السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

رحلة قصيرة إلى الزمن الجميل

 لا شك أن التمايز واختلاف اللهجات المحلية بين المحافظات عامل يكشف انتماء أبنائها إلى مناطقهم فور النطق بها , مثلها في ذلك مثل

اللباس في تراثنا الشعبي , مع أنه ولئن قل او انعدم التزي بذلك اللباس بين أكثر الشباب ما خلا كبار السن , لكنه تبقى اللهجة المحلية لكل محافظة ومنطقه دليلا ومؤشرا لانتماء ابنائها لأكثر المحافظات والمناطق من الجغرافية السورية بل وترى أحيانا انه في بعض من الكلمات وعلى قلتها تستطيع أن تكشف انتماء الناطق بها من أي منطقة هو فابن حلب مثلا يقول يوب بدلا من بابا والشامي يابي والحموي يابو و..و..ومن بعض طرافة اللهجة الحمويه والفريدة بين كل لهجات الجغرافية السورية أنهم يقولون كلمة “ندرَّج أي نتمشى للنزهه فبذا ينكشف فورا لأته ما من احد ينطق بهذه الكلمة ويقصد دالتها غيرالحموي وحماه بنت العاصي شهيرة ببساتينها ونواعيرها وخضرتها وثمارها واشجارها وطقسها الجميل وخاصة في فصل الربيع وكثرة أماكن السيارين نهاية الاسبوع , وأماكن النزهات القصيرة التي لا يحتاج الوصول إليها عناء سير مسافات طويلة ومن بعضها إطلالة البرناوي حيث غنى المناظر من القلعة إلى العاصي وناعورة المحمدية والدهشة والقناطر , وكذلك كتف الشريعه حيث رحابة مدى النظر إلى بساتين سريحين والجاجيه ثم منطقة البشريات حيث الأربع نواعير والطريق الترابي المؤدي إليها قديما بين ظلال الأشجار الوارفة وأسوار البساتين والرياحين وزهر البيلسان وكنا نقطف ونأكل “عنب الدب” كنت ترى النسوة يجلسن على تل صفرون “تل الدباغه” حيث منظر ساحة العاصي وناعورة الجسرية والمأمورية وكنا من هذا المكان نطير طائراتنا الورقيه التي نصنعها من ورق اكياس الشمنيتو واضلاع من القصب ونلصقها بالعجين وتربطها بمزق من قماش الشراطيط ونتبارى بارتفاعها في السماء وهي تطير متراقصة وتسمع صرخات الإعجاب والتباهي , وكان هناك أيضا من فوق القلعة إطلالتها الساحرة على التاريخ فمن جامع النوري إلى الكيلانية فحارة الطوافرة وقصر العظم وجامع أبي الفداء انك تختصر رؤية أزمنة متباعدة بمسافة قليلة وأنت تتمشى على ظهر القلعة كأنك في حرم التاريخ .. وكان هناك …وهناك كيفما سرت أو أينما اتجهت كنوز من سحر الطبيعة وروعة المنظر.. ونعود لكلمة “ندرّج” على طريق جديد والذي كان ابتداؤه شارع القوتلي ثم الفسحة الخضراء أمام السرايا والتي تمتد حتى بناء البلدية القديمة ولم يكن المركز الثقافي في ذاك الوقت عامرا ولا حتى جسر الشهيد شفيق العبيسي وكان الا نتقال لمنطقة الحاضر عبر جسر المراكب مجتازا طرفا من بستان ام الحسن وكانت البساتين تغطي أرجاء الأرض حيث تسمى أرض الخضرا فيقصدها النساء مثل بقية الأمكنة للفسحة من بعد صلاة العصر وتراهن بملايا الزم يتحلقن على الأرض لمات لمات يأكلن الخس و عرانيس الذرة وفاكهة الأوان ويضحكن وأولادهن يلعبن حولهن حتى إذا مالت الشمس للغروب يقمن عائدات إلى بيوتهن فقد “عتمت العين” كنا شبابا يافعين في صحبة “نتدرج” على طريق جديد ونتابع أحينا حتى البشريات تحت ظلال الآشجار ونشتري صندويش الفلافل من محل “ابو راغب” أو “الدنكي” ونحن نضحك ونمرح ..وكم سرنا في هذا الطريق منذ الصباح الباكر ونحن نذاكر للفحص ونسير بين بساتين سريحين والعوجيات , في وقت كان البعض منا يذاكر مستعدا للفحص في جامع الكبير , والمدفن , المرابط , وجامع الجديد …. أيام على البال مازالت محفورة في الذاكرة لا تنسى .. فيا قارئي اعلم أنك لو سمعت من أحد كلمة “نتدرج” فاعرف انه من أبناء حماه ويقصد النزهة . لحا الله ذاك الزمان الجميل ورحم الله اهله. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *