ننتظر دعمكم للمجلة بابداعاتكم وتطلعاتم في جميع المجالات وفصح مجيد وكل عام وأنتم بألف خير  *  وأخيرا" كلمة الختام ومسكه بقلم الأديبة والقاصة لما عبدالله كربجها التي تحدثت بمادة عنوانها : الدين هو الله  *  وبعدها تطل لوحة العدد ومسابقته لتأتي الهمسة الروحية التي تتحدث عن دم المسيح بقلم الخورية أنطوانيت رزق  *  وبعدها طل حوار العدد مع الفنان التشكيلي مصباح الدروبي الذي حاورته المبدعة والقاصة لما كربجها  *  ثم تلت الابداعات المتنوعة من شعر وقصة وخاطرة للمبدعين , وبعدها جاءت المقالات الغنية بكل المجالات الاجنماعية والأدبية  *  بمناسبة حلول الفصح المجيد صدر العدد الفصلي لموقع مجلة كفربو الثقافية / ربيع 2017/ تصدرت فيه الافتتاحية / الفصح وواجبنا الانساني / بقلم رئيس التحرير  * 

العودة إلى دمشق (قصة قصيرة)

10930181_802531253160488_7376023834384593218_n

“سيمرّ البولمان من شارع القنّاصين”
“ماذا؟ هل تعني ماتقول؟ كيف؟” سألتُ السائق بانفعال بعد أن اخترقت هذه الجملة أذنيَّ لتصل إلى ناظم الخطى لضربات القلب وللمركز المتحكّم بمعدّل التنفس… فقد سيطر دماغي السيطرة عليهما..
“هل تعني ما تقول؟” سألته ثانية وهو يرمقني بنظرةٍ لا يخالطها استغراب.. فطبيعي أن أنفعل وأنا أسمعه يقول هذا الكلام لأحدهم..
فشارع القناصين هذا الذي توقّف المرور فيه منذ فترة بعد أن ابتلع الكثير من العابرين فيه… كانت المركبات تنطلق عند الوصول إليه بسرعة جنونية علّ السرعة تحمي الركاب من رصاص القنّاصين المنتشرين على الأسطح حيث لا يظهر منهم سوى فوّهاتهم التي ستختار ضحاياها..
وعندما بدأ التصدّي لهؤلاء القنّاصين تمّ دعم رصاصهم بالقذائف التي منع وابلها المركبات من المرور عبر هذا الشارع… لتستمرّ عملية التصدّي وتتوسّع بغية إعادة هذا الشارع إلى الخدمة..
لم يكن السائقون سعداء للطريق الجديد الذي باتوا يسلكونه ، فهو كمن يدل على أذنه البسرى بيده اليمنى… مسافة طويلة ومكان للتوقف بعيد عن المركز..لكنهم مع ذلك كانوا مرتاحين لهذا التحول حفاظاً على أمنهم وأمن الركاب…
أما اليوم… فرغم كل ما انتشر من أقاويل عن هذا الشارع وخطورته فقد تقرر مرور البولمانات منه … لماذا؟؟؟ لم يجب السائق، واكتفى بهذه النظرة التي استطعت أن أقرأ فيها ما يريد قوله:
“أليس العودُ حميداً؟ هل سنبقى نلتفّ حول الطرقات لنؤَمّن وهم وصولٍ لم يكتمل؟ مهما كانت الأخطار، فقط ثقي بمدبّر الأقدار… فلن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا”
أدركت ذلك وآمنت به… ولكنني ما استطعت إيقاف نبضي عن التخبّط ولا شهيقي عن مقارعة زفيري…
حاولت كتم أنفاسي وإغماض عيوني ريثما أصل… ولكنني ما استطعت…
عند أول حاجزٍ في هذا الشارع العائد من الخطف توّاً تخاصم جفناي… فأطاحا برغبة داخلي بإقامة جدارٍ عازلٍ في وجه شعاع ضوء ينقل إلى ذاكرتي صوراً تتآمر مع العاذلين، لتلوين الياسمين المعرّش على جدرانها بألوان شتّى… فتستبيح العبق العذريّ المنتشر في تلافيفها لترمي به في أقبية الانتهاك…
نظرت إلى الجنديّ يتفقّد قائمة الركاب… سلاحه مرتاح على كتفه الأيمن …عاري الرأس رغم الشمس الحارقة.. يتصبب عرقاً ويقوم بمهمته بهدوء منفطع النظير …
نزل من البولمان.. تحدّث مع الضابط الجالس على كرسيّ تحت أشعة الشمس وأمامه طاولة متواضعة عليها حاسوبٌ محمول وقليل من التمر وزجاجة مياه لا أظنها باردة… ثم عاد وصعد ثانيةً … تفقد البطاقات الشخصية لكل الركاب .. واحتفظ بعدد غير قليل من هذه البطاقات اكتشفت أنها لشبان في أعمارٍ لا تتجاوز الثلاثين… ثم طلب من أصحاب هذه البطاقات بالنزول … نزلوا ووقفوا صفاً واحداً ينتظرون …
وقف الجندي أمام قائده وبيده البطاقات … يملي عليه بياناتٍ منها ليكتبها الآخر على الحاسوب ويقوم بعملية بحث ثم ينتظر … يضع البطاقة جانباً ويأخذ الأخرى … يكرّر العملية حتى انتهت البطاقات…
لفت نظري احتفاظه بإحدى البطاقات في يده حتى انتهاء العمل … ثم نادى على صاحبها وأخذ يتحدث غليه بصوت منخفض لوقت غير قليل… ثم جمع لبطاقة إلى أخواتها وطلب من الشبان الصعود… صعدوا وصعد وراءهم.. وقام بتوزيع البطاقات بالاسم… انتهى من التوزيع وسال:” هل هناك من لم يأخذ بطاقته؟” لم يرد أحد … فنزل من البولمان طالباً من السائق متابعة السير…
لم أعلم ما الذي حدث… ولم يعلم أيّ من الركاب سبب هذه الإجراءات… ولكن إن هي إلا لحظات حتى وصل إلى سمعي صوت شابّ يجلس غير بعيد عن مقعدي يتحدث عبر هاتفه الجوّال :” لاشيء..لاشيء… آسف لإزعاجك… لقد قضي الأمر… الموضوع مجرد تشابه أسماء ليس إلا… والحمد لله أن تم اكتشاف ذلك بسرعة …”
هكذا إذاً… تشابه أسماء مع أحدهم… لماذا أنزلوا الباقين إذاً؟؟؟ ربما ليبدو الأمر طبيعياً أمام الركاب … وربما لأمر آخر… لم أستطع التّكهّن…
تابع البولمان سيره وعيناي متشبثتان بالنافذة… فكل ما أراه جديد.. كأنه شارع آخر أمرّ به للمرة الأولى…
هاهنا دبابة تسير ببطء… وهناك دخان لا أعرف مصدره… وهذه أكوام من الحجارة تضجّ بالسكون كانت يوماً ما بناءً يضجّ بالحياة… وذاك بناء كان زجاجياً فبات هوائياً … وتلك أبنية تثقّبت جدرانها فلا تجد فيها متراً إلا وفيه ضربة قذيقة أو ثقب شظية… وأبنية أخرى اتّشحت أجزاؤها الصامدة بالسواد حداداً على أجزاءها المتساقطة أشلاء..
شغلتني هذه الصور عن التنبّه أننا وقفنا على الحاجز الثاني في ذات الشارع … ما علمتُ كم بقينا وقوفاً فقد تابع البولمان سيره ثانية بمجرّد تنبّهي… نظرت إلى السائق وأطرافه المرتبكة المتشنجة التي تُتَرجَم إلى قيادة سريعة غير متوازنة… علمت أن ما يراودني قد راوده وبشكل أكثر قوة… فهو مسؤول عن المركبة والركاب… ولا يدري أيستطيع إيصالها إلى بر الأمان أم لا….
حاجز ثالث وقفنا عليه… لنصل إلى مدخل المدينة الذي كان مزداناً بالخضرة الموزعة بتنسيق فني بالغ الروعة… لكنه اليوم مزدان بشجر يبكي وحجر يئن وبشر مغيّب … اليوم لاشيء سوى آثار من مرّوا فعائوا الفساد والدمار…
وصل البولمان أخيراً إلى موقفه القريب من المركز… لكنه خارج المركز الذي مازال مخطوفاً، ومازالت القذائف والشظايا تمطره بوابلها..
ماعدتُ أدري كيف أتحرّك … شعرت أنني كرجل آلي يتحرك بالريموت كونترول… نزلت من الباص.. تسلمتُ متاعي… وسلّمتُ نفسي المتعبة لأول سيارة أجرة جاء سائقها يبحث عن رزقٍ بين نزلاء هذا المكان لموحش… لم أناقشه في الأجرة … أ‘لم أنني دفعت له ضعف ما ينبغي عليّ أن أدفعه… لكن كان كل همّي هو الخروج من هذا المكان والابتعاد عن تلك الصور… علّ ذاكرتي تستطيع لفظها من مخزنها البصري قبل أن تعشش في باحات الوجدان وجعاً يجتاز الحدود…
فتحت عينيّ أنظر من نافذة سيارة الأجرة… لأرى شوارع المدينة مازالت تعجّ بالحياة… والياسمين ما زال معرّشاً على جدران الأبنية العتيقة …
تنشّقت عبقه بعمق… فوحده الياسمين قادرٌ على إعادة إقلاع الذاكرة ماحياً من تلافيفها صوراً تضجّ بألوان قاتمة.. ليسكنها البياض طهراً نرجسياً لا يعرف الانكسار..
برغم شارع القناصين.. وآثار خفافيش الظلام البادية على كل شبرٍ من طريقي إلى مدينة الكبرياء… لم تستطع أقبية الانتهاك أن تصمد طويلاً داخل ذاكرتي أمام اجتياح الياسمين…
لستُ أدري كيف رحل عني هذا الكابوس المرعب… ليتملّكني الابتسام… ويعتريني التجدّد …
فالمهم.. أنني وصلت مدينة الكبرياء… المدينة التي أعشق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *