السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

إبداع.. يتوق إلى احتواء

لابدّ لنا من الاهتمام بأطفالنا… عبارة لاغبار عليها, بل كلنا متفقون حولها, أما لماذا نهتم بهم ؟ فلأنّهم امتداد لنا, امتداد لهوياتنا, امتداد لعاداتنا وتقاليدنا, لقيمنا ومبادئنا, لأخلاقنا وسلوكياتنا.

والاهتمام بالأطفال.. يعني الاهتمام بكلّ توجّهاتهم وتصوّراتهم وتطلعاتهم, يعني تجميل ثقافتهم, وتنمية مواهبهم, وتنشيط هواياتهم, وتفجير طاقاتهم, وتجنيح أخيلتهم, وتوسيع آفاقهم, وتأجيج ذاكرتهم وقدرتهم على التحليل.‏

والأدب الذي يتوجّه إلى الأطفال, هو واحد من تلك الاهتمامات, إنه يكاد أن يكون جنساً أدبياً مستقلاً, يُعنى فقط بالقصة أو القصيدة أو المقالة أو المسرحية التي يمكن للطفل أن يقرأها أو يسمعها أو يشاهدها, من دون أيّ ملل, أو تحت أي ضغط أو إكراه!.‏

والمبدعون في هذا المجال كُثُر, ولكنّ الباحثين الدارسين لهذا النوع من الأدب قلّة, والعديد ممّن يتناولون أدب الأطفال بالنقد والتمحيص والدراسة, ليسوا مختصين تماماً في هذا المجال, فقد يكونون من المختصين في أدب الكبار فقط, أو من أصحاب المدرسة النقدية الانطباعية حَصْراً, أو من المبدعين أنفسهم الذين يتناولون إنتاج بعضهم بتقريظ المحبّ أو هجوم المتمسّك بعداوة الكار!.‏

ولكنّ هذا كلّه.. لايعني خلوّ الساحة من أدباء اعتادت أقلامهم أن تنساب في سبيل إعلاء شأن أدب الأطفال.. إنهم يعيشون في أجواء هذا الأدب, يتفيؤون بظلّه, وينتعشون بعبقه, ويتفحصون بأناة ثماره المدلاة : هل نضجت ؟ هل مازالت فجّة لاتؤكل؟ هل طعمها ناقص الحلاوة ؟ هل نكهتها لذيذة تسر المتذوقين؟ أم ممجوجة لاتستسيغها الأفواه ؟!.‏

وهنالك أسماء معروفة من هؤلاء, تجاوز بعضهم الدائرتين المحلية والقطرية, نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الدكتور عبد الرزاق جعفر ( من كتبه: أدب الأطفال, الحكاية الساحرة ), والدكتور سمر روحي الفيصل ( من كتبه : ثقافة الطفل العربي, أدب الأطفال وثقافتهم) , والدكتور عبد الله أبو هيف ( من كتبه: أدب الأطفال نظرياً وتطبيقياً, التنمية الثقافية للطفل العربي) , والأستاذ نزار نجار ( من كتبه : في أدب الأطفال, ثقافة الأطفال تحديات وآفاق), والأستاذ محمد قرانيا ( من كتبه : تجليات قصة الأطفال, قصائد الأطفال في سورية).‏

وفي الآونة الأخيرة, صدر كتابان جديدان, يتعلقان بهذا الجنس الأدبي, أي يتعلقان بأدب الأطفال ومفرداته وتراكيبه وأساليبه, وكل منهما يبحث في هذا التوجه بأسلوبه الخاص, وطريقته المتميزة, ويهتم بجوانب محددة قد لايعيرها الكتاب الآخر اهتمامه, لأنه قد وجّه هذا الاهتمام إلى جوانب أخرى مغايرة.‏

الكتاب الأول عنوانه ( رفيق التلميذ) , وهو من تأليف الأديب جرجس ناصيف, وإصدار مكتبة ( ناشرون), والكتاب جديد في طروحاته, يتناول الأدب الموجه للطفل من زاوية لغوية وعلمية, إنه يتناول المفردات التي يتعامل معها أطفالنا, والتي يعتمد عليها الأدباء في إبداعهم المتنوع الذي يتواصلون به مع قارئهم الصغير, وقد جاء في تعريف الكتاب ( بأنه معجم لغوي عملي لتلامذة المرحلة الابتدائية, وقد وضعه المؤلف انطلاقاً من ثروة لغوية قوامها ثمانية آلاف مدخل أو مادة, اختارها بعناية, وراعى فيها المرحلة العمرية, وقد جعل ترتيبه نطقياً دون العودة إلى الجذور, تيسيراً على التلميذ, وركّز في الشروح على التفسير بجملة بسيطة واضحة, وقرنها بالمرادف والضد مما يلقي ضوءاً منيراً على المعاني, واهتم اهتماماً كبيراً بالأمثلة, كل ذلك جاء بأسلوب سلس مرن), ولعل الكاتب ناصيف قد استفاد كثيراً من خبرته الطويلة كأديب أطفال, يقرأ لهم ويكتب لهم ويتعامل معهم باستمرار, وفي المقدمة التي خطّها الكاتب شرح مفصّل للأسلوب الذي اعتمده في هذا الكتاب الضخم الذي يتجاوز ستمئة صفحة, والكتاب مرفق بعشرات اللوحات الملوّنة التي تسهم في شرح المعلومة, إنه جهد جبّار من قبل أستاذ ذي خبرة لايستهان بها.‏

أما الكتاب الثاني فهو من تأليف الأديب سلوم درغام سلوم, وعنوانه ( توظيف القصة الطفلية السورية المعاصرة في التربية), والكتاب من إصدار ( اتحاد الكتّاب العرب في سورية), وهو يرصد قصص الأطفال منذ نشأتها الأولى, على المستوى الدولي والعربي والقطري, ويتناول الكثير منها بالبحث والتمحيص وبخاصة تلك التي نشرت في سورية, ويؤكد الكاتب من خلال رصده الدقيق أن القصة الطفلية تستطيع أن تقوم بتعزيز القيم الإيجابية, وإبعاد الطفل عن القيم السلبية, وتستطيع أيضاً أن تقوم برفع السويّة المعرفية عند الطفل, وبتعديل سلوكه.. ويبيّن الكاتب أن مردود القصة كبير على صعيد بناء إنسان المستقبل, فالأطفال هم رجال المستقبل, والبناء تكون قوته في الأساس.‏

وقد استعان الكاتب سلوم بآراء عدد كبير من أدباء الأطفال, وأظهر وجهات نظرهم إزاء الأساليب والمضامين التي تحتضنها القصص الطفلية, كما أنه تناول العديد من قصص الأطفال بالنقد والتقريظ, وبخاصة تلك التي كتبها أدباء محليون.. والكاتب ليس غريباً عن بيئته الأدبية, فهو ومنذ زمن بعيد, يتواصل مع إبداعات أدباء الأطفال, ويسعى إلى تقديم دراسات مطوّلة حولها, ومن ثم نشرها في دوريات مختلفة.. أما كتابه اليوم, فإنه تتويج للكثير مما سبق, وتفعيل للحركة النقدية الناشطة.‏

التعليقات: 1

  • يقول رئيس التحرير:

    في منبر المجلة أشكر الصديق الغالي الدكتور موفق أبو طوق على هذه الاشارة الطيبة لكتابي الأخير الذي طبعه اتحاد الكتاب العرب ونتمنى أن تكون معنا في هيئة تحرير المجلة لتنهض المجلة في كتاباتكم الرائعة وخاصة ما تتعلق بأدب البراءة والطفولة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *