الأحد 20 كانون الثاني 2019 : صدر العدد السنوي 2019 ضمن سلسلة اصدارات موقع مجلة كفربو الثقافية , فأهلا وسهلا بكم في موقعكم لتصفح المواد الثقافية المميزة ..  * 

الصورة الجمالية للخمر في الشعر العباسي

دكتور ياسر عبد الحسيب رضوان
الصورة الجمالية للخمر في الشعر العباسي
حفلت الذاكرة العربية بمواقف متباينة من الخمر ، ففي الجاهلية كانت الخمر شرابًا مقدّسًا عند العرب كما كانت عند الشعوب القديمة قد ” اتخذت طابعًا قدسيًّا ، وكانوا يتعاطونها في مناسبات خاصة بوصفها من الشعائر المرتبطة بالعبادة ” ( ) وقد جاء في دائرة المعارف الكتابية أن ” كانت الخمر في العهد القديم تُعتبَر من ضرورات الحياة وليست من قبيل الترف ، فكانت جزءًا لازمًا في أبسط الوجبات ” ( ) ومع ذلك هناك أقوال كثيرة تنفِّر من الخمر وما يترتب عليها من السُّكْر ، والأمر كذلك في العهد الجديد الذي ينهى عن الخمر ( ) رغم أنه يضم إشارة صريحة من بولس الرسول المبشر الأعظم للمسيحية إلى طيموتاوس يققول له فيها : ” لا تقتصر بعدَ اليوم على شُرْبِ الماء ، وتناول قليلاً من الخمر من أجل معدتك وأمراضك الملازمة ” ( ) 0

 

 

 

ولعل ما في الكتاب المقدس بعهديه من إشارات إلى شرب الخمر قد كان مدعاة لانتشار شربها في الجاهلية بين العرب متأثرين باليهود والنصارى ، وحفلت الأشعار العربية الجاهلية بالخمر وشربها والعب منها ، واشتهر الأعشى من بين الجاهليين بالتهالك عليها وعلى الحديث عنها في شعره ، وعندما جاء الإسلام الحنيف ، ووضْعُ الخمر على هذا النحو بين العرب ، كان أسلوبه الحكيم في تحريم الخمر الذي جاء على مراحل ثلاثة ؛ رعاية لكلف العرب بها ، وكانت المرحلة الخاتمة قول الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ المائدة 90] وعندها انتهى المسلمون عن شرب الخمر ، أو حتى الإلمام بها وكان ذلك في عهد النبوَّة والخلافة الراشدة 0
وبعد هذه الفترة الزاهرة من حياة المسلمين ، أخذ البون يبعد بين الناس وعهد النبوة والخلافة الراشدة ، ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول أقوام من غير العرب في الإسلام فضلا عن غير المسلمين الذي صاروا من رعايا الدولة الإسلامية التي احترمت عاداتهم وتقاليدهم التي أخذت في الانتشار والتأثير في المجتمعات الإسلامية ” وكل ذلك أدى إلى عدم اهتمام كثير من المسلمين بالأوامر والنواهي الدينية وعاد الكثيرون إلى شرب الخمر ” ( ) عودة ربما تعللت إلى جانب ما سبق دور دولة الخلافة في إلهاء الناس بإذاعة مجالس الخمر التي لم يقف أمر تناولها على العامة ، بل وجدنا بعض الخلفاء ينال منها ما شاء غير عابئ بما في الشرع من النصوص المُحَرِّمَةِ لها مثل يزيد بن معاوية الذي ما كان يمشي إلا وهو سكران ، وعبد الملك بن مروان الذي كان يسكر مرة في الشهر ، وابنه الوليد كان يشرب يومًا ويدع يومًا ، وسليمان بن عبد الملك كان يشرب ليلة من كل ثلاث ليالٍ ، وكان هشام يسكر في كل جمعة ، ولا ننسى يزيد بن الوليد والوليد بن يزيد وهما مدمنا الخمر الأمويين وقد بلغت شهرتهما في ذلك ما بلغت ، وأما مروان بن محمد ، فقد كان يشرب ليلتَيْ الثلاثاء والسبت ( ) 0
واستمر أمر تلك المجالس الخمرية عند الخلفاء الأمويين ، ولم يتغير الحال في الخلافة العباسية التي شهدت اتساعًا كبيرًا وأمما مختلفة ، ولعل فيما لعبه الفرس من دور في قيام الخلافة العباسية ، وتقدير العباسيين لهم ما يبرر سرعة انتشار شرب الخمر والتهالك عليها بين الخاصة والعامة ، فالديانات الفارسية القديمة كانت تُحل الخمر ولا تحرمها ، ومن ثمة كان أتباعها يتناولونها شربًا وتهالكًا عليها وعلى مجالسها ، وأما الخلفاء العباسيون فإنهم في ذلك مثل الخلفاء الأمويين ساعدوا بصورة أو بأخرى على انتشار المجالس الخمرية ، بل كان أكثرهم يشربها على تفاوتٍ بينهم في الشرب ، فمنهم من كان يشرب يومًا واحدًا مثل أبي العباس السفاح ، ومنهم من كان يشرب يومًا ويدع الشراب يومًا مثل الهادي والمهدي ، وكان هارون الرشيد يشرب في كل جمعة مرتين ، وأدمن المأمون الخمر بعد خروجه إلى الشام إلى أن تُوفِّي ن وكان المعتصم لا يشرب يوم الخميس ولا يوم الجمعة ، وأما الواثق بالله ، فإنه مع إدمانه الخمر لم يكن يشرب لا في ليلة الجمعة ولا في يومها ( ) 0
وإلى جانب ما سبق كان هناك الاختلاف في نوع المحرم من الخمر والنبيذ ، منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم وقد ذكر ابن قتيبة قولاً لعمر بن عبد العزيز بعث به إلى واليه على البصرة عدي بن أرطاة ، وذلك لما فشا أمر الخمر وشربها ، وما نتج عنه من ارتكاب المحرمات ، وهذا القول من عمر بن عبد العزيز قد أشكل على الشاربين ، فظنوه أحل لهم بعض الأنبذة ، فقد قال عمر بن عبد العزييز رضي الله عنه : ” وإن شرابًا حمل الناسَ على هذا لبأس شديد ، وإثم عظيم ، وقد جعل الله عنه مندوحة وسعة من أشربة كثيرة ، ليس في الأنفس منها حاجة : الماء العذب واللبن والعسل والسَّويق وأشربة كثيرة من نبيذ التمر والزَّبيب في أسقية الأدَم التي لازفتَ فيها ” ( ) 0
ويبدو أن عمر بن عبد العزيز قد كان ينظر إلى موقف المسلمين الأُول من الخمر والنبيذ حتى قال مقولته تلك ؛ ذلك أن ” تحريم الخمر مجمَعٌ عليه لا اختلاف فيه بين اثنين من الأئمة والعلماء ، وتحريم النبيذ مختلَف فيه بين الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ” ( ) وإذا كان هذا الاختلاف منذ زمن الصحابة ، فإنه مع تباعد الزمن واتساع الدولة الإسلامية واكتظاظها بالعناصر البشرية المختلفة ، كان طبيعيًّا أن يتهالك الكثيرون على الخمور والأنبذة وكان عذرهم في ذلك ما قدمنا ، ومع ذلك فإن الحرمة البينة في الخمور والمسكرات لا يمكن أن يُساوَم عليها ، ولا أن يُقدَّم لشربها عذر من الأعذار ، وفي النهاية هناك القانون الإلهي الذي لا يتبدل ولا يتغير ، وذلك قول الله عز وجلَّ : ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾[ الطور 21] وقول الله عز وجلّ : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾[ المدثر 38] 0
وبعيد عن هذا الجانب الأخلاقي الديني في مسألة الخمر ، نجد أن الشعر الخمري مثل الفنون الشعرية الأخرى التي دارت حولها القصيدة العربية القديمة ، حيث شغل مساحة كبيرة من الشعر العربي في أعصاره المختلفة ـ إذا استثنينا عصر صدر الإسلام وشطرًا من الخلافة الأموية ـ وهي مساحة قدم فيها الشعراء لوحات فنية ودلالية وجمالية لا تقل عن لوحات الغزل والمديح والفخر وغيرها من اللوحات التي لم تنفصل عن رؤى الشعراء الجمالية والنفسية والسياقية والدينية وغيرها ، وإن كنا هنا نركز على الرؤية الجمالية التي تستدعي في سياقها الرؤى الأخرى في فضاء النص الشعري 0
تتجلى في السياق الخمري الرؤية الجمالية للشعراء العباسيين ، فقد أضفوا عليها من الصفات الجمالية مثل ما أضفوها على السياق الغزلي بالمرأة والغلمان ، وكأنهم كانوا يتغزلون في الخمر مثلما تغزلوا في المرأة والغلمان ، وقد رأينا ذلك في بيت البحتري السابق ، وهذا ابن الرومي يقدم للخمر صورة جمالية فيقول [ كامل ] ( ) :
رُوحُ النُّفُـــوسِ تَنَفُّــسُ الصَّهْبَــــاءِ *** مِــــنْ دُونِـهَـــا كَـالصُّـــــبْحِ بِاللأْلاءِ
فَكَأَنَّهَا مِنْ فَوْقِ عَرْشِ زُجَاجِهَا *** بَلْقِيسُ تُجْـلَى فِي حُلَى حَسْنَاءِ
وَكَأَنَّهَا فِي الْكَأْسِ شَمْسٌ قَارَنَتْ *** بُـــرْجَ الْــهِــلاَلِ فَهَــلَّ بِالأَضْــوَاءِ
وتتبدى الرؤية الجمالية للخمر في أمرين : أولهما استدعاء بلقيس في الصورة التشبيهية للخمر ، ذلك أن شخصية بلقيس ” قد كانت رمزًا من رموز الجمال البشري ” ( ) الذي يزيده صفاءً وبهاءً وإشراقًا ذلك التناص الدلالي مع القصة القرآنية حيث قول الله تعالى : ﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ﴾[ النمل44] وثانيهما تشبيه الخمر وهي في الكأس بالشمس وقد قارنت برج الهلال الذي بدا بالأضواء المستمدة من الشمس ، واستدعاء الهلال والشمس إلى جانب دلالة الصفاء والإشراق ، نراه يُضفي عليها قيمة علوية سامية 0
ويقدم أبو دلف العجلي صورة جمالية للخمر مستمدًّا عناصرها من الشمس فيقول [ بسيط ] ( ) :
وَقَهْــــوَةٍ كَشُعَـــاعِ الشَّمْسِ رَوْنَقُهَـــا *** لَيْسَتْ مِـنَ الْخَمْرِ إِلاَّ فِي مَعَانِيهَــــا
تَخَــالُ مِنْهَــا حَـوَاشِي الْكَأْسِ خَالِيَةً *** لَــــوْلاَ أَكَـــالِـــيــــــلُ دُرٍّ فِي أَعَــالِـيهَــــا
فهذه الصورة الجمالية تتخذ رونقها وبهاءها من عناصرها التي تبدأ مع شعاع الشمس بكل ما يستدعيه من دلالات السناء والإشراق والصفاء البالغ الدقة حتى كأن الكأس التي تحملها خالية منها ، ولا يتيقن المتناول لها من وجودها إلا برؤيته تلك الفقاقيع الدرية اللون التي تبدو في أعالي الكأس ، والشاعر بهذه الصورة الجمالية يعلو بالقهوة عن انتسابها إلى الخمر إلا في معانيها ، مع ملاحظة ما في لون الدر الأبيض من دلالات على عتق الخمر ونفاستها ، ويقول الخليفة عبد الله بن المعتز [ طويل ] ( ) :
وَكَـــرْخِــيَّــةِ الأَنْسَــــابِ أَوْ بَــابِــلِـيَّــةٍ *** ثَوَتْ حِقَبًا فِي ظُلْمَـةِ الْقَارِ لاَ تَسْرِي
أَرَقْتُ صَفَاءَ الْمَاءِ فَوْقَ صَفَائِهَا *** فَخِلْتُهُمَــا سُــلاَّ مِــنَ الشَّمْسِ وَالْـبَـدْرِ
حيث ينسب الخمر إلى الكرخ ، أو بابل لشهرتهما بالخمور الجيدة ، وهنا يجمع بين صفاء الماء وصفاء الخمر حتى يختلط عليه أمر أصلهما هل كان من الشمس أم كان من البدر ؟! وهنا يتداخل الحقل الجمالي للمرأة مع حقل الخمر ؛ لينتج الجمالية المرادة من وصف الخمر حيث الصفاء والإشراق ، ومن ثمة لا تكون المرأة ” بعيدة عن فكرة الصفاء والطهر التي توحي بها الخمرة الصافية الممزوجة بماء السماء ” ( ) ولايمكننا استبعاد التقارب الدلالي بين الشمس والخمر والمرأة ، فإن من أسماء الخمر الشَّمُوس ” من شِماس الدابّة ونفارها لأنها تشمس بشاربها وتُحدث فيه الطيش والزهو والخفّة والنَّزَق ” ( ) والشموس كما مر من الأسماء التي تُطلق على المرأة التي تنفر من الريبة ولا تُطالع الرجال ولا تُطمعهم فهي ممتنعة عليهم ، وكل ممنوع مرغوب ، ومن ثمة كان الغزل بها ، وكان اقترابها من الحقل الخمري ، لما بينهما من وشائج القربى في الأثر الحادث حيث شموسها وشموس الخمر 0
وشموس المرأة وشموس الخمر يحيلنا إلى الشعر الجاهلي حيث كانت الخمر رمزًا من رموز المرأة الإلهة الزهرة ومرادفاتها في الثقافات المختلفة ، فهي إيزيس عند المصريين وعشتار عند البابليين ، والعزى عند العرب ، ومن ثمة كانت الخمر من المقدسات التي قدستها العرب في عبادتها للزهرة المرتبطة بالشمس والقمر بجامع البنوة التي بدت فيها الزهرة النتاج الطبيعي لاقتران القمر الإله الذكر بالشمس الإلهة الأنثى ( ) وبجامع التقديس لذلك الثالوث : الشمس – المرأة – الخمر ، بدا تقديس هذه الأخيرة ـ الخمر 0 ويصف أبو الفتح البستي الخمر فيقول [ مخلع البسيط ] ( ) :
قَامَ وَفِي الْكَفِّ مِنْهُ كَأْسٌ *** حَيَــاةُ نَــفْسٍ نِــظَـــــامُ أُنْسِ
أَشْبَــهُ شَــيْءٍ بِـهَــــــا هَـــــــوَاءٌ *** فَـاضَ عَـلَـيْــهِ شُعَاعُ شَمْسِ
إن الجمالية التي يقدمها الوصف الشعري هنا تتجاوز الكأس الزجاجية بصلابتها إلى ما تحتويه من خمر جعلها الشاعر حياة للنفس ، ونظامًا لأنسه وأصحابه ، وعندما يأتي للتسبيه في البيت الثاني لا يجد إلا الهواء الصافي الرقيق النقي نقاء شعاع الشمس ورقته ، فيجعله المشبه به المقلوب ؛ إذ الأصل أن يقول : الخمر في الكأس مثل الهواء ، بيد أنه عكس التشبيه ؛ ليقول : الهواء يشبه صفاء الكأس ونقاءها ، والمراد الخمر 0 ويقول أبو شراعة [ بسيط ] ( ) :
لاَ خَيْرَ فِي الْعَيْشِ فَاسْمَعْ قَوْلَ ذِي نُصُحِ *** إِنْ أَنْتَ لَــــمْ تَـغْــدُ سَكْــرَانًـــا وَلَمْ تُـــرَحِ
مِــــــنْ قَــــهْــــــــوَةٍ كَشُعَـــاعِ الشَّمْسِ صَــــــــافِـيَــــــــةٍ *** تَنْفِي الْــهُــمُـــومَ بِـــأَنْـــوَاعٍ مِــــــنَ الْـــفَــــرَحِ
مَـــــــــــــازِلْـــــتُ أَشْــرَبُــهَـــــــــا وَاللَّـــيْــــــلُ مُـعْـتَــكِـــــرٌ *** حَتَّى أَكَبَّ الْكَرَى رَأْسِي عَلَى قَـدَحِي
إن الصورة التي يقدمها الشاعر للخمر هنا هي تشبيهها بشعاع الشمس محدِّدًا وجه الشبه الجامع بينهما وهو الصفاء والنقاء ـ صافية ـ هذا من ناحية الشكل ، أما من ناحية الأثر ، فإنها تنفي الهموم وتُدخل أنواعًا من الفرح على شاربها ، وقد اختار الشاعر من أسمائها القهوة ، سُمِّيَتْ بذلك ؛ لأنها تُذهِب شهوة شاربها للطعام ( ) ومن ثمة فإنه عندما ينكب على شربها في عكر الليل تُذهب عقله وينكبُّ رأسه على قدحه ، ويقول ابن المعتز [ طويل ] ( ) :
وَرُدَّتْ عَلَيْنَا الشَّمْسُ تَرْفُلُ فِي الدُّجَا *** فَكَانَ لِسِتْرِ اللَّيْلِ مِنْ نُورِهَا هَتْكُ
إِذَا سَــــكَــنَتْ قَـلْبًــــــا تَــــرَحَّــــــلَ هَــــــمُّـــــــــــهُ *** وَطَابَتْ لَهُ دُنْيَــاهُ وَاتَّسَـعَ الضَّنْكُ
وَمَـــا الْــمُلْكُ فِي الــدُّنـْيَــــا بِـهَـــمٍّ وَحَسْرَةٍ *** وَلَكِنَّمَــا مُـلْكُ السُّــرُورِ هُـوَ الْمُلْكُ
فالشمس هنا هي الخمر التي لا يقنع الشاعر بتصويرها بها ، وإنما راح يستدعي حقل المرأة التي تجرّ ثيابها متبخترة في مشيتها ـ ترفل ـ أثناء الظلام فتهتك ستر الليل بنورها ، وإذا أدمنها الرجل وسكنت قلبه ، فإنها تستأثر به ولا تدع للهموم به مكانًا ؛ إذ يرحل الهمُّ وتطيب الدنيا ، ويبتعد عنه الضنك ، لا لشيءٍ إلا لأن شاربها يكون بها مسرورًا ، بسبب شرب الخمر وهو الملك الذي يتملكه الرجل ولا يشعر معه بالهمِّ والحسرة ، ويقول أبو نواس [ سريع ] ( ) :
وَقَهْــــوَةٍ كَالْـمِسْكِ مَـشْمُــولَةٍ *** مَنْزِلُـهَــا الأَنْــبَـــــارُ أَوْ هِــــيـــــتُ
كَأَنَّهَــا الشَّمْـسُ إِذَا صُـفِّقَتْ *** وَبَيْتُهَــا الْكَــبْــشُ أَوِ الْـحُـوتُ
أَوْ دَارَةُ الْبَدْرِ إِذَا مَا اسْتَوَى *** وَتَــــمَّ لِــلْـــــقَــدْرِ الْــــمَـــوَاقِــــيتُ
وهو يستدعي للخمر اسمين من أسمائها ، أولهما : قهوة تُقهي شهوة شاربها إلى الطعام ، وثانيهما : مشمولة ، وقد سُمِّيت الخمر الشمول ؛ لأنها شملت العقل أيْ أحاطت به ، وشملت القوم : أحاطتهم بطيب رائحتها ـ قهوة كالمسك ـ أو لأن الناس يحفُّونها للشرب ( ) وهو يرجع بمكانها إلى العراق حيث هذان الواديان : الأنبار ، هِيتُ ، ويتقاطع في فضاء هذين المكانين الأرضيين ، فضاء علويٌّ يستدعي فيه الشاعر برجين من أبراج السماء هما برج الكبش المعروف في كتب الأنواء ببرج الحَمَل ، وبرج الحوت ، وبين الفضاءين تتجلى الصورة الجمالية للشمس التي تُصفّق أو تنقى وتروق ؛ لأن ” الجو ينقى في حلول الشمس بالحوت وبالحمل لكثرة الأمطار ، فتحسُن الشمس ” ( ) 0
على أن هذا الفضاء العلوي الذي يستدعيه الشاعر ، إنما ليقدم صورة من صور تجلي المقدس العلوي ومشاركته الفضاء السفلي بدلالته على الرِّيِّ المضمن في دلالة الواديين المذكورين : الأنبار وهيت ، ومن ثمة يمكن أن ندرك ما يقوم به الفضاء العلوي ” حيث يشارك الفضاء الأرضي ويباركه ، فيقوم تبادل بين الاتجاهين يحجب المسافة ، ويختزل الأبعاد ” ( ) لترتسم الصورة الجمالية للخمر من خلال دالتَيْ : المسك والشمس ومقاربتهما بين حاستَيْ الشم والبصر ، أو بين طيب الرائحة وجمال المنظر 0
وإذا كان الأعشى قد ” فاق بخمرياته الشعراء ، فكان إمامًا لمن جاء منهم بعده ” ( ) فإن أبا نواس ـ رغم تأثره بالأعشى ” قد بلغ بشعر الخمر إلى حد النضج ، ووصل به إلى أقصى ما ينتظر له من كمال الصناعة ” ( ) الفنية التي ميزته عن السابقين واللاحقين في هذا الفن الشعري القديم ، فقد قدّم النواسي مجموعة من اللوحات الفنية التي ألح فيها على جمالية الخمر ، مما جعلنا نقول فيما سبق : إنه كان يتغزل في الخمر ويضفي عليها من دوال الحقل البشري ما يجعلها امرأة فائقة الجمال جديرة بأن يقبل عليها ، ويعب منها ، ويغشى مجالسها ، بل يبحث عنها محتالاً في الدخول إليها كذلك المشهد الذي يصوره وقد ذهب ورفاقه إلى خمارة كانت صاحبتها من الظرف ، بحيث تقبلت حيلته ورفاقه لتناول الخمر عندها ، يقول أبو نواس من هذا المشهد [ طويل] ( ) :
فَقَـــــالَتْ لَـنَـــــا : أَهْـــــــلاً وَسَـهْــلاً وَمَـرْحَـبًــا *** بِفِتْيَــــانِ صِــدْقٍ مَــــــــا أَرَى بِــهِـــمْ أَفْـنَــا
دَخَــــــلْنَــــــــا عَــلَـيْـهَــــا وَاثِــقِـيـــنَ بِـجُـودِهَـــا *** فَلَمَّـــــا رَأَتــْنَـــــا كَــفّـــــَرَتْ ثُــمَّ حَـيّـَــتْــــنَـــــا
فَقُلْنَــــــــا لَــهَــــــــا : كِــيـلِــــي حِسَـابًـــا مُقَوَّمًـا *** دَوَارِيـقَ خَـمْـــرٍ مَــا نَـقَـصْـتِ وَمَـــا زِدْنَــــــا
فَجَاءَتْ بِهَا كَالشَّمْسِ يَحْكِي شُعَاعُهَا *** شُعَــاعَ الثُّــرَيَّـــا فِي الـزُّجَــاجِ لَنَـا حُـسْنَــا
لقد كان النواسي المتحدث بلسان هؤلاء الفتية ، ومن ثمة غابت ذاته الفردية في الذات الجمعية الــ نا ، أو الـــــ نحن ، لتسيطر هي والآخر ضمير الغياب المؤنث على هذه الحوارية التي تفنن في رسم شخوصها وأقوالهم أو حواراتهم ، وتلك ميزة من ميزات الشعر الخمري عند أبي نواس ، إلى جانب عدم اعتداده بما ارتآه القدماء حول كون البيت وحدة القصيدة ، وما ارتبط به من مصطلح التضمين الذي عده القدماء من عيوب البناء الفني في القصيدة ( ) فقد جاءت الحوارية النواسية وحدة واحدة هي أقرب ما تكون إلى الشعر القصصي الذي يحكي هذه القصة الماجنة مع الساقية أو صاحبة الخمارة المتفهمة حاجة هؤلاء الفتية إلى شرب الخمر التي بلغت من الجمال والنقاء والصفاء حدًّا استدعى الشاعر للتواصل معه دالة الشمس الممثلة للمقياس الجمالي في الحقل البشري الخاص بالمرأة الجميلة ، ثم حلّق بهذا المقياس الجمالي في الفضاء العلوي ليقارن بين الثريا ذلك النجم السماوي وزجاج الكأس الناصع الذي لا يظهر صفاؤه من صفاء الخمر 0 ويقول المتنبي [ طويل ] ( ) :
مَرَتْكَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ صَافِيَةُ الْخَمْرِ *** وَهُـنّــِئــْتَــهَــــا مِـــنْ شَـــارِبٍ مُسْكِـرِ السُّـكْـرِ
رَأَيْتُ الْحُمَيَّـــــا فِي الزُّجَـــــاجِ بِكَفِّـــهِ *** فَشَبَّهْتُهَا بِالشَّمْسِ فِي الْبَدْرِ فِي الْبَحْرِ
يتفنن المتنبي في تقديم هذا المشهد الجمالي الذي يدور أساسًا في سياق المدح ، ولكنه يتغزل في الخمر وهي في يد الممدوح وقد بلغتْ من الصفاء والرقة والضياء ما جعلها شبيهة بالشمس ، ثم شبه الزجاجة أو الكأس لبياضها ونقائها بالبدر ، ثم جعل كفَّ الممدوح التي تحمل الكأس بالبحر في الجود والسخاء ، وربما أدركنا المدلول الجامع بين هذه الدوال الثلاثة : الشمس ، البدر ، البحر ، ولعل هذا المدلول أن يكون الصفاء الموجود في الخمر مناط الصورة ، كما هو موجود في الدوال الأخرى الراسمة للصورة ، بيد أننا وفي السياق نفسه نسائل أنفسنا ، ولعل المتلقي يسائل نفسه : لِمَ كان الجمع بين الشمس والبدر ؟ ولِمَ جعل الشمس/الخمر في البدر/ الكأس ، رغم أن الشمس أكبر من البدر ؟ وإن كنا لا نعجب من جعله البدر في البحر ؛ لأنها الصورة المعهودة التي تبرز صفاء مياه البحر لتتساوق وصفاء الخمر والشمس وزجاج الكأس 0
إن الصورة التي يقدمها المتنبي للخمر والزجاجة والممدوح في البيت الثاني ربما لم تكن مبتكرة في نظر العكبري الذي ذهب إلى أن البيت الثاني فيه نظر إلى قول الحكمي ـ أبو نواس ـ [ كامل ] ( ) :
فَكَــأَنَّـهَــــــا وَكَــــــأَنَّ شَــارِبَهَــــا *** قَمَرٌ يُقَبِّلُ عَارِضَ الشَّمْسِ
وهذا البيت ليس لأبي نواس ، وإنما لابن الرومي وهو رابع أربعة أبيات في الغزل ( ) وهذه الأبيات الأربعة وردت في فصول التماثيل ( ) منسوبة لابن المعتز مع اختلافات يسيرة ، وقد ذكرها المحققان في الهامش وحددا موضعها في ديوان ابن المعتز ، ومع ذلك فإن نُسَخَ الديوان التي بين يديْ تخلو من هذه الأبيات ( ) التي نسبتْها المصادر القديمة إلى ابن الرومي ( ) الذي يتغزل في هذا البيت بشارب الخمر ويشبهه بالقمر ، كما يتغزل في الخمر ويشبهها بالشمس في صفائها ونقائها وضيائها 0 ويقول ابن المعتز [ سريع ] ( ) :
وَقَهْـــــوَةٍ صَفْــــرَاءَ مِـثْــــــلِ الْــــــوَرْسِ *** قَدْ حُبِسَتْ فِي الدَّنِّ أَيَّ حَبْسِ
أُصْبِــــــحُ أُسْــــقَى كَــأْسَهَــا وَأُمْسِي *** فِي قَـــمَـــــرٍ كَــأَنَّــــــهُ ابْـنُ شَـــمْــسِ
يَوْمِيَ مِنْهَا أَبَدًا كَأَمْسِي
نلحظ التوظيف اللوني في هذه الأبيات بدءًا من الدلالة اللونية الصريحة : صفراء ، والدلالة غير الصريحة : الورس وهو نبات أصفر ، ثم البياض غير الصريح في القمر وربطه بالشمس رباط الابن بالأم استدعاءً للتراث الميثولوجي الجاعل من الشمس أمًّا دالة على الخصوبة ، بيد أنه يجعل القمر وليس الزهرة في الموروث الأسطوري ابنًا للشمس ، وإذا نحينا الجانب الأسطوري ، كانت الدلالة أن ضوء القمر أحال المساء نهارًا ، فكأن القمر من الشمس ، وما ذلك كله إلا بفعل القهوة أو الشراب الأصفر الذي تمثله العرب ” في أشعارها بثلاثة أشياء : بتوقد الكوكب ، وبصفرة الذهب ، وبتضرم اللهب ” ( ) وكلها تؤازر دلالة البيت علة الوضاءة والإشراق سواء كان ذلك في القهوة أو القمر أو الشمس 0
ويقول القاضي التنوخي الكبير [ متقارب ] ( ) :
وَرَاحٍ مِـــــــنَ الــشَّـــمْــسِ مَــخْلُوقَةٍ *** بَـــــدَتْ لَـــكَ فِي قَـــــدَحٍ مِـنْ نَهَارِ
هَــــــــــــــــوَاءٌ وَلَـــكِــــنَّـــــــهُ سَـــــــاكِــــنٌ *** وَمَــــــــــاءٌ وَلَـــكِـنَّـــهُ غَـــــيْــــرُ جَـــــــــــارِ
إِذَا مَــــــــــا تَــــــأَمَّـــلْـتَهُ وَهْيَ فِــيـــــــــهِ *** تَــــأَمَّــــــلْـتَ مَــــــــاءً مُــحِــيطًــا بِــنَارِ
فَـهَــــــذِي الـــنِّـــهَـــايَةُ فِي الابْيِضَــــا *** ضِ وَهَذِي النِّهَايَةُ فِي الاحْمِرَارِ
والراح من أسماء الخمر مأخوذ من الراحة التي يشعر بها شاربها ، أو مأخوذ من الرائحة الطيبة للخمر ، وقد جعلها الشاعر مخلوقة من الشمس على معنى أنها طُبخت على ضوء الشمس وحرارتها ، وقد أدى ذلك إلى صفائها ونقائها ، ويبدو ذلك في مشابهتها النهار وهي في الكأس ربما لصفاء الكأس ونصاعته ، وربما لأن الخمر نفسها من الصفاء والنقاء بحيث تبدو وكأنها الهواء أو الماء في القدح ، ومما يؤكد ذلك استخدام اللون الأبيض وصفًا للراح في حين كان الكأس باللون الأحمر ، على أننا نستحضر القيمة الفنية للعناصر الحياتية التي جمعها الشاعر في وصف الحمر هنا وهي : الماء والهواء والنار التي يمكن أن تشترك معها الشمس في الدلالة على النار وما تستدعيه من الضياء والدفء ، وهي الدلالات التي يستشعرها شارب الخمر 0
ويتحدث ابن الرومي عن الخمر حديثًا مستفيضًا عن الخمر في قصيدته إلى أبي شيبة الذي دعاه للشرب والمنادمة ، ثم احتجب عنه [ سريع ] ( ) :
فَاسْـــــــقِ حَـــــلِيبَ الْـــكَـــــرْمِ شُــــرَّابَهُ *** إِذْ لَيْسَ مِـــــنْ شَـــــأْنِــهِـــمُ الــــرَّائِبُ
أَحْضِرْهُمُ الْبِكْرَ الَّتِي مَــا اصْطَلَتْ *** نَـــــارًا فَــــكُـــــلٌّ خَــــاطِـــــبٌ رَاغِــــــبُ
لَيْسَ الَّتِي يَـخْـــطُـــبُـهَــــا الْـمُــــتَّـــــقِي *** بِــــــلِ الَّـــــتِي يَـــخْــطُـــبُـــــهَا الشَّاذِبُ
تِـــــلْـكَ الَّــــتِي مَـــــا بَــــايَـــتَتْ رَاهِـــبًـــــا *** إِلاَّ جَـــــفَــــــا قِـــنْــــدِيــــلَهُ الــــــرَّاهِــــبُ
تِـــــلْكَ الَّـــــتِي لَـــيْسَ لَـــهَــــا مُــشْـبِـــهٌ *** فِي الْكَـــأْسِ إِلاَّ الـــــذَّهَـــبُ الذَّائِبُ
أَوْ أُمُّهَــــا الْـــكُبْــرَى الَّتِي لَـــــمْ يَـــــزَلْ *** لِـــلّـــَيْـــــلِ مِــــــنْ طَــــلْـعَــتِـهَــا جَـــائِبُ
حَقَّقَهَـــــا بِــالـشَّـــمْــسِ أَنْ رُبّـــِيَـــــــتْ *** فِي حِــــجْــــــرِهَــــــا وَالـــــشَّـــبَـهُ الْغَالِبُ
فَــــهْـيَ ابـْــــنَـــةُ الْــكَــرْمِ وَمَا إِنْ يُرَى *** إِلاَّ الَّـــــتِي الـــشَّــمْــسُ لَـهَـــــا نَاسِبُ
أَعْجِــــبْ بِــتِــلْــكَ الْـــبِكْرِ مَحْجُوبَةً *** مَــكْــــرُوبَـــةً يُــــجْــــلَى بِــهَــــا الْكَــارِبُ
مَــغْلُـــوبَــــــةً فِـــي الـــــدَّنِّ مَــسْـلُـــوبَــــةً *** لَــهَــــا انْـــتِــــصَـــــارٌ غَــــالِبٌ سَـــــالِبُ
بَيـْنَــــــا تُـــرَى فِي الــــزِّقِّ مَــسْــحُــوبَــــةً *** إِذْ حَكَمَتْ أَنْ يُسْحَبَ السَّاحِبُ
تَــقْــتَـــصُّ مِــــــنْ وَاتِــــرِهَــــــا صَــــــــرْعَـةً *** لَـــــيْــــسَ لَــــهَــــا بَــــــــاكٍ وَلاَ نَــــــــادِبُ
ويبدو أن إخلاف أبي شيبة بن الحاجب وعده ابن الرومي بالشراب والمنادمة ، قد جعل ابن الرومي يُفيض في الحديث عن الخمر التي اختار لها أجمل الأوصاف ، فهي حليب الكرْم ، والحليب يستدعي اللبن السائغ الشراب الجميل اللون ، وهي خمر معتقة ـ بِكْر ـ جيدة طيبة فهي أجود الخمور ، يطلبها كل ميئوس من فلاحه ؛ لأنه الحريص عليها ، ولها تأثيرها على الرهبان ، إذ يتركون نسكهم ورهبنتهم ويعبون منها عبًّا ، ومن جمالها في الكأس ألا يشبهها إلا الذهب وأمها الكبرى هي الشمس التي تبدد ظلام الليل ، ولأنها لم تصطلِ نارًا ، فهي مطبوخة بالشمس التي حققتها وأعطتها رائحتها وصفاءها ونقاءها ، ومن ثمة كانت بالشمس شبيهة وشبهها بها غالب عليها ، بل إنها منسوبة إلى الشمس ، ولها سلطة وقدرة على شاربيها ، تسلبهم إرادتهم ، وتصرعهم وهي في دنِّها أو زِقِّها صرعة لا باكٍ منها أو نادب لها 0
ويقول الناشئ الأكبر [ ت293ه] في وصف الخمر [ كامل ] ( ) :
وَمُـــــدَامَــــــةٍ يَــــخْــــفَى الـــــنَّـــهَـــــارُ لِــــنُــورِهَا *** وَتَــــذِلُّ أَكْنَـــافُ الـــدُّجَـى لِـضِيَـائِـهَا
صُــــبَّـتْ فَــأَحْـــــدَقَ نُـــــورُهَـــا بِــزُجَـاجِـهَـــــا *** فَــكَـــأَنَّــــهَـــــا جُــعِــلَــتْ إِنَــــاءَ إِنَــائِــهَــا
وَتُـــــرَى إِذَا صُـــبَّــتْ بَــدَتْ فِي كَــــأْسِـهَــــــا *** مُــتَــقَــاصِــــرَ الأْجْـــــزَاءِ عَـنْ أَرْجَــائِـهَـا
وَتَـكَـــــادُ إِنْ مُـــــزِجَـــــتْ لِــــرِقَّـــــةِ لَــــوْنِــهَـــــا *** تَــمْــتَـــــازُ عِــــنْــدَ مِــــزَاجِـهَا مِـنْ مَـائِهَا
صَفْرَاءُ تُضْحِي الشَّمْسُ إِنْ قِيسَتْ بِهَا *** فِي ضَــــــوْئِـهَــــا كَاللَّيْــلِ فِي أَضْوَائِهَا
وَإِذَا تَــــــصَـــفَّـــــحْــتَ الْــهَــــــوَاءَ رَأَيْــــتَــــــــــهُ *** كَـدِرَ الأَدِيمَـةِ عِنْدَ حُسْنِ صَفَائِهَــا
حيث نراه يركز عدسته الوصفية على الخمر/ مدامة ، ولمعان ضيائها الذي يتقاصر أمامه نور النهار ، وتزول منه أنحاء الظلام ، ولأنها نور وكأسها من الصفاء والنقاء كالنور ، فكأنها هي نفسها الإناء المتقاصر عن ضم أطراف نورها وهي من رقة لونها تمتاز عن الماء ، وهي ذات لون أصفر يفوق لون ضياء الشمس بل إن الشمس قياسًا على شدة نورها ـ الخمر ـ تصير كالليل المظلم أمام أضواء هذه المدامة ، وهذه الرؤية الجمالية التي يقدمها الناشئ الأكبر للخمر قد تجاوزت حدود الواقع الوصفي لتدخل في حيز المبالغة الجمالية المقبولة التي قد لا يرفضها المتلقي ؛ ذلك أنه ” إذا أتى الشاعر من الغلوِّ بما يخرج به عن الموجود ويدخل في باب المعدوم ، فإنما يُراد به المثَل وبلوغ الغاية في النعت ” ( ) 0
ويمدح الصنوبري [ ت334ه ] العباس بن أحمد بن كيغلغ ، فيبدأ مدحيته بوصف الكأس وحاملها ، فيقول [ كامل ] ( ) :
شَمْسَانِ مِنْ كَاسٍ وَحَامِلِ كَاسِ *** أَزْرَى قِـيَـاسُـهُـمَـــــا بِــكُـــلِّ قِـيَـــــاسِ
يَتَنَسَّمَــانِ مَـــعَ الــنَّسِيمِ لَــطَـــافَــــةً *** وَيُنَافِسَانِ الْمِسْكَ فِي الأَنْفَـــــاسِ
وهي صورة تستدعي أول ما تستدعي الإشراق والصفاء والوضاءة واللمعان مع الكأس ، والجمال والبياض مع حامل الكأس ، بيد أننا إذا توقفنا عند وصف الكأس وتشبيهها بالشمس ، لابد أن يستثيرنا هذا الوصف بأنه يشمل الكأس وما فيها كذلك ، وإلا يكن ذلك ما قنع بوصف الكأس بالشمس بادئًا البيت بالمشبه به ، وكأن الخمر قد جُعلت إناء إنائها في مثل قول الناشئ الأكبر من الأبيات السابقة 0
ويقول أبو الفرج الببغاء [ ت 396ه ] في وصف ليلة قضاها بدير مران بدمشق ” وقد اشتهر بضيافة أبي الفرج الببغاء شاعر سيف الدولة ” ( ) يقول الشاعر [ مجتث ] ( ) :
وَلَـــيْــــــلَــــــــةٍ أَوْسَـــعَــتْنِي *** حُسْنًـــا وَلَـــهْـــوًا وَأُنْسَـــا
مَــا زِلْـــتُ أَلْــثُـــمُ بَدْرًا *** بِـهَــــا وَأَشْــرَبُ شَـمْسَــا
إِذْ أَطْــلَــعَ الدَّيْرُ سَعْدًا *** لَمْ يُبْقِ مُذْ بَانَ نَحْسَا
فَصَــــــارَ لِـلــرُّوحِ مِــــــنِّي *** رَوْحًــــا وَلِلنَّفْسِ نَفْسَـا
إن إصرار الشعراء على استدعاء البدر مع الشمس في الصورة الجمالية ، لم يكن عبثًا ، أو مجرد حشو يحشون به الفضاء الوزني للنص الشعري ، وإنما على ما نظن أنهم يريدون بذلك دلالات لا تنحصر فقط في الإيحاء الأسطوري بأهمية القمر والشمس في الميثولوجيا القديمة ، ولا تنحصر في القيم الحياتية الواقعية التي يستشعرها الناس جميعهم شعراء وغير شعراء ، وربما كانت هذه الدلالات كلها مستدعاة في السياق الشعري ، بيد أننا لا يمكن أن نطرح من السياق الثقافة الإسلامية الماثلة في القرآن الكريم والسنة النبويىة ، هذه الثقافة التي أعطت القمر والشمس مكانتهما ، باعتبارهما جرمين من الأجرام السماوية التي سخرها الله عز وجل للبشرية كلها تسخيرًا جعل لهما من القيمة ما يجب على المرء أن يشكر الله تعالى على مثلهما من النعم التي لا تُعد ولا تُحصى 0
كذلك لا يمكننا استبعاد الدلالة اللونية حيث البياض الذي يستدعيه البدر بإشارته إلى الكأس التي يلثمها الشاعر ، والشمس التي تستدعي البياض كما تستدعي الصفرة التي هي لون الخمر المشرقة إشراق الشمس ووضاءتها وصفاءها وهي في الكأس كأنها المصباح الذي أحال الليلة إلى صورة من الحُسن واللهو والأُنس الذي اتخذ من قدسية المكان في العقيدة المسيحية ـ الدير ـ طاردًا للنحس جالبًا للسعد 0
ويقول ابن نباتة [ ت 405ه ] من قصيدة يمدح بها الأمير أبا طاهر بن معز الدولة [ بسيط ] ( ) :
وَقَهْوَةٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ طَالِعَةً *** أَفْنَيْتُ بِالْمَزْجِ فِيهَا رِيقَ سَاقِيهَا
فالتشبيه بشعاع الشمس فيه استدعاء لدلالات الصفاء والنقاء والرقة إلى جانب الإشراق والجمال الذي دفع الشاعر إلى أن يمزج بها ريق ساقِيها 0 ويقول الشاعر عبد المحسن بن محمد بن غلبون الصوري [ت419ه] في مجلس خمر [ طويل] ( ) :
أَلاَ رُبَّ يَوْمٍ أَشْرَقَتْ شَمْسُ كَأْسِهِ *** فَطَافَتْ عَلَى جُلاَّسِهِ قَبْلَ شَمْسِهِ
فقد جعل اليوم كله في شراب الخمر ، يبدو ذلك من إضافة الكأس إلى الضمير العائد على اليوم ، وأضاف الشمس إلى الكأس والمراد بالشمس هنا الخمر ، وإضافتها تستدعي الإشراق والوضاءة والصفاء والنقاء ، كل تلك الأنوار الزاهية جعلت اليوم منيرًا بضياء الخمر قبل أن تُضيئه الشمس المنيرة 0
ويقول الوأواء الدمشقي عن الخمر والساقي [ كامل ] ( ) :
وَكَــــأَنَّـهَــــــــا وَكَــأَنَّ حَــــامِــــــــلَ كَـأْسِـهَـــــــــا *** إِذْ قَـــــامَ يَــجْــلُــوهَـــا عَــلَى الـنُّــدَمَــــــاءِ
شَمْسُ الدُّجَى رَقَصَتْ فَنَقَّطَ وَجْهَهَـا *** بَـــدْرُ الـــدُّجَى بِــكَـــوَاكِبِ الْــجَـــــوْزَاءِ
إن بين الشمس والدجى مقابلة دلالية بين النور والظلام ، وهي الدلالة التي نجدها كذلك في صدر المصراع الثاني بين البدر والدجى ، والصورة التي يرسمها الشاعر للخمر وحامل كأسها هي صورة الشمس المزيلة للظلام ، تلك الشمس التي تكون مع الساقي دالة على الوضاءة والإشراق ، ومع الخمر دالة على الصفو والطهارة والنقاء ، ثم نجد مخيلة الشاعر النشطة تذيل تلك الصورة الجمالية ، فتصور الشمس/الخمر وقد علتها الفقاقيع بأن تلك الفقاقيع هي كواكب الجوزاء قد جلاّها البدر بأنواره ، فبدت على سطح الكأس منيرة بتلك الأنوار ، مثلما كان وجه الساقي مضيئًا كأنه الشمس 0 ويقول الشريف العقيلي [ ت 450ه ] عن الخمر [ وافر ] ( ) :
وَرَاحٍ فِي لَـــطَــافَـــتِــهَــــــا كَـــحِـــــسِّي *** نَعِمْتُ بِـشُـرْبِـهَــا فِي دِيــــرِ قَــــسِّ
عَلَى النَّاقُوسِ إِذْ هُوَ عِنْدَ سَمْعِي *** أَحَبُّ إِلَيْـــهِ مِـــنْ ضَــــرْبٍ وَجَــسِّ
فَيَـــا لَــكِ مِـــنْ بَنَـاتِ الْكَــرْمِ بِكْرًا *** تُـــلاَئِــــمُ فِـي كَــــرَامَـــتِــهَــا لِنَفْسِي
إِذَا افْـــتُــــرِعَـــتْ رَأَيْتَ لَـــهَـــــا حَبَابًا *** كَعِقْدِ كَوَاكِبٍ فِي جِيدِ شَمْسِ
إن الصورة التي يقدمها العقيلي للخمر تبدأ من اللفظة الأولى وهي راح وهي من أسماء الخمر كما سبق ، ويبدو أن اشتقاقها من الرائحة هو الأقرب للدلالة في البيت الأول الذي يشبه فيها الراح بحسه ، ويجعل وجه الشبه الجامع بين الطرفين هو اللطافة التي نسبها إلى الراح ، وأشرك حسه فيها دلالة طريفة توحي بلطافة حسه ، ثم يجعلها من بنات الكرم وهو العنب ويستدعي لها الحقل الأنثوي بجعلها بكرًا لم تتناولها يد قبله ومن ثمة كانت كرامتها ملائمة لكرامة نفسه ، ثم يقدم لها هذه الصورة البديعة عند افتراعها وابتدائها تبو فقاقيعها أو الحباب على سطح الكأس كأنه مجموعة من الكواكب انتظمتْ عِقْدًا في عنق الشمس ، مما يعني تشبيه الخمر وحبابها بالكواكب والشمس 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *