السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

أعياد الأخوة المسيحيين في حماه

 . في الكلمة التي قيلت وكانت ما أروعها من كلمة تمثل شهادة صدرت عن رجل دين مسيحي كان هو مطران حماه سيادة المطران اغناطيوس حريكة رحمه الله في حفل تكريم رجل دين مسلم كان هو مفتي حماه السيد الشيخ محمد سعيد النعسان رحمه الله

, وكان مما قاله في هذه الكلمة :” الجهاد الأكبر هو التغلب على الأطماع والأهواء , وإن الدين الحقيقي ليس أشكالاً ومراسيم ومظاهر بل هو ضمير ووجدان وتضحية وإنكار ذات .فهو يؤمن بالقول الشريف : ” خالق الناس بخلق حسن “. فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا , والدين حسن الخُلُق . ” تلك الكلمات قالها سيادة المطران حريكة بحق السيد الشيخ النعسان وبالرغم من أن الاستعمار الفرنسي حاول أن يجعل منهما خصمين , فقد فشل في ذلك وبدلا عنه كانا حليفين متعاونين في خدمة الإنسان , وكانا يتبادلان التهاني في رمضان والأعياد بل ويذكر أن السيد الشيخ سعيد كان مسؤولا عن دار العجزة وكان سيادة المطران حريكه نائبه عليها وكانت الهبات الخيرية توزع على الميتم الإسلامي والميتم المسيحي سواء بسواء . ومدينة حماه بنت العاصي وهِبَته كما مصر هبة النيل والتي تحمل على أكتافها أثقال آلاف السنين ونواعيرها التي مازالت دوائر تناطح الزمن بضراوة من أجل البقاء كلما جاد ماء النهر. وطبيعتها التي تبقى كنز بصري كآثارها التي يتحدث صمتها عن عظمة الانسان الذي صنعها بيده وذوقها بفنه وأودعها احساسه ومشاعره . كان مذهب الاسلام والمسيحية في حماه محبة وتسامح وتكامل حضاري وتكفي نظرة الى أعياد حماه الدينية سواء أكانت إسلامية او مسيحية أنها تمثل تراث شعبي عريق وتعبر بصدق عن عاطفة الحب والحنان لتتمثل في ذكرى تفوح بعبق الطيب كلما مرت مناسبتها لتشيع في القلب الفرح وترسم على الوجوه الضحكات .. كانت سمة مشاركة الأعياد في حماه لطوائف الإسلام والمسيحية سمة قل نظيرها في دول العالم وبخاصة الأعياد الدينية منها حيث كانت تحمل في معانيها فضيلة الوقار والاحساس بخالق البشر جميعا ومخافته وبالإيمان للوصول إلى محبة بعضنا البعض فالعيد هنا لمسلم او مسيحي يحمل معنى تجديد الإيمان كما يحمل في طياته معان سامية وقيم روحية عالية. تماما كما في المشاركة في الأعياد الوطنية كذكرى الجلاء والاستقلال والانتصارات العظيمة للأمة كلها كانت تكرس في معانيها للمسلم والمسيحي حب الوطن وتنمي الشعور الوطني وصدق الانتماء. كم من ذكريات تمر وتلقي أمام إنسان حماه ووطنه العظيم سوريه وتشع بأنوارها حيث نستلهم منها روح الإسلام في الحكمة والحق والعدل كما نستلهم روح وشفافية تسامح المسيحية في حب الإنسان . فكم كان من بين المؤمنين اسلاما ومسيحيين من كان يطوف على بيوت الفقراء على اختلاف مذاهبهم في شهر رمضان بل ويطوف حتى على الغرباء من سكان البلد ويأتي بيوتهم سراً يجلب لهم الغذاء والدواء والكساء بل ويجبي لهم من الموسرين , ويدفع عنهم الأذ ى, ويرأف حتى بالحيوان, وكان يكثر من أهل الخير مسلمين ومسيحيين الذين كانوا يتفقدون منازل المهاجرين من الأرمن ليسدوا رمقهم بوقت عزَّت فيها حتى كسرة الخبز على الأهل من فقراء المسلمين والمسيحيين. ولنتكلم هنا عن أعياد اخوتنا المسيحيين في حماه.. كانت الأعياد المسيحية غالبًا ما تكون مترافقة مع مهرجات واحتفالات اجتماعية وخاصة في المناسبات عيد الفصح ” وهو اليوم الذي قام فيه المسيح من قبره” وعيد الميلاد الذي يُعتبر ثاني أهم الأعياد المسيحية.وعيد رأس السنة الذي يحتفل فيه الإسلام والمسيحيون سواء بسواء , وعيد الشعانين ” وهو اليوم الذي دخل فيه المسيح القدس” وعيد البشارة “عندما بشر جبريل السيدة العذراء مريم بالحمل” وعيد أحد الشعانين “عند دخول السيد المسيح الى الكنيسه ” وعيد الصليب “عند استرداد الصليب من بلاد فارس” وعيد التجلّي “عندما تجلى الرب لموسى في جبل سادوم واعطاه الوصايا العشر” وعيد سبت اليعازر… ففي كل هذه الأعياد كان يتشارك فيها الإسلاميون والمسيحيون من أبناء حماه من تبادل التهاني والتبريكات والأماني والزيارات في اعيادهم بل وحتى كانوا في دعوات الولائم وتبادل صبَّات الطعام كما في رمضان فمثلا في عيد البربارة “حيث اعتنقت القديسه بربارة المسيحية بالعهد الروماني ” يصنعون طعاما يتألف من قمح وشمرة ويانسون وسكر ومكسرات جوز لوز ..” كما في عيد سبت اليعازر يصنعون الحريرة من دبس وطحينة وشمرة ويانسون ويبعثون الصبَّة لإخوانهم المسلمين وكما المسلمون يبعثون لهم الأضاحي في عيد الأضحى وصبَّات الطعام في رمضان لجيران الحي والأصدقاء وكما هدايا الحلوى في عيد المولد النبوي الشريف وحلاوة المحيا في عيد النصف من شعبان … كنا صغارا اذكر كيف كنا نشارك رفاقنا المسيحيين في اشعال الحرائق في عيد التجلِّي كما في أحد الشعانين نشاركهم في المفرقعات واشعال الشموع وفي زينة شجرة الميلاد امام كنيسه سيدة الدخول في حي المدينة والعاقبة والشيخ عنبر… . وكانت كل تلك الأعياد مجتمعة والمشاركة فيها تمثل صورة أخرى من تراث وتاريخ حماه حيث يبرز فيها الوعي العميق وتفهم القيم الروحية وتقدير الإنسانية وبثِّ روح المحبة والتآخي بين طوائف المدينة . كان يترافق خاصة عيد الميلاد باحتفالات دينية وصلوات خاصة للمناسبة، واجتماعات عائلية واحتفالات اجتماعية أبرزها وضع شجرة الميلاد وصنع المغارة والخراف ’ وتبادل الهدايا واستقبال بابا نويل وتناول عشاء الميلاد، علمًا أن أعدادًا كبيرة من غير المسيحيين كانت تحتفل بالعيد أيضًاكما في رأس السنة خاصة’ وكان يترافق عيد الميلاد مع تزيين المنازل والكنائس والشوارع الرئيسية والساحات والأماكن العامة في المناطق التي تحتفل بالعيد، بزينة خاصة به يساعدهم في اعدادها واقامتها إخوانهم المسلمين من الاصحاب ورفاق الحارة والجيران ولا ادل على ذلك من حي المدينة وباب القبلي والعاقبة والشيخ عنبر …الخ. ومن التراث فلقد ذكر شيخ الربوة أن أهل جماه كانوا يحتفلون بعيد الفصح ومدته ستة أيام حيث يعطل فيه اهل حماه ويلبسون احلى الثياب ويأكلون أطيب الطعام . وكانت الناس ترد الى حماه من سائر البلاد المجاورة لمشاهدة الاحتفال حيث يطلعون الى العاصي يغنون ويرقصون وينصبون الخيام , وكذلك يحتفلون بعيد أول صوم النصارى وعيد الميلاد والغطاس وعيد دخول الهيكل “خميس العهد” وعيد النور, وعيد التجلّي, وعيد الصليب ,وفي هذا دلالة على مكانة المسيحيين في حماه وطبيعة العلاقات بينهم وبين المسلمين التي اتصفت بالود والمشاركة في الافراح والاحزان رغم طروف الحروب الصليبية القاسية . مرجع صفحة 162 مملكة حماه الايوبية احمد غسان سبانو وتبقى الأعياد الدينية لمختلف الطوائف الإسلامية والمسيحية في حماه تمثل صدى بيئة تعبر عن أهلنا في الماضي وترسم أنماط سلوكهم الاجتماعي وعاداتهم وتقاليدهم وجوانب من حياتهم .. إنها تمثل جزءاً من تراثنا الشعبي والذي هي متنفس للمشاعر الانسانية في صورها الأولى وجانب مميز من ماضي آبائنا وأجدادنا فيه كشف عن ظواهر ثقافية وحضارية كانت تعيش فينا في ضمائرنا في سلوكنا وتعبر عن منظورنا الوطني والقومي . وتبقى أعياد حماه الدينية إسلامية سواء أكانت ام مسيحية مميزة ومختلفة , حيث تتجلى فيها سحر الطبيعة وعنين الناعورة وصور شعب عظيم متمسك بعاداته وتقاليده .. وصور عن روح مكان يختزن فيه كل الذكريات ويخبئ كل ما حملته الروح البشرية من مكنونات وأحاسيس ومشاعر لإنسان حماه الذي عاش فوق تراب بلده الغالي وشرب من ماء عاصيه … وكل عام وأنتم بخير…. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *