ننتظر دعمكم للمجلة بابداعاتكم وتطلعاتم في جميع المجالات وفصح مجيد وكل عام وأنتم بألف خير  *  وأخيرا" كلمة الختام ومسكه بقلم الأديبة والقاصة لما عبدالله كربجها التي تحدثت بمادة عنوانها : الدين هو الله  *  وبعدها تطل لوحة العدد ومسابقته لتأتي الهمسة الروحية التي تتحدث عن دم المسيح بقلم الخورية أنطوانيت رزق  *  وبعدها طل حوار العدد مع الفنان التشكيلي مصباح الدروبي الذي حاورته المبدعة والقاصة لما كربجها  *  ثم تلت الابداعات المتنوعة من شعر وقصة وخاطرة للمبدعين , وبعدها جاءت المقالات الغنية بكل المجالات الاجنماعية والأدبية  *  بمناسبة حلول الفصح المجيد صدر العدد الفصلي لموقع مجلة كفربو الثقافية / ربيع 2017/ تصدرت فيه الافتتاحية / الفصح وواجبنا الانساني / بقلم رئيس التحرير  * 

عندما تُدمى الذّاكرة (قصّة قصيرة)

10930181_802531253160488_7376023834384593218_n

مثله لا يُطلّق..مثله يقتل”
عبارة مرّت عليها أثناء قراءتها لإحدى روايات أحلام مستغانمي على لسان ناصر عندما سئل عن أخته : لماذا لم تطلب الطلاق؟
اقشعرّ بدنها وهي تقرأ هذه العبارة … تسمّر وجهها … شعرت أنها تعرفه … هل تسرّب من حياتها إلى سطور الرواية ليفسد عليها متعة القراءة؟ أم أنه يشبهه إلى الحد الذي جعلها تشعر أنه هو ؟؟
هناك من يشبهه إذاً .. هو ليس متفرّداً بهذه الصفة كما كانت تعتقد … أو ربما كان موجوداً في الروايات فقط … لكن حياتها الشبيهة بالروايات هي التي أوجدت هذا التشابه الكبير…
عبثاً حاولت إيقاف أفكارها من ركوب آلة الزمن التي أعادتها إلى ماتحاول نسيانه من ماضيها معه ..إلى ذلك اليوم الذي أتاه شقيقه ليشكو له غضب زوجته التي تركت له الأولاد وذهبت إلى أهلها … ممعنة في القسوة كي تمارس الضغط عليه عن طريق أطفاله الأبرياء وخاصة تلك الطفلة التي لم يمض من عمرها العام الأول …. تذكُر تماماً ما قاله لأخيه ذلك اليوم : “لو كنت مكانك لذبحت أولادي لأحرق قلبها… بدل أن أترك لها مجالاً للضغط عليّ”….
اغرورقت عينا الأخ بالدموع وغادر وقد علم أنه لجأ للعنوان الخطأ …
تذكُر موقفها ذلك اليوم … فقد كانت تعرف قسوة زوجها وتخافه … ولكن ما كانت تتصور أن تصل به القسوة حد الإجرام …. يومها هدّأت من روع زوجها وأثارت فيه الشفقة على أخيه … ودفعته ليأتي بالأولاد لتعتني بهم في غياب أمهم …. فهم أبرياء ولا ذنب لهم في خلافات أبويهم…
كانت تشعر أن في كلامه رسالة لها … مع أنها كانت في بداية زواجها ولم تكن قد أنجبت بعد … ولكنها كانت تحمل في أحشائها مولودها الأول …
حملت هذه الرسالة في عمق ذاكرتها … لتكون البوصلة التي توجّه طبيعة علاقتها به ….
حاولت إيقاف آلة الزمن اللعينة …فقد راحت تنبش كل ما قامت بدفنه من ألم الذكريات … لكنها ما استطاعت التحكم بها …
قطعت الآلة بها السنين … لتتوقف بها عند تلك الحادثة المروّعة التي نشرتها الصحف في ذلك اليوم …. أب يقتل أطفاله الأربعة …. كان هذا الزوج قد طلّق زوجته وترك الأولاد ليعيشوا مع أمهم … وفي أحد الأيام طلب أن يأخذ أولاده ليقضوا معه النهار … ذهب بهم إلى أحد البساتين وأطعمهم وألعبهم وقضى معهم وقتاً ممتعاً … وفي آخر النهار وبدل أن يعود بهم إلى أمهم … ذبحهم جميعاً لينتقم من أمهم … جريمة لا يمكن أن يشك أحد بأن مرتكبها مجنون أو مختل … إلا ذلك الرجل الذي مافتئ يدافع عنه وعن دوافعه للقتل …. بل ويرمي بالمسؤولية على الأم … فهي برأيه تتحمل المسؤولية وتستحق أن ينتقم منها بهذه الطريقة …
كانت تلك الرسالة الثانية ….
كانت أشد قسوة من سابقتها … فهي اليوم أم لطفلين ويحتضن رحمها الثالث….
ولكن إلى متى ستبقى أسيرة هذه الرسائل الخفية ؟؟؟ كانت تسأل نفسها دوماً …. كيف لها أن تحرر وجدانها من سلطان رسائل كهذه ؟؟؟
قطع صوتُه تلاطمَ الأفكار المبعثرة في خليج الذاكرة … والتي تحاول آلة الزمن قذفها من قمقم المنسيات لتلقي بها على شاطئ نتنٍ لماضٍ يدمي ذاكرتها …
صوته الذي يأتي دائماً بالتواتر ذاته … بالطريقة نفسها …
“مرحبا… ماذا اشتغلت اليوم؟ أين الشاي؟؟؟…”
أغلقت الرواية التي ماعادت قادرة على إكمالها…لتتجه إلى المطبخ وتأتي له بالشاي الذي طلب… جلست لتجامله بشرب الشاي معه … وما إن تجلس حتى تبدأ الأسئلة :
“ماذا طبخت؟ هل نظّفتِ المطبخ؟ هل قمتِ بتدريب الصغير على الإملاء؟…هل أضعتِ الوقتَ بقراءة كتاب؟ هل هاتفكِ أحد؟ هل….؟ هل….؟”
إلى هذه الأسئلة التي لا تنتهي إلا بانتهاء جلسة الشاي وذهابها للقيام بعمل آخر …
أما إجاباتها فهي دائماً مختزلة تفادياً لردة فعل غير محسوبة ….
“قد فعلت”
“سأفعل الآن”
أحياناً يتقبل الإجابات بهدوء … فالوقت القصير الذي يمضيه خارج البيت لا يسمح لها بإنجاز كل شيء خلاله … ولكن أغلب الأحيان .. لايشفع لها عنده هذا الوقت القصير والذي لا يتجاوز الساعتين .. فيرعد ويزبد … ويبدأ بسلسلة الاتهامات التي تبدأ ولا تنتهي … تحبس أنفاسها أثناء ذلك … كي لا يحسب هذه الأنفاس تمرداً عليه فيزداد غضبه الذي لا تدري له سبباً … وتعتقد أنه أيضاً لا يدري … لكنه دائماً يبحث له عن سبب … فإن لم يجد سبباً كان غضبه أكبر…
في ذلك اليوم كانت كل إجاباتها :”نعم .. قد فعلت” فقد كانت فترة غيابه أطول من المعتاد ..مما سمح لها بإنجاز أغلب الأعمال …. ومع ذلك لم تسلم من غضبه … فقد صبّ جام غضبه هذه المرة على أولاده …”أنتم تريدون الخروج عن طاعتي؟ سلوككم في المدرسة لا يعجبني … سأحرمكم من التعليم.. أنتم لا تستحقونه… أنتم …. أنتم… ” ولم يدع صفة سيئة إلا ورماهم بها …
بالطبع كان من الممكن أن تعيد النظر بتربية أولادها … ولكنهم وبشهادة معلميهم وكل من يعرفهم مميّزون بأدبهم وخُلُقهم الرفيع وكذلك بذكائهم وتحصيلهم الدراسي …..
لذا لم تجد بداً من الصمت تفادياً لزيادة غضبه … وكذلك صمت الأبناء …. فقد علّمتهم الأدب في مخاطبة الآباء والمعلمين …. تقول لهم دوماً:” إن الخُلُق الرفيع هو أن تتأدب مع أبيك وأمك ومعلميك حتى لو قسوا عليك … حتى وإن أخطؤوا بحقك …. فما معنى أن يكون أدبك رداً على أدب من يخاطبك؟ وما قيمة خُلُقك إن كان رداً على خُلُق من يتعامل معك؟”
هكذا علّمتهم وهكذا يتعاملون مع والدهم عندما يغضب وبلا سبب مقنع ….
كانت تستطيع خلق المبررات له أمام أولاده عندما كانوا صغاراً … أما اليوم وقد تجاوزوا سن التمييز … فلم تعد قادرة على التبرير … إذ لم تعد تبريراتها تقنعهم …..
صمتت … وصمتوا … وموجة الغضب تزداد حدة كأنها تنتظر من يواجهها … ولكن من يجرؤ على الوقوف في وجه موجة غضب هستيرية؟موجة لا مكان أمامها لعقل أو لفكر أو لحوار ….
فلا يواجهها إلا الصمت …. الصمت فقط يستطيع إغماد سيف الغضب في صدر صاحبه ….
لم يجد بداً من الانسحاب إلى غرفة النوم …. والاستسلام لنوم لا تعرف إن كان عميقاً أو هانئاً ..
دون جدوى حاولت أن تجد مبرراً لغضبه ….. لكنها توقفت عن ذلك …. فلم يكن غضبه يوماً مبرراً …. كما لم تكن عاطفته التي تفاجئها بين الحين والآخر مبررة …. فكل المشاعر لديه مجهولة النسب …. مجهولة الهوية …. مجهولة التوقيت …..
كما القنبلة الموقوتة …. لا تدري مصدرها ولا تدري متى ولماذا ستنفجر …. كما لا تدري الأضرار التي ستنتج عن الانفجار…..
تركته نائماً … وهدّأت من روع الأولاد … وراحت تلملم ما انكسر لديهم من كبرياء بأسلوب لا يسيء إلى والدهم …. أقنعتهم بقيلولة قصيرة تعيد لهم صفاء الروح والفكر … ليجلسوا إلى دروسهم بتركيز …
بقيت وحيدة …. ما الذي تفعله؟ ماذا لو أفاق ومازال الغضب مسيطراً عليه؟ كيف تتصرف معه وقد احتملت مالا يحتمل في سبيل الحفاظ على أولادها … وإذا بأولادها يشاطرونها المعاناة … ولكن ماذا لو فقدوا القدرة على التحمل؟ باتت تلحظ اندثار صبرهم شيئاً فشيئاً …. تلحظ أنهم يتمنون لو تنفصل عنه ليعيشوا حياة طبيعية بعيدين عن قسوته وموجات غضبه التي لا تنتهي….
داهمتها آلة الزمن مرة أخرى…. لتعود بها هذه المرة إلى اليوم الذي قررت فيه التخلص من سلطان رسائله الخفية … استطاعت إقناع نفسها أن هذا محض وهم … وأنه لا يمكن أن يكون بهذه القسوة … فمن الممكن أن تقنعه أن الطلاق لصالحه … فغضبه الدائم قد يكون بسبب عدم انسجام طباعه مع طباعها …. والطلاق سيجعله يلتقي بمن تسعده أكثر …
حدث ذلك بعد أن استشاط غضباً في مرة لم تعد تذكر السبب لذلك …. فقام بضرب الأولاد وهددها أن يضربها لو دافعت عنهم …. فصمتت ولم تنبس ببنت شفة … ومع ذلك لم تسلم من ضربة أصابتها ليثبت بها أنه جاد في إهانتها ….. لم ترد … صمتت .. وصمتت … وصمتت .. لكن كبرياءها ما استطاع الصمت … رفض هذا الصمت المهين … فانفجر الصمت صراخاً هستيرياً انتهى بها في المشفى بحالة انهيار عصبي احتاج عدة حقن مهدئة ….. قررت بعدها أن تعرض عليه موضوع الطلاق … فالوقت ملائم … وموجة غضبه قد تكسرت على شاطئ صراخها ….
ولكن وما إن طرحت الموضوع حتى اجتاحته موجات غضب عارمة تعلو وتهبط حول مدارٍ يبتلع كل من يقترب منه … فلا شاطئ لتتكسّر عليه… حاولت الابتعاد عن عصاه الثخينة التي رفعها في وجهها … لكنه كان أسرع منها … فهوت على كتف ولدها الذي دخل محاولاً إبعاد العصا عنها ….رمى العصا على الأرض وغادر البيت وهو يرعد ويزبد … تاركاً ابنه مرمياً على الأرض قائلاً له:”هل أماتتك هذه الضربة ؟؟؟ قم وكفاك تحايلاً”..
حمدت ربها أنه خرج من البيت …. فلولا ذلك ما استطاعت الذهاب بابنها إلى المشفى لتعرف أنه مصاب بكسرين يحتاجان لشهر ونصف على الأقل كي يكتمل شفاؤهما….
عادت به إلى البيت لترى القسوة بانتظارها … ” هل صدّقتِه؟ هو يتحايل عليكِ…. ” ثم أضاف ساخراً: “وماذا قالوا لك في المشفى؟”
قالت:” قد قاموا بتصوير كتفه … ووجدوا به كسرين اثنين”
أصابه الوجوم … صمت…. لم يجد ما يقوله سوى أنه قال :” كله بسببك … لو لم تطلبي الطلاق لما حدث ذلك “….
غادر البيت …. ليعود بعد وقت قصير ناسياً كل ماحدث …. فهو لا يريد مناقشة موضوع الطلاق … بل يريد الهروب منه … يرفضه لأنه يُشعِره بالضعف …. فالقوي برأيه هو من يستطيع استعباد عائلته دون أن يعترض أحد أفرادها على هذا الاستعباد … بل على العكس … يجب أن يشكروا له ذلك … فمحظوظ من يكون له عبداً …..!!!!
تناست هي أيضاً ماحدث …. فلا تملك سوى التناسي … لا تملك سوى أن تضيف هذه الحادثة إلى قمقم عفن للمنسيات ترميه في قاع الذاكرة …..
أجهشت بالبكاء …. يا لهذه الآلة اللعينة التي أعادت لها كل ما رمته في هذا القمقم العفن …..
أفاق على صوت بكائها ….
“مابكِ؟”
“ما الذي حدث؟”
“هل أزعجك أحد من الأولاد؟”
اختنقت الأجوبة ببكائها …. فلم تستطع الرد
أخذ يصرخ بالأولاد … أزعجهم من نومهم ….
“ماذا فعلتم؟ ألم أقل لكم أنكم عاقّون؟ لماذا أزعجتم أمكم؟”
وقفوا أمامه مشدوهين …. عبثاً حاولت إفهامه أنهم ما أزعجوها …. ولكن كيف له أن يفهم؟
حاول الأولاد تهدئتها … أتى لها أحدهم بكأس من اليانسون …. شربتها وابتسمت … ضمت أولادها إلى صدرها … وطبعت على وجنة كل منهم قبلة وهي تقول :
“لا شيء يا أحبائي …. فقط كنت متعبة قليلاً”
هم يعرفون السبب الحقيقي لبكائها …. ولكنْ هذا الذي مشاعرُه خارج الزمن …ماالذي ستقوله له؟هل ستقول له : “أنت السبب” فتعيد موجة الغضب التي ما صدّقت أنها دخلت غمدها ؟…
ما كان لها إلا أن قالت :” فقط هي آلة الزمن …استغلّت وحدتي وأعادتني لذكرياتٍ قاسية “
صمت قليلاً… ثم قال:” من مات مات …. والحي أبقى من الميت”
ظانّاً أنها إنما تذكّرت والديها اللّذين فقدتهما الواحد تلو الآخر ….
ابتسمت وقالت :” نعم … صدقت “
ذهبت لتحضير العشاء …. مستسلمةً لمعادلة قدرها الحتمية …. فلكي تستطيع ممارسة الحياة… عليها أن تدمن اقتراف الصمت ….
“فمثله لا يطلِّق … مثله يقتل”

سمر تغلبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *