السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

غايوس لوكيليوس … مؤسس فن الهجاء في الشعر الروماني

وُلد في بلدة سويسا في مقاطعة كمبانيا الإيطالية، لأسرة نبيلة ثرية، وتوفي عن عمر مديد في مدينة نابولي.

خدم في حرب نومانتيا الإسبانية عام 134/133ق.م تحت قيادة سكيبيو إمليانوس الإفريقي
الأصغر مدمِّر قرطاجة ولعله كان صديق طفولته، ذلك أن
أسرة سكيبيو كانت تمتلك مزرعة في سويسا. كما كان أحد أعضاء حلقة سكيبيو الأدبية،
التي كانت تضم نخبة من رجال الفكر الرومان والإغريق ومنهم الفيلسوف الرواقي
بانايتيوس والمؤرخ الكبير بوليبيوس والشاعر الكوميدي ترنتيوس وآخرون، وتعمل على نشر ثقافة إنسانية رفيعة مستوحاة من الفلسفة
الإغريقية. انكب لوكيليوس على دراسة الفلسفة وأمضى وقتاً طويلاً في أثينا حيث أهدى
إليه رئيس الأكاديمية كليتوماخوس أحد مؤلفاته. وكان على الصعيد السياسي متحمساً لآل سكيبيو
وزعيمها الذي تصدى لدعوات الإصلاح السياسي والاجتماعي التي قادها محامي الشعب تيبريوس غراكوس لكن ذلك لم يمنعه من إظهار احترامه له.

لم ينظم لوكيليوس الشعر الهجائي إلا بعد عودته
من نومانتيا، وكان آنذاك قد بلغ سن الرجولة الناضجة، ويبدو أنه بدأ يحس بالغربة في
ذلك العصر المضطرب ورأى في الأهاجي وسيلة لنقد الأوضاع السيئة في السياسة
والمجتمع. تداولت قصائدَه الأيدي والآذان قبل أن تُجمع وتُنشر في مجموعتين صدرت
أولاهما عام 123ق.م وضمت الكتب (26- 30) ونشرت الثانية بعد ذلك وضمت الكتب (1-
20)، أما الكتب (21- 25) فنشرت بعد موته ضمن طبعة كاملة لديوانه أصدرها فالريوس كاتو ومع أنه لم يبق من كتبه الثلاثين سوى (1300) بيت، فإنها يمكن أن
تعطي صورة لابأس بها عن شخصية الشاعر وطبيعة هجائياته والموضوعات التي عالجها؛ مثل مظاهر حياة الترف والمجون والمعتقدات الخرافية والخصومات الأدبية والعادات السيئة، ومشاهد متنوعة طريفة من الحياة
اليومية لمعاصريه بإطار فكاهي. كما تتضمن أشعاره إشارات إلى سيرته الذاتية مثل
سفره مع حاشيته إلى صقلية والمغامرات التي لقيها، وجاءت في الكتاب الثالث من
ديوانه، وهي أول وصف لرحلة في اللاتينية بصيغة رسالة شعرية. ويعود إليه الفضل في
ابتكار نوع أدبي جديد في الشعر اللاتيني أطلق عليه اسم ساتوراي ، وهو الذي منحه في الحقيقة طابعه الهجائي وسماته الأساسية: نقد المساوئ والأمراض الاجتماعية، الموقف
التربوي واللهجة المرحة. وقد أطلق عليه الشاعر هوراتيوس «مبتكر هذا الفن الأدبي» إذ كانت كلمة ساتورا قبل ذلك لاتعني أكثر من باقة من الأشعار ذات
طبيعة مسلية وتعليمية.

كان لوكيليوس مثل كليماخوس نموذج الشاعر المثقف ، فقد ضمّن هجائياته بعض الانتقادات الأدبية واللغوية ودمج كلمات
إغريقية باللاتينية. استخدم في أشعاره الباكرة أوزاناً مختلفة، ثم اقتصر على البحر
السداسي ورفعه بذلك إلى البحر السائد المعتاد في الأشعار الهجائية
الرومانية. تتميز لغته بالقوة والجزالة والحيوية، واستعمال لغة الحديث اليومي
أحياناً، ولغة الجنود الفجة الخشنة أحياناً أخرى؛ مما يتلاءم مع طبيعة شعر
الساتورا، الذي يتسم بخشونة اللغة وفحشها أحياناً. ويبدو أن أسلوبه لم يكن على
سوية واحدة. وهذا ما جعل هوراتيوس، مع إعجابه الكبير به وتقليده له، يكيل له النقد
المرير.

يتميز شعر لوكيليوس بسلاسة التنقل من موضوع إلى
آخر، مما يعطي قصائده مسحة الحدث البسيط من غير أن تفقد سمة الانسجام. وتجمع هذه
القصائد بين السخرية الخفيفة والتهكم اللاذع، وكذلك النقد والتجريح من ناحية
وأقوال الحكمة الباسمة ووعظ الفيلسوف المتجول في الشوارع من جهة أخرى، وهذا من
علائم تأثره بالشاعر السوري الهجّاء مِنيبوس ، واضعاً نصب عينيه دائماً هدفاً سامياً هو تعليم القارئ وتثقيفه.

أثر لوكيليوس في شعراء رومان مثل سِنيكا
وبِترونيوس ويوڤينال وقد أشاد به الشاعر والناقد الفرنسي بوالو ووصفه بأنه كان أول من عرض مثالب الرومان في أشعاره.

المصدر: الموسوعة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *