا نسمع البطلة رشا تكتب لزوجها: «هل أحدثك عن حياتي الماضية! أنت تعرفها جيداً، فقد عشت معك تقريباً بقدر ما عشت في بيت أهلي. نحن متزوجان منذ عشر سنوات، وقبل ذلك كنت ما أزال طفلة، فقد تركت أسرتي وأنا في الخامسة عشرة».

وبالتالي فقضية الزواج الباكر تحرم المرأة فرصة النضج بكل أبعادها النفسية والفكرية والروحية، وبالتالي يترتب على ذلك تبعات وخيمة لأن حدثاً على هذا القدر من الأهمية في حياة المرء كالزواج يحدث في سن مبكرة دونما نضج حقيقي، فإن مثل هذا الحدث تتأسس عليه خطوات هامة وخطيرة في آن، وستكون نتائجها حتماً سلبية إن لم نقل مأساوية، وهذا ما أظهرته لنا الكاتبة في تصاعد الحدث الدرامي في الرواية وصولاً إلى القضية الثالثة والشائكة التي تطرحها.

ثالثاً) مفهوم الخيانة:
تذكر نعيمة خالد ما يلي: «تكتشف المرأة (رشا) جسدها متحرراً، ومنسجماً مع روحها وعواطفها. تلك كانت تجربة رشا في باريس، لكن المعادلة تكمن في خاتمة الرواية التي طرحتها الكاتبة، حيث موت البطلة».

إذن فإن كلّ واحد يستطيع أن يرى هذه النهاية، وهذه التجربة من منظور معين. وربما ينظر أغلبهم إلى هذه النهاية على أنها تشاؤمية أو ربما لا معنى لها، على عكس غناها بالمعاني والدلالات!!

وبعبارة أخرى، لعل الخيانة التي تطرحها لنا كوليت في روايتها هذه تُظهِر معنى مزدوجاً للخيانة، فهنالك المعنى الذي يفرضه العُرْف والتقاليد، وهو عُرْفٌ أعمى. أما المعنى الآخر فيظل محجوباً عن الآخرين. وهنا يصح قول جبران خليل جبران أن قاتل الجسم مقتول بفعلته وقاتل الروح لا تدري به البشر.

إذن حاكمت رشا نفسها بالخيانة بناء على حكم المجتمع أو ما يسميه فرويد «الأنا العليا»، ولكنها في الحقيقة استجابت لتجربتها الحقيقية، تجربة النضج التي حرمها إياها زواجها الباكر من جهة وحرية اختيارها مصيرها من جهة أخرى، وعلى هذا كانت صادقة مع مشاعرها، لكنه صدق له ثمن عند المجتمع والمجتمع البطريركي خصوصاً.

وبالتالي وجدت الكاتبة كوليت مخرجاً لبطلتها رشا من هذا المأزق الذي زجته بها، أو زجت نفسها به، وكأني بلا شعورها يقول لها: ليس ثمة مخرج في مجتمعنا لوضع كهذا إلا الموت، وهكذا استجاب قلمها وصدمتها سيارة وماتت.

ألا يذكرنا موت رشا هذا بشخصية أو بطلة أخرى لطالما هزّت مشاعرنا كثيراً وهي صبرية بطلة رواية «دمشق يا بسمة الحزن» للكاتبة الكبيرة ألفة الإدلبي. ألم تكن نهاية صبرية هي الانتحار، لاشك أن هنالك تقاطعاً بين النهايتين، وفي الحالتين، في انتحار صبرية أو السيارة التي صدمت رشا وقتلتها سيان، المجتمع هو القاتل.

الخطاب القصصي النسوي:
تذكر الدكتورة ماجدة حمود أنه «مع جلاء المستعمِر الفرنسي عن سورية (1946)، بدأت ملامح الحياة الحديثة تتشكل، فاتسعت مدينة دمشق، وظهرت فيها ملامح نهضة تعليمية وعمرانية وصناعية، كما بدأت حركة الترجمة عن الأدب الغربي تنشط في مصر ثم في سورية، حيث كان التبادل الثقافي في أوجه.

كوليت خوري

ويمكن للمرء أن يلاحظ أن معظم رائدات الرواية السورية ينتمين إلى الطبقة الغنية (ألفة الإدلبي، سلمى الحفار الكزبري، كوليت خوري…إلخ) فقد كانت هذه الطبقة أكثر انفتاحاً من غيرها، وأكثر احتكاكاً بالغرب، فشجعت تعليم الفتاة، كما كانت ملتحمة بقضايا الوطن السياسية والاجتماعية، لهذا يكاد يكون من الصعب أن نجد روائية تنتمي إلى طبقة معدمة، في تلك الفترة، في حين وجدنا روائياً ينتمي إليها (حنا مينا على سبيل المثال) فقد كان ضغط التقاليد والتخلف على المرأة الفقيرة أكثر منه على الغنية.

وقد تعرضت المرأة دون الرجل إلى أنواع عديدة من القهر! يكفي أن نشير إلى معارضة تعليمها، فالعلم، حسب رأي التقليديين يزيدها استرجالاً أو تشبهاً بالرجال، ويزيدها غروراً، كما أنهم يخافون من أن تستعمل المرأة الكتابة والقراءة في مواضيع لا تليق بها أو بأهلها، وحجتهم في ذلك أن الدين الإسلامي يمنع تعليم المرأة، فهم يجهلون أن الإسلام جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم».

أما نعمة خالد فتدلو بدلوها في فضاء القصة وتقول: «دخلت كوليت عالم القصة من على صهوة فرس الشعر. وحين كتبت أول قطعة شعرية بعنوان “ظل حياة”، وهي حول وردة صغيرة سوف تذبل كان هدفها الاستمرار في الشعر، لكنها ذات يوم كتبت قصيدة في الليل، وعندما استيقظت صباحاً وأعادت قراءتها، شعرت بأن تلك القصيدة يمكن أن تكون قصة. ومن يومها دخلت تجربة الإبداع القصصي والروائي».

وتذكر نعمة خالد: «تتألف مجموعة “في الزوايا، حكايا” الصادرة عام 2002 من تسع قصص تحت العناوين: “وشاءت السماء”، “البنت نطقت”، “مكتوب على الجبين”، “عدالة”، “قدر.. والله”، “المصادفة القاتلة”، “الاستخارة”، “رباطة جأش”، “عطل وضرر”».

وتقول عنها: «تقدم كوليت في قصتها “وشاءت السماء” لوحة عن القيم ومفاهيم الشرف السائدة، التي تعتبر الحب جريمة نكراء ترتكبها المرأة، وتمر على مسألة الغيرة القاتلة، التي تجعل فتاة العشرين يائسة ومتهمة لأنها تحب شاباً، يتنامى إليها خبر ارتباطه بسواها، فتدفع الثمن مرتين، تخسر الرجل المخادع، وتصبح أمام الناس بلا شرف».

وتتابع نعمة خالد: «يلاحظ من يقرأ قصص المجموعة ولع الأديبة بالمكان المحدد. إنه دمشق وأحياؤها القديمة وسفوح قاسيون، والقرى المحيطة بدمشق التي لم تعلن الكاتبة اسمها الكامل، بل اكتفت بالرمز إليها بالحروف (ك.ت.ل… إلخ). ويؤكد تحديد المكان الواقعي محاولة الأديبة جعل قصصها أكثر قرباً إلى المتلقي، وأعمق تأثيراً على فكره ومشاعره».

 

كتابها التوثيقي:

كتاب «فارس الخوري (1877 – 1962)».
إعداد وتقديم: كوليت الخوري.
الكتاب الأول (1877 – 1918).
القسم الأول (1877 – 1914).

طفولته وتعليمه:
هو فارس بن يعقوب بن جبور بن يعقوب بن إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن الخوري جرجس أبو رزق.

ولد سنة 1877 في الكفير حيث تعلم على يد يوسف اسطفان داغر المجدلاني في المدرسة التي فتحها المرسَلون الأميركان.

إخوته هم: خليل، داوود، فائز، سعيدة، رشيدة، أيوب، وروجينا. أما روجينا فهي البكر، وأيوب يأتي بعد فارس.

فارس الخوري وابنه الوحيد سهيل الخوري في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين

KoleetKhori6
عندما كان عمره اثنتي عشر سنة دخل المدرسة في صيدا حيث بقي فيها ثلاث سنوات، وفي سنة 1890 خرج من مدرسة صيدا، وأُرسِلَ إلى زحلة ليعلم فيها الأطفال القراءة والكتابة براتب 150 غرشاً في الشهر.

في السنة التالية قام المرسَلون الأميركان بإرساله إلى المدرسة (الكلية الإنجيلية) في بيروت على نفقتهم لكي يتعلم فيها.

وفي آخر تلك السنة أخذ شهادة القسم الاستعدادي، وفي الاحتفال السنوي ألقى قصيدة من نظمه تتجاوز مئة بيت موضوعها حالة الأنام بعد مئة عام، سُرَّ بها الحاضرون وصفقوا له كثيراً.

في سنة 1892 – 1893 أرسله المرسَلون الأميركان إلى مجدل شمس معلماً في مدرستها الابتدائية بمعاش 175 غرش في الشهر.

وفي 1893 – 1894 جاؤوا به إلى مدرسة صيدا ليعلم المرسَلين الجدد اللغة العربية بمعاش 225 غرش.

في سنة 1894 توفي والده فرجع إلى الكفير وكان عمره نحو 17 سنة.

وفي سنة 1896 – 1897 أخذ الشهادة العلمية أي رتبة البكالوريوس الأميركانية التي تعادل رتبة مجاز في العلوم والفنون الفرنسية.

وبقي في الكلية الأميركية في بيروت سنتين يقوم فيهما بتدريس الرياضيات واللغة العربية براتب جنيهين مع الطعام والإيواء.

في السنة الثالثة استقال من الجامعة وعزم على الذهاب إلى مصر استجابة لدعوة المرحوم الدكتور يعقوب صروف صاحب مجلة المقتطف ليتخذه مساعداً له في تحرير المقتطف براتب 15 جنيهاً في الشهر.

إقامته في دمشق:
جاء دمشق في تموز من صيف سنة 1899 لتصفية قضية حكومية كانت لأهله في حاصبيا، وفي هذه الأثناء ظهر الطاعون في مصر وأُقيمَت الحواجز الصحية فلم يتمكن من السفر.

فدعاه البطريرك الأرثوذكسي ملاتيوس دوماني لإدارة المدرسة الطائفية (واسمها اليوم «الآسية» نسبة إلى شجرة الآس الكبيرة التي كانت تربض وسط الحارة) بدمشق براتب سبع ذهبات، فوافق وعزم على الاستيطان بهذه المدينة، وبقي في هذا المعهد مدة سنتين، وكان يعطي دروساً في مكتب عنبر.

ثم قبل القيام بعمل ترجمان في القنصلية البريطانية، بناء على طلب القنصل في دمشق، إلى جانب التدريس، وبقي يعمل في القنصلية حتى سنة 1907.

في سنة 1904 انفك عن التدريس، واحترف عملاً آخر في وكالة شركة غريشام لضمانة الحياة فكانت إيراداته تتزايد من هذه العمولة، وتحسنت أحواله المادية بحيث استطاع أن يعيش برفاهية ويكمل إنفاقه على إخوته في المدارس وينشئ منهم رجالاً صالحين.

أخوه خليل أحرز شهادة البكالوريوس في الجامعة الأميركية.

أخوه داوود أنجز الإعدادي بدمشق ودخل المعهد الطبي ثم ترك وسافر إلى البرازيل.

أخوه فائز أنجز إعدادي دمشق وأقام وقتاً قصيراً في الجامعة الأميركية ثم أرسله فارس إلى الآستانة لمعهد الحقوق.

أخته سعيدة ورشيدة تعلمتا في مدارس الأميركان في صيدا ودمشق حيث أحرزتا درجة حسنة.

أخوه أيوب وأخته روجينا بقيا في البيت في الكفير، أما روجينا فهي البكر وكانت قد تزوجت في الكفير بالسيد بطرس أبو جمرة أما أيوب ويأتي بعد فارس فقد عاش حياته في الكفير وتوفي فيها.

في 1908 بعد إعلان الدستور العثماني عزم على الاشتغال بالمحاماة مع المحامي أمين زيدان، وبسياسة البلاد مع جمعية الاتحاد والترقي التي كان من أعضائها.

زواجه وبدايات عمله السياسي:
في سنة 1909 تزوج بالآنسة أسماء جبرائيل عيد من أهالي عكا، وكان عقد زواجه في 22 آب من تلك السنة.

في سنة 1910 اُنتُخِبَ عضواً في بلدية دمشق وقام مع العضوية بالوكالة عن البلدية في المحاكم. واشتغل بالمحاماة فكانت وارداته من هذه الحرفة الحرة جزيلة جداً.

في سنة 1914 تقدم للانتخاب إلى النيابة عن دمشق في «مجلس المبعوثانِ» فنجح بأكثرية عظيمة وكان عدد النواب من هذا اللواء خمسة وهو يتألف من أقضية دمشق ووادي العجم والقنيطرة وحاصبيا وراشيا والبقاع وبعلبك ودوما والقلمون.

وقد سره هذا النجاح كثيراً وربما كان يوم الفوز أعظم يوم في حياته بعث في قلبه السرور بصورة لم يعرفها قبله ولا بعده.

كانت معرفته باللغة التركية قليلة جداً، فثابر على درسها ليتمكن من العمل في مجلس المبعوثانِ حيث بقي الشهر الأول في هذا المجلس ملتزماً الصمت لا يشترك بالمناقشات. وفي الشهر الثاني بدأ بالخطابة على منبر المجلس والمناقشة في اللجان باللغة التركية وكان موفقاً إلى درجة مرضية.

في السنة الثانية تم انتخابه عضواً في لجنة الموازنة وهي أهم لجان المجلس ينتقى لها أوائل النواب.

كان في البرلمان العثماني يدافع عن حقوق العرب وعن سلامة القوانين وصحة الاشتراع وكانت اقتراحاته لتعديل المشاريع تنجح في غالب الأحيان وقلما تخلو منها جلسة من جلسات المجلس.

القسم الثاني (1914 – 1918):
فواجع التعذيب في خان الباشا
أو حوادث القافلة الثالثة أمام ديوان الحرب على عهد جمال باشا:
المحاكمات التي جرت في سورية على عهد جمال باشا في سنتي 1915 و1916 لأجل الجرائم السياسية اشتملت على ثلاث قضايا متتابعة، وتناولت ثلاث قوافل من المتهمين العرب، الأولى منها أنتجت مصرع أحد عشر شاباً في 20 آب 1915 بقرار ديوان الحرب العرفي في عاليه برئاسة الميرالاي فخري بك الأعرج، والثانية انتهت بمقتل ثلاثة وعشرين عيناً من أعيان البلاد في ربيع سنة 1916 بحكم هذا الديوان وبرئاسة القائمقام شكري بك، والثالثة قامت على التعذيب والتنكيل في خان الباشا بدمشق في أول تموز سنة 1916 إلى آخر كانون الثاني سنة 1917 على يد ديوان الحرب برئاسة فخري بك المذكور بتهمة الاشتراك بتهيئة ثورة الحجاز.

1– شهداء القافلة الأولى:
عبد الكريم الخليل ورفاقه
الزحف على مصر:
في خريف 1914، وبعد أن دخلت الدولة العثمانية بالحرب العامة إلى جانب ألمانيا، قررت وزارة البرنس سعيد حليم باشا تهيئة حملة عسكرية تزحف على مصر من فلسطين بطريق برية سينا، وانتدبت وزير الحربية أحمد جمال باشا ليتولى قيادة الجيش الرابع الذي كان نطاقه يشتمل على الأقاليم العثمانية الواقعة جنوب جبال طوروس وهي كيليكية وسورية وجزيرة العرب، وخولته إجابة لشرطه، سلطة واسعة مطلقة في الأعمال الإدارية والعسكرية.

وأعلن أن الهدف الأول الذي هو قادم لأجله، فتح مصر وإخراج الإنكليز منها واستردادها للسلطة العثمانية. وأقسم أنه لن يعود من هذا الزحف إلا ظافراً أو محمولاً على الأعواد.

وصل جمال باشا إلى سورية في أواخر تشرين الثاني 1914. ويوم وصوله إلى دمشق سلّمه والي سورية خلوصي بك رزمة الأوراق التي كانوا قد استولوا عليها من القنصلية الفرنسية فطواها وجعل يراقب مجرى الأمور بالحذر وسوء الظن فقرب إليه رؤساء الحركة القومية مثل عبد الكريم الخليل والدكتور عبد الرحمن الشهبندر ومحمد رستم حيدر، وأدناهم من مقره كثيراً حتى تحرك عليهم نهم الحاسدين المشّائين بكل نميم، إلى أن قبض عليهم ورفاقهم وساقهم إلى ديوان الحرب الذي ألفه في عاليه برئاسة الميرالاي فخري بك، وهناك حاكمهم محاكمة قرقوشية لا تأتلف بشيء مع أحكام القانون الذي زعم أنه أعدمهم الحياة تحت ستاره، فعلق في 20 آب 1915 على أعواد المشانق أحد عشر شاباً من أحاسن شباب سورية وأوفاهم للعهد، وهم من بعلبك وحماة وبيروت ودمشق ووادي العجم ونابلس.

2- شهداء القافلة الثانية:
الزهراوي ورفاقه:
بعد أن استدمى جمال باشا بقتل القافلة الأولى من الشهداء اعتزم أن يجري في شوط القسوة إلى آخره فعاد إلى صفحاته القديمة يراجعها ويستخرج منها خصوم الاتحاديين والمطالبين بحقوق العرب، وشرع يقبض عليهم الواحد بعد الآخر ويزجهم في سجون عاليه ليحاكموا أمام ديوانه الحربي على الشنشنة التي حوكمت بها القافلة الأولى.

الاعتقالات وتشبثات النواب:
تلقى فارس الخوري أخبار هذه الاعتقالات المروِّعَة في خريف 1915 وكان مع رفاقه في اسطنبول، وكان جمال باشا يقبض على من وجده في منطقة سلطته ويأمر بأن يرسلوا إليه من كان خارجها مخفوراً، فجاء بعبد الحميد الزهراوي ورفاقه. فاجتمع فارس الخوري ورفاقه، وجميعهم كانوا نواباً للعرب في الآستانة وعزموا على بذل الجهد للتوسط بشأن رفاقهم المقبوض عليهم في دمشق.

وما أن ختمت دورة المجلس النيابي حتى أسرع النواب بالعودة إلى سورية لمراقبة الأمور عن كثب والسعي لتخفيف النكبة قدر المستطاع، ووصلوا دمشق في شباط سنة 1916، لكن السفاح أجرى حكم الإعدام بالشهداء الثلاثة والعشرين في 6 أيار 1916.

توسط الأمير فيصل:
فشل المساعي وانسحاب فيصل إلى الحجاز:
ومازال الأمير فيصل يبذل أقصى جهوده لنيل العفو إلى أن نُفِّذَ حكم الإعدام ووقع القضاء المحتوم في 6 أيار 1916 فوجد من الحزم بعد أن قُضِيَ الأمر أن يجامل الباشا ويكظم غيظه ليتمكن من الرحيل إلى الحجاز بدون أن يثير شكوكه فيحول دون العمل الجبار الذي صمم على القيام به في سبيل الانتقام لدماء الشهداء الأبرار وإنقاذ العرب من براثن الظالم الغدّار.

إعلان الثورة العربية:
بقي جمال باشا يترقب تنفيذ هذه الوعود التي خامره الشك بها وينتظر عودة الشريف فيصل على رأس كتائب المجاهدين إلى أن أنبأه فخري باشا قائد قوات المدينة في 10 حزيران 1916 أن الشرفاء أعلنوا العصيان وانسحبوا من المقر الذي كانت جنودهم معسكرة فيه بجوار المدينة آخذين بطريق الشمال ليخربوا خطوطه الواصلة بين الحجاز والشام، وهكذا ابتدأت الثورة العربية وشرع هذا السفاح بإعداد القوى لمقاومتها وكان من أمرها ما هو معروف ومشهور من ظفر الثائرين وتقدمهم المستمر إلى الشمال، وأسرهم القوات العثمانية في الحجاز واستيلائهم على مواقعها وذخائرها إلى أن دخلوا الشام فائزين مع الجيش الإنكليزي في 1 تشرين الأول 1918 أي بعد 28 شهراً من إعلان الثورة.

فتح باب الخان على مصراعيه:
في 30 أيلول سنة 1918 اجتمع فارس الخوري ورفاقه في دائرة بلدية دمشق استعداداً لإعلان الحكومة العربية وكان شكري باشا يحمل العلم العربي وقام بفتح باب خان الباشا الكبير وطرد الخفراء وأطلق سراح السجناء جميعاً.

وهكذا انتهى الدور الذي مثله هذا الخان المشؤوم الذي شهدت جدرانه من ضرب العصي وأنواع التعذيب وفظائع التنكيل ما لم يشهده موضع آخر.

الكتاب الثاني (1918 – 1924)
العهد الفيصلي وبداية الانتداب

القسم الأول:
فارس الخوري والعهد الفيصلي (1918 – 1920):
فارس الخوري في أول حكومة عربية وفي مجلس الشورى:
في 27 أيلول 1918 اجتمع فارس وفريق من الوجهاء والمفكرين في بهو المجلس البلدي في ساحة المرجة في دمشق وقرروا إقامة حكومة مؤقتة تحول دون الفوضى ريثما يصل الأمير فيصل وكتائب الثورة العربية المنتصرة.

الصحفي حبيب كحالة يتحدث إلى رئيس الوزراء خالد العظم
ويبدو أمين القصر الجمهوري آنذاك رياض الميداني ومعهم كوليت خوري

KoleetKhori7
وكان فارس عضواً في هذه الحكومة التي جعلوا من سعيد الجزائري رئيساً لها والتي كان من أعضائها شكري الأيوبي وشاكر الحنبلي.

ومع أن هذه الحكومة لم يُكتَب لها الاستمرار إلا أنها تبقى منذ عهد الأمويين وبعد جلاء العثمانيين أول حكومة عربية تعلَن في دمشق.

في الأول من تشرين الأول سنة 1918 وصلت القوات العربية وجيوش الحلفاء إلى دمشق بقيادة الأمير فيصل الذي وصل في الثالث من تشرين الأول على رأس الجيش العربي. وتشكلت حكومة عسكرية برئاسة الفريق رضا باشا الركابي. وكان أعضاؤها كلاً من عادل أرسلان وبديع المؤيد وعطا الأيوبي وياسين الهاشمي وفارس الخوري.

وكانت هذه الحكومة تعمل تحت إشراف الأمير فيصل قائد الجيوش الشمالية وممثل والده الملك حسين وتحت قيادة الجنرال اللنبي القائد العام لقوات الحلفاء.

وخلال عهد هذه الحكومة انعقد المؤتمر السوري، وجرت التشكيلات والتغييرات الإدارية والتعيينات وتم وضع قانون أساسي للبلاد.

ولكن جيوش فرنسا بدأت في الثامن من تشرين الأول 1918 احتلال الساحل تنفيذاً لخطة دُبِّرَت سلفاً.

فالقيادة العليا البريطانية كانت قد قسمت سورية الطبيعية التي اعتبروها «بلاد العدو المحتلة» إلى مناطق عسكرية ثلاث هي: المنطقة الجنوبية (أي فلسطين) بقيادة إنكليزية، المنطقة الغربية (أي الساحل الممتد من جبل عامر إلى ما وراء خليج إسكندرونة وتشمل لبنان وبيروت واللاذقية بقيادة فرنسية، والمنطقة الشرقية (أي سورية الداخلية) وتضم الجمهورية السورية ومملكة الأردن بقيادة عربية، وعُهِدَ بالحكم فيها إلى الأمير فيصل.

ورغم أن هذه المنطقة الشرقية لم يكن لها ساحل ولا مرفأ ولا عائدات جمركية مستقلة، وعلى الرغم من كل الصعوبات التي خلقها الفرنسيون كي لا تتمتع هذه المنطقة باستقلالها فقد أُنشِئَت فيها قواعد دولة عربية مستقلة، عاصمتها دمشق فأصبحت قبلة المتطلعين إلى الاستقلال والحرية وصار يؤمها رجالات العرب من كل صوب.

المؤتمر السوري وإعلان الملكية:
عُقِدَ في حزيران 1919 مجلسٌ سُمِّيَ بالمؤتمر السوري ضم ممثلين من جميع مناطق سورية الطبيعية وكان رئيسه هاشم الأتاسي، وأعلن المؤتمر في 7 آذار 1920 استقلال سورية التام بحدودها الطبيعية.

وفي 8 آذار نادى بالأمير فيصل ملكاً على سورية، وتُلِيَ القرار من شرفة البلدية على الشعب المحتشد في ساحة الشهداء (وهي ساحة المرجة الآن). ورُفِعَ العلم الجديد «وهو علم الثورة العربية وفيه نجمة بيضاء سباعية في المثلث الأحمر».

فارس الخوري في أول وزارة عربية في عهد الاستقلال:
في اليوم نفسه (أي في 8 آذار 1920) كلف الملك فيصل السيد رضا الركابي بالوزارة فشكلها معيناً رضا الصلح للداخلية، وفارس الخوري للمالية، وساطع الحصري للمعارف. وتلك كانت أول وزارة في عهد الاستقلال، ودامت حتى الثالث من أيار 1920، أي أقل من شهرين.

فارس الخوري في الوزارة الثانية في عهد فيصل:
استدعى الملك السيد هاشم الأتاسي وكلفه بتأليف حكومة دفاع وطني وهي الوزارة الثانية في عهد فيصل. وحل رشيد رضا محل هاشم الأتاسي في رئاسة المؤتمر السوري. وعُيِّنَ رضا الصلح رئيساً لمجلس الشورى، ويوسف العظمة وزيراً للحربية، أما سائر الوزراء فقد احتفظوا بوزاراتهم السابقة، فارس الخوري للمالية وساطع الحصري للمعارف.. إلخ.

فاجعة ميسلون:
في تلك الفترة كان الجنرال غورو الذي عينته فرنسا في تشرين الثاني 1919 قائداً أعلى (ثم سُمّيَ فيما بعد مفوضاً سامياً في البلاد الواقعة تحت الانتداب الفرنسي) يعزز جيشه في الساحل ويستعد لاحتلال ما بقي من سورية خلال الأشهر التي انقضت بعد مؤتمر سان ريمو للحلفاء في إيطاليا الذي كان قد وزع الانتدابات على البلاد العربية بين الدول الطامعة بالحكم بحيث تصبح فلسطين والعراق تحت انتداب إنكلترا وسورية تحت انتداب فرنسا.

وبالفعل زحف غورو إلى دمشق، وكانت معركة ميسلون التي اُستُشهِدَ فيها يوسف العظمة في 24 تموز 1920.

فارس الخوري في الوزارة الثالثة والأخيرة في عهد فيصل:
استقالت وزارة هاشم الأتاسي إثر فاجعة ميسلون وعهد الملك فيصل إلى علاء الدين الدروبي بتأليف وزارة جديدة تضمن التفاهم مع الفرنسيين، فشكلها في 25 تموز 1920 واحتفظ بثلاثة من الوزراء السابقين منهم فارس الخوري للمالية.

نهاية عهد الاستقلال:
كان الفرنسيون يمهدون لإعلان استقلال لبنان، (وقد أعلن رسمياً في أول أيلول 1920) فقطعوا علاقة الأقضية الأربعة، حاصبيا وراشيا وبعلبك والبقاع، بسورية واعتبروها تابعة لإدارتهم في لبنان. فقامت وزارة الدروبي التي كانت ماتزال في الحكم بالاحتجاج على هذا العمل في 9 آب 1920.

واضطربت البلاد، وازداد هيجان الناس، وسادت النقمة في منطقة حوران فطلب الفرنسيون من الوزارة أن تتوجه إلى حوران لتهدئة الأحوال.

وبعد ظهر يوم ذهاب الوزراء إلى حوران ورد نبأ هاتفي إلى جميل الألشي ينقل إليه تفاصيل الحادثة فاتصل بفارس الخوري الذي تخلّف هو أيضاً عن الذهاب معهم وقال له مذهولاً: “الوزراء قُتِلُوا!”

والمعروف أن الحادثة جرت في خربة الغزالة على طريق درعا حيث هاجم الحورانيون القطار الذي يقلّ الوزراء فأُنزِل هؤلاء منه وقتلوا الدروبي وعبد الرحمن اليوسف في 31 آب 1920 ونجا الباقون بأعجوبة.

وبطبيعة الحال سقطت الوزارة الثالثة وتشكَّلَت وزارة جديدة برئاسة جميل الألشي الذي كان قد بقي في دمشق حين وقوع الحادثة، ولم يشارك فارس الخوري هذه المرة في الوزارة، بل انصرف إلى العمل في مجالات شتى أهمها عالم القانون وعالم الاقتصاد.

القسم الثاني:
فارس الخوري بعد زوال العهد الفيصلي (1920 – 1923):
بعد زوال العهد الفيصلي انصرف فارس الخوري إلى العمل الحر، وكان نشاطه في تلك السنوات التي سبقت الثورة السورية كبيراً واسعاً ومتعدد النواحي. فقد كان في الوقت نفسه:
محامياً ناجحاً.
– ونقيباً للمحامين (1921 – 1926) في النقابة التي سعى هو لتأسيسها.
– وأستاذاً في معهد الحقوق الذي أسهم هو أيضاً في تأسيسه.
– وعضواً مؤسساً في المجمع العلمي (الذي هو اليوم المجمع اللغوي).
– ومشاوراً قانونياً في بلدية دمشق (وهي اليوم المحافظة).
– ومرجعاً في الاقتصاد.
– ومؤلِّفاً في عالم القانون وفي دنيا الأدب.
– وشاعراً متميزاً وخطيباً.

فارس الخوري ومشروع الفيجة:
في سنة 1921 فكر الفرنسيون في مشروع جر مياه الفيجة إلى منازل دمشق وفي إعطاء امتياز المشروع إلى شركة فرنسية.

وعندما طلب رئيس البلدية من فارس الخوري المشاور الحقوقي للبلدية دراسة المشروع تبين لفارس أن شروط الامتياز تضر بمصلحة السكان، فسجل اعتراضاته، واقترح تأسيس مشروع وطني تكون فيه المياه ملكاً للأمة وأنهى دراسته بوجوب رد المشروع.

وعلى هذا النحو، وبعد هذه الحادثة بحوالي السنة اجتمعت لجنة من تجار دمشق وأغنيائها وبحثت موضوع تأسيس شركة تجارية لتوزيع المياه. لكن معارضة فارس الخوري كانت شديدة لأنه لم يشأ أن تكون استثمارية بل عمومية ولذلك أسرع وقدم في اليوم التالي مشروعاً وطنياً مفصلاً هو الذي اُعتُمِدَ ونُفِّذَ ومازال قائماً حتى يومنا هذا.

القسم الثالث:
يوميات من زمن الحكومة الاتحادية من 10 كانون الأول 1922 إلى 1 كانون الثاني 1923:
بدأت فرنسا منذ دخلت البلاد في تموز 1920 بتنفيذ البرنامج الاستعماري فقسمت وجزأت البلاد إلى دويلات وهي: دولة لبنان الكبير (أُعلِنَت في 1 أيلول)، ودولة دمشق، ودولة حلب (أُعلِنَت في 8 أيلول) وحكومة الساحل (أُعلِنَت في 23 أيلول) في لواء اللاذقية، وحكومة جبل الدروز، ولواء إسكندرون المستقل إدارياً ومالياً.

وتصرف الجنرال غورو بسورية كما لو كانت مستعمرةـ ووضع على ثلاث من دويلاتها حكاماً فرنسيين وذلك قبل إقرار صك الانتداب من قبل مجلس جمعية الأمم. والانتداب وضع دولي أبدعه المستعمرون في ذلك الزمان ليغلّفوا به أعمالهم بالشرعية وبالقانون.

ولما رأى غورو أن سياسة التجزئة التي اتبعها لم تبلغ غايتها بل أثارت الاستنكار في جميع أنحاء البلاد قرر تشكيل اتحاد سوري من دويلات حلب ودمشق والساحل.
فأصدر قراره في 29 حزيران 1922 بإنشاء الاتحاد السوري برئاسة صبحي بركات وبتشكيل مجلس لهذا الاتحاد يؤخذ أعضاؤه من ممثلي الدويلات الثلاث. فكان فارس أحد نواب دولة دمشق في مجلس الاتحاد. وكان معه الشيخ طاهر الأتاسي ونجيب آغا البرازي ومحمد علي بك العابد وسامي باشا مردم بك.

وختاماً
وفي الواقع، وكما ورد في مطلع حديث الفارس لصحيفة «سورية الجديدة» أُفرِجَ عن بعض المساجين الوطنيين في أوائل سنة 1923 وعن البعض الآخر في أواخر صيف السنة ذاتها. لكن الحوادث والفتن لم تنقطع خلال سنتي 1923 و1924 اللتين سبقتا الثورة. وكانت الوحدة السورية في مقدمة مطالب سكان البلاد في داخلها وساحلها.

الرئيس الأسبق شكري القوتلي يزور فارس الخوري في مشفاه وتبدو في الوسط كوليت خوري

KoleetKhori8
وقد رأى الجنرال ويغان الذي خَلَفَ غورو أن يُحدِثَ تعديلاً في النظام الذي أقامه سلفه، فألغى الاتحاد السوري في 5 كانون الأول 1924، وشكل دولة سورية من دولتي حلب ودمشق، ولكنه فصل دولة الساحل عن الاتحاد، فأصبحت تحت إدارة حاكم فرنسي، كما كانت الحال سابقاً في جبل الدروز.

وفي أواخر 1924 عُيِّنَ الجنرال ساراي مفوضاً سامياً في سورية بدلاً عن الجنرال ويغان.

وفي تلك الفترة تألف حزب الشعب الذي ضم أهم رجالات سورية، أولئك الذين نادوا بالقومية العربية وقادوا الحركة الوطنية في البلاد. كما سيرد في الكتاب الثالث من هذه الأوراق.

مختارات من كتابها «في وداع القرن العشرين»:
المقالة الأسبوعية من آذار 1998 حتى نهاية 2000
تأليف: كوليت خوري

«الديمقراطية في الغرب»
ولكن، بعد استعراض خاطف في مخيلتي لمواضيع الساعة، أجدني أتساءل في غمّ واكتئاب وحيرة:
من أين نبدأ؟
من أمريكا؟
هذه الدولة المفروض أنها الأكبر!

أمريكا المنشغلة بغراميات رئيسها والمصرة على الضغط عليه واتهامه، دفاعاً عن الأخلاق.

أليس من الغريب أن تعلّق أمريكا أخلاقها ومصير رئيسها على رفرفات تنورة مونيكا؟

أما رئيس أمريكا المنشغل في كيفية تدمير العراق.

تراه يعتقد أن الضغط سيرتفع عنه، وأن تنورة مونيكا ستطول وتصبح محتشمة في حال وافق على قصف وقتل شعب عربي آمن وبريء؟؟؟
* * *

كوليت خوري مع جمال عبد الناصر

KoleetKhori9
هل نبدأ من فرنسا ونتحدث عن روجيه غارودي؟

هذا الكاتب الكبير الذي قام بتصحيح صغير في تاريخ صهيوني مزوّر، فما كان من فرنسا إلا أن أحالته إلى المحاكمة!

ويقولون أن المجالس النيابية هي صوت بلادها.

ويقولون أن فرنسا هي بلاد الرأي الحر، أليس مستغرباً أن يصوّت مجلسها النيابي على قانون يعتبر الرأي الحر جريمة؟

مقتطفات من مقالة «من أين نبدأ»
2 آذار 1998

«يا عيب الشوم»
أن تصبح السياسة في العالم مثل أفلام الإجرام السائدة في هذه الأيام.. هذه الأفلام التي نرى فيها شخصاً يهرب من مطارديه فيدخل على أسرة آمنة ويقتل أفرادها.. لأنهم قالوا له إنها: غير متعاونة بما فيه الكفاية!.. وليحمي رأسه؟

فيلم يبتدئ بمشاهد إباحية إلى أقصى الدرجات وينتهي بمشاهد إجرامية، قبيل الحلقات الأخيرة.

فيلم هو نسخة عن موجة الأفلام الحديثة التي ابتدعوها في أمريكا ويعرضونها على العالم!!!

المصيبة هي أننا نرى ونشاهد هذه الأفلام.

والمصيبة الأكبر هي أنهم يعطوننا فيها الرغم منا أدواراً!!

أما المصيبة الكبرى الكبرى فهي أن نظل رغم كل شيء متفرجين!!

كوليت خوري

ملاحظة:
بالطبع إن الكاتبة تقصد من الذي يهرب من مطارديه السياسيين الأميركيين ومطاردوهم يمثلون اللوبي الصهيوني، الذي يعمل السياسيون الأميركيون على إرضائه باقتراف المجازر الوحشية بحق شعوب آمنة في المنطقة، والتي يحولونها إلى أفلام رخيصة ومبتذلة وآكشن يعطوننا فيها أدواراً بدولاراتهم العفنة والتي يخرج منها الدود، ويا للعجب من أدوار، أية أدوار يريدوننا القيام بها!!

من مقالة «يا عيب الشوم يا دول كبرى!»
الخميس في 16 كانون الأول 1998

«عرب وصهاينة: قومية ضد عنصرية»
ما سأكتبه اليوم، كتبته مراراً وتكراراً، فأنا مؤمنة به، وأجد نفسي على الدوام مضطرة لأن أعود فأؤكد عليه.

وهذا الموضوع الذي ألح عليه هو أهمية الإعلام، والدور الحاسم الذي يلعبه في أي صراع في العالم. فالإعلام هو الذي يشكل الرأي العام العالمي الذي يشكل بدوره العامل الأهم في الضغط على الحكومات وتوجيه سياساتها.

صورة الطفل محمد الدرة الذي قُتِلَ في أحضان أبيه والتي تناقلتها تلفزيونات العالم لعبت دوراً أهم وأكبر بكثير مما من الممكن أن تلعبه مؤتمرات عديدة يعقدها السياسيون.

ولكن كم من الأطفال قُتِلُوا بنفس الطريقة الهمجية التي اغتالوا بها هذا الطفل الشهيد؟ إنما لم يصورهم أحد! كم من النساء بُقِرَت بطونهن، كم من العجائز أُطفِئت عيونهم، كم من الشبان كُسِرَت عظامهم؟

لكن هذه الفظائع التي نعرفها نادراً ما كنا نراها على الشاشة.

تطورت الأحوال كما ذكرت في الأسبوع الفائت.

وها أنا أعود وأستنجد بالدول العربية كي تدعم الإعلام والإعلاميين. بل أنا أستصرخ نخوة الأفراد الأغنياء في بلادهم ووطنيتهم، لكي يخصصوا من أموالهم الخاصة جوائز لكل من يخاطر بنفسه ليأخذ صوراً عن الواقع يقدمها للعالم مثل طلال أبو رحمة ولا ننسى وكالة فرانس 2.

* * *
وهو أن صراعنا مع العدو في الأراضي المحتلة ليس مشكلة مسلمين ويهود، كما قد يظن بعض الجاهلين في الغرب إجمالاً وخصوصاً في أوروبا وأمريكا، وكما يحاول إعلام العدو أن يظهرها للعالم!

صراعنا هو صراع عرب وصهاينة! عرب مسلمين ومسيحيين في وجه صهاينة عنصريين معتدين! وعلى الإعلام أن يظهر هذه الحقيقة للعالم وعلينا أن نساعده في ذلك.

لأن الأجنبي الأوروبي أو الأميركي إذا تردد في اتخاذ موقف في مشكلة بين دين ودين، فهو لن يتردد على الإطلاق في صراع بين العربي والصهيوني، لأن القضية قضية قومية في وجه عنصرية!

لن يتردد الأجنبي خصوصاً عندما يفهم أن العرب، مسلمين ومسيحيين، هم أصحاب الأرض وأصحاب الحق، وأن اليهود هم العنصريون الصهاينة أصحاب الدولة المصطنعة التي تحاول اغتصاب الأرض والحق!

مَنْ غير الإعلام قادر أن ينشر أمام العالم هذه الحقائق؟
17 تشرين الأول 2000

قانا
و«كي لا ننسى»

نيسان 1996
العدو يقصف جنوب لبنان بهمجية، ويبدأ عرس الشهداء في قانا.
ويتحول الماء إلى دم!
كيف ننسى؟

مثل تلك المأساة تبقى مستمرة وإن توقف القصف وهدأت المدافع، فدماء الأبرياء التي سقت الأرض، جعلت التراب يروي الفاجعة ويحدّث عنها، أما القبور المتلاصقة المنتشرة هناك فقد بدت لي أشبه بأشخاص واقفين تجمدوا خصيصاً ليبقوا مدى الدهر شاهدين على ما جرى.

كيف ننسى؟

وقانا هي الحلقة الأكثر وحشية والأشد ترويعاً من سلسلة الفواجع والفظائع. ومن قصة المعاناة المخيفة المتطاولة التي عاشها باستمرار ويعيشها الجنوب في لبنان منذ سنوات.

* * *
فقبل ساعات، في مثل هذا المساء، السابع عشر من نيسان، كانوا أحياء، ثم بعد ساعات من ذاك المساء الذي كانوا فيه أحياء رحلوا.

أكثر من مئة شهيد مرة واحدة! معظمهم من الأطفال، كانوا قد لجؤوا إلى خيمة قوات الطوارئ، لكن الوحشية لاحقتهم!

المجزرة مفزِعَة.

وإذا كان انحياز الدول الكبرى لدولة العدو قد حاول عبثاً في البداية أن يجعل الإعلام يحجب عن الرأي العام العالمي جرائم إسرائيل في لبنان، ويعتّم عليها.

فإن دم الأطفال الأبرياء الذي تفجر في النبطية وقانا وصيدا في الجنوب قد مزق الحجب، وسطع في العتمة، وفجر شاشات التلفزيون ليوقظ الضمائر في العالَم.

* * *
عدت الآن من لبنان، من الجنوب، من قانا، وفي نفسي قهر وحسرة، وفي عينيّ حرقة وصور، وفي كياني حزم وتصميم!!

ذكرى قانا التي تتلخص فيها مأساة الجنوب، تتزامن مع ذكرى الجلاء في سورية (17 نيسان 1946).

وإذا كانت دولة كبرى للأسف تسند إسرائيل اليوم، فقد كانت الدول التي حاربتنا في لبنان وسورية أيام الانتداب قبل ثمانين سنة وعلى مدى ربع قرن هي أيضاً الكبرى.

ومثلما حقق أجدادنا الجلاء في الماضي، بنضالهم المستمر وبإيمانهم، لا بد للبنان من أن ينتصر.

كوليت خوري

ولأنه لابد للحق من أن ينتصر في النهاية.

فالحق شعلة من نار، كلما ضربت ازدادت انتشاراً.

24 نيسان 2000
دمشق

«وقفة عربية، وقصة يهودية»
استمعت منذ فترة إلى وزيرة خارجية أمريكا مادلين أولبرايت تدلي بتصريح حول المفاوضات بين الرئيس ياسر عرفات ودولة العدو المغتصِبة، وذلك على الشاشة الصغيرة.

كانت كعادتها ترتدي تايوراً أو طقماً أنيقاً جديداً، وعلى قبته كالعادة القلادة المعهودة، وكانت تتحدث والساق على الساق وتقول ببساطة ما معناه: «يجب أن تحصل تنازلات من الطرفين! كل طرف عليه أن يتنازل قليلاً عن حقه».

ومنعتني دهشتي من أن أهتم ببقية التصريح أو من أن أناقشه!
«كل طرف يتنازل قليلاً عن حقه!».
جملة لا تخلو من مغالطة وقحة!
وأي حق يملك اليهود في فلسطين ليتنازلوا عنه؟
هم مغتصِبون في الأساس، ومغتصِبون الآن وسيظلون مغتصِبين!
ألا تعرف السيدة أولبرايت هذه الحقيقة؟
وتواردت إلى خاطري قصة قديمة طريفة من تاريخنا الحديث يسرني أن أرويها للقراء.
* * *
الزمان: أواخر الأربعينات.
المكان: مجلس الأمن في هيئة الأمم المتحدة.
الأشخاص: أعضاء مجلس الأمن أو مندوبو الدول المشاركة.
في ذلك اليوم كانوا يناقشون قضية فلسطين أو ما أسموها في ذلك الزمن «مسألة فلسطين».
وإذا المندوب اليهودي يطلب الكلام ويقف ويقول بلهجة تمثيلية وكأنه على خشبة المسرح: «ماذا يريد العرب منا؟ ماذا يريدون بعد أن تركنا لهم – بل أعطيناهم – أربعين بالمئة من فلسطين؟ ماذا يريدون بعد هذا التساهل؟».
في ذلك الزمن كان مندوب سورية لهيئة الأمم فارس الخوري.
واندهش فارس الخوري من وقاحة المندوب اليهودي الذي يستغفل الأعضاء الأجانب بل يستغل جهلهم بقضايانا.
وفي الواقع بدا على مندوبي الدول الأجنبية أنهم أُعجِبوا بكَرَم اليهود السخي.
فالأجانب في ذلك الزمن كانوا يجهلون كل شيء عن بلادنا، ومازال معظمهم حتى الآن يجهل الكثير، ومازال معظم معظمهم بتجاهل.
ولم يكن لديهم فكرة حول القضايا التي يبحثونها والمتعلقة بالشرق.
وكانوا لا يعرفون عن فلسطين سوى ما تروّجه الدعاية اليهودية.
وهنا..
وقف مندوب سورية وطلب الكلام، وكان معروفاً في مجلس الأمن بسرعة بديهته وقوة حجته وبيانه الممتع. فالتفت إليه الجميع ينتظرون الرد العربي.

وتكلم المندوب السوري قائلاً: «أيها السادة أريد أن أرد على المندوب اليهودي بقصة.. “يهودية”! وهذه القصة تغنيكم أيها السادة عن شرح المسألة وستبين للمجلس مغالطات اليهود».
وبلغة إنكليزية متمكنة بليغة روى للمجلس القصة التالية:
«طلب حاييم اليهودي مرة من جورج المسيحي أن يقرضه عشرة دولارات..
قال له جورج: ولكنني لا أملك سوى ستة!
فقال حاييم: طيب، هاتها إذاً! فأعطاه جورج ستة دولارات.
وعندما أراد جورج الانصراف قال له حاييم: لا تنس أنه يبقى لي عندك أربعة دولارات.
فاحتج جورج: ليس لك عندي أي شيء على العكس، أنت مدين لي بستة دولارات.
وانسحب منصرفاً فلحِقَ به حاييم قائلاً: ابتدأنا نختلف! ومادام الأمر كذلك فأنا أيضاً لا أريد النقاش معك ولا التعامل معك. وعليه أنت تريد مني ستة دولارات وأنا أريد منك أربعة دولارات. خذ إذاً هذين الدولارين. وهكذا نصبح خالصين!!
ولم يسع أعضاء المجلس إلا أن ضجوا بالضحك على المندوب اليهودي الذي بدا وكأنه سينشق من الغيظ. بدا منزعجاً من السخرية التي رد بها عليه الفارس السوري الذي تابع كلامه قائلاً: هذه أيها السادة هي قصتنا مع اليهود في فلسطين العربية».

12 كانون الأول 2000

 

ما قيل عنها

صاحبة القلم المضيء
كوليت خوري امرأة عظيمة، روائية كبيرة، وفي أدبها تطل المرأة طاغية وجميلة، هي السيدة المثقفة والمطلعة على أدب الغرب، وأدب وكتاب العرب المشهورين، لكنها لم تتأثر بأحد من عظماء التاريخ، وبقي أدبها فيه نضارة، وهذا مهم جداً، أن تكون في خط العظماء وتبقى أنت أنت. وكوليت في خط العظماء، وبقيت كوليت.

سعيد عقل

كوليت هي دمشق
هل صادفك أن تعرفت إلى امرأة، هي مدينة؟
أنا متعلق بكوليت لأن كوليت تشبه دمشق!
لا تستغرب، كوليت بالنسبة لي هي، دمشق.

نزار قباني

 

المراجع:

1) كوليت خوري، بوح الياسمين الدمشقي، تأليف: نعمة خالد.
2) الأدب والأيديولوجيا في سورية (1967 – 1973)، تأليف: بوعلي ياسين ونبيل سليمان.
3) الخطاب القصصي النسوي، نماذج من سورية، تأليف: د.ماجدة حمود.
4) في وداع القرن العشرين، مقالات من عام 1998 إلى عام 2000، تأليف: كوليت خوري.
5) أوراق فارس الخوري، الكتاب الأول، إعداد وتقديم: كوليت خوري.
6) أوراق فارس الخوري، الكتاب الثاني، إعداد وتقديم: كوليت خوري.

نبيل سلامة

اكتشف سورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *