الأحد 20 كانون الثاني 2019 : صدر العدد السنوي 2019 ضمن سلسلة اصدارات موقع مجلة كفربو الثقافية , فأهلا وسهلا بكم في موقعكم لتصفح المواد الثقافية المميزة ..  * 

كفربو تنقذ عائلة أرمنية من الفناء في مطلع القرن الماضي

(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)
صدق الله العظيم
تنحدر عائلتي من جد واحد لا نعرف من قبله وهو جد والدي ويدعى أبراهام ومعناها إبراهيم كان والده باشا وهو لقب يمنحه السلطان العثماني وكان اسم والده بوغوص ، كان أبراهام باشا، بتوارث الاسم من الأب ، فابن الباشا باشا ، كان منزل العائلة في بلدة آرابكير في أرمينيا المحتلة ،إلى الغرب من مدينة خاربيت ويدعونها العرب خربوط ، كان ابراهام يعمل طبيب بيطري ويداوي أحصنة الجيش الألماني ، وكان ايضاً يملك مدبغة جلود ولديه عمال كثيرين ، كان في كل ليلة سبت يولم ويشعل ناراً ويعزم أصدقاءه وكان يجيد الفروسية ويملك فرس بيضاء ، يجعلها ترقص على الموسيقى التي تؤديها فرقة موسيقية مؤلفة من نافخي المزمار ( الزورنا ) وقارعي الطبول ، أنا طبعا لم أراه ولم أعرفه في حياتي ولا أملك صورة له ، بل سمعت عنه ، ولد حوالي العام 1844 وتوفي في العام 1915 على يد العثمانيين صبراً أي القتل بعد التعذيب ، استطاع الهرب باتجاه مدينة حماه السورية من تركيا بالقطار ومعه أخته لورفا وزوجته ماريا وثلاثة أولاد ذكور هم بوغوص وآرا جدي أنا، وهامبارسوم ، وابنتين وهم ارمين ونارتوهي ، الأكبر بوغوص 16 سنة ، ثم آرمين 15 نارتوهي 14 ثم آرا 7 سنين وأخيراً هامبارسوم 4 سنين ، انتهت العائلة الى المصير الآتي ، لفظ ابراهام الروح بسبب تقرح جروحه الناجمة عن التعذيب ، جاء جندي عثماني على الفرس يحمل بارودة مارتينية، قلب اناء يحوي نباتات على النار في حضن الأم ماريا ، وقف آرا وبصق على الجندي العثماني ، وضع الجندي رصاصة في البارودة وأطلق على الولد آرا الذي حضنته امه خوفاً عليه ، فدخلت الرصاصة في عنق الأم ونزفت حتى الموت ، ذهب بوغوص الى خيم للعرب،وكانت قد أرسلته أمه ليستجدي الخبز،سمع الطلق الناري، ولم يعبئ به،تبعه نفس الجندي الذي انتبه الى هربه فركض بوغوص والجندي يتبعه، ووصل بوغوص إلى الخيمة، ودخل أقرب خيمة وصلها، وانجده العرب، ووقفوا حائلاً ما بينه والجندي العثماني،وتقدمهم شيخ القبيلة، وكان بوغوص يطلق عليه اسم نيئيم عندما كان يعيد عليّ نفس القصة وكنت أنا في الصف السادس وهو رجل مسنّ لا يريد أحد الاستماع إليه،وكان ذلك في العام 1966 أدركت أنا فيما بعد أن شيخ القبيلة اسمه نعيم لأن حرف العين غير موجود في الأبجدية الأرمينية.
أما الشيخ نعيم فكان قد وقف حائلاً، لا يريد تسليم الفتى إلى الجندي، وعندما هم الجندي بدخول الخيمة ردعه رجال الشيخ نعيم وكانوا مسلحين وأفهموه ان عاقبة هذا العمل هي الموت لأن في الخيمة نساء، ونظر الجندي الى الخلف فرأى العجي يعبثون بحصانه، وطلب منه أحد مرافقي الشيخ ان يريه سلاحه، وكان وحيداً وبعيداً عن جماعته، فأسرع وأمتطى حصانه وولى هارباً، بعد أن أدرك بأن بقاءه سيكلفه حياته.
فهم بوغوص أن الشيخ نعيم ورجاله أنقذوه من موت محقق، وسألوه فلم يفهم من أسئلتهم شيء وأجابهم ولم يفهموا من أجوبته شيء، وضع يده في فمه فأعطوه خبز، حاول تقبيل يد الشيخ نعيم فمنعه، أخذ الخبز ومضى.
عاد بوغوص، ومعه خبز لن يأكل منه احد ، وجد اباه في الأرض صامت بلا حراك، وامه في النزع الأخير ،والبقية مفقودون ، سأل عن العمة لورفا، فأشارت أمه إلى مكانها وكان قد تم اغتصابها قبل ان تترك وسط بركة من الدماء وفي بطنها خنجر، سأل عن الأختين ، قالت له أمه انه تم خطفهما من قبل الأكراد ، سأل عن أخويه آرا وهامبارتسوم ، أشارت له أمه شكل سنامي جمل ، وقالت له اوغب ومعناها جمل oughp ففهم أن العرب أخذوا أخويه الصغيرين إلى الصحراء ، عاد ليرى عمته غارقة في دمائها ففقد صوابه وصار يركض على محيط دائرة الموت وقد أصابه مس من الجنون، عاد فكانت أمه قد لفظت أنفاسها فتولى دفن أمه وأبوه وعمته في قبر واحد ودار الأرض بحثاً عن أخويه وأختيه دون فائدة فعاد إلى أرمينيا وعمل مع الفدائيين في فرقة بورتوغاليان من العام 1915 الى العام 1921 ، قضى كمال اتا تورك على المقاومة فعاد بوغوص إلى سوريا وكانت تحت الاحتلال الفرنسي ، تطوع في الجيش الفرنسي ورقيّ إلى رتبة ملازم، وتم ندبه في مهمة إلى قرية كفربو القريبة من حماه للتحقيق في شجار وسرقة غلال وحريق متعمد، فعثر على أخويه وعرف منهم القصة.
لقد انتشلهم العرب من دائرة الموت وحملوهم على الجمال ودخلوا بهم إلى الصحراء، فمرضوا هناك مرضاً شديداً، وحاول العرب مداواتهم دون جدوى فكانوا يضعون في أفواههم دواءً مراً، ويسقونهم العسل، ويفرشون الشنان المنقوع في الماء على جباههم وصدورهم وبطونهم للتغلب على الحمى، دون فائدة تذكر.
إلى أن أمر رئيس العشيرة أتباعه بإعادة الطفلين إلى المكان الذي جلبا منه، بتوصية من طبيب القبيلة الذي قرر بدوره أن ملابس الطفلين تدل على أنهما من الحضر ومن السوقيات الأرمينية المنقادة إلى مصيرها المحتوم والمرسوم بشكل مسبق، فتم حمل الطفلين على الجمل وبتوصية من رئيس العشيرة بعد معرفته بأن الطفلين نصرانيين بسبب العائدية، ويجب أن يسلما إلى العائدية عينها، فلقد وقع الاختيار على قرية كفربو،وهي أقرب قرية

للمكان الذي تم انتشال الطفلين فيه من دائرة الموت، وكان في كفربو سوق يشتري منه العربان مهمات الصحارى من جرادل وحبال وفؤوس وأدوات طهي، فدخلوا القرية فجر الأحد ومددوا الطفلين على درج الكنيسة الوحيدة الموجودة في القرية وهي كنيسة الروم الأرثوذوكس.
وكان في الكنيسة كاهن يقوم على خدمتها، سمع الجلبة ففتح الباب ورأى الطفلين ممددين على الدرج وأجسادهم الغضة مستعرة بالحمى، فنقلهم إلى داخل الكنيسة، وحان وقت الصلات ودخل الناس الكنيسة، وبدأ الكاهن بالموعظة، وشرح مسألة الطفلين وطلب أن يتم تبنيهم ونظر إلى الإقطاعي جورجي صادر وهو من وجهاء القرية والقادرين على هذا الأمر، وكانت أيام سفر برلك، حيث لا يقوى الإنسان على إعالة نفسه فكيف التكفل بطفلين مريضين.
وضع صادر يده على صدره وأشار بإصبعه على شكل واحد، بمعنى أنه يستطيع التكفل بواحد، وشكر الكاهن السيد صادر أمام الحضور على أنه قبل التكفل بالاثنين معاً لأنه يرغب بعدم فصل الأخوين،وتم نقل الطفلين إلى دار صادر، وتماثلا للشفاء وتم تغيير أسمائهما إلى جميل بدلاً من آرا، وسعيد بدلاً من هامبارتسوم ومعناها بالعربية ( صعود السيد المسيح الى السماء)، لأن الأرمن لا يعترفون بموت السيد المسيح، ولا يعترفون بأنه إلاه بل إنسان،ولا يعترفون بأنه ابن الله، فكانوا موحدين ينتمون إلى النساطرة ( آريوس ونسطوريوس ) وهو نفس المذهب الذي ينتمي إليه سلمان الفارسي والراهب بحيرة وورقة ابن نوفل عمّ أم المؤمنين خديجة،ونجاشي الحبشة،إلى أن جاءت عصا قيصر روسيا فحملت البعض على اعتناق المذهب الأرثوذوكسي، وعصا الفاقه وقد حملت البعض على اعتناق المذهب الكاثوليكي، ودور مياتم التبشيريين، أرغمت الأيتام على اعتناق المذهب البروتستانتي.
وشب الأخوان في دار صادر ومنحهما اسمه وحمايته، وأهدى كل منهما فرس ابيض،فكانا يسهران على مصالح والدهما، إلى أن جاء اللصوص وسرقوا غلال صادر، فأرسل في أثرهم أتباعه وبقيادة جميل وسعيد، الذين استعادا الأرزاق، وأحرقوا غلال ضيعة اللصوص، وحدث إطلاق نار وشغب فعلمت الحكومة وكانت وقتها حكومة الانتداب الفرنسي، فأوفدت ضابط للتحقيق، وكان هذا الضابط هو بوغوص الذي عجز فيما سبق عن العثور على أخويه، وقد أرسله الله العزيز القدير إلى دار أخويه بالضبط، وكان آرا وهو جميل 7 سنين يتحدث مع هامبارتسوم 4 سنين بالأرمينية ويقول له أنت لست سعيد وأنا لست جميل، نحن أرمن وضعنا عن عائلتنا في الصحراء وجورجي بيك هو والدنا بالتبني، لا بد أن يجمعنا الله بأهلنا وعند ذلك علينا أن نكلمهم بلغتنا وإلاّ فهم لن يعرفونا، وكانت السنين تمضي، ومشيئة القادر تمضي إلى الرحمة،التي فقدت من قلوب البشر، ولم يكن بالإمكان جمع الأحياء مع الأموات في هذه الدنيا الفانية، فشاء الرحمن الرحيم، جمع الشقيقين بشقيقهما، والثلاثة هم البقية الباقية من عائلة تعد 135 فرداً .

وكانت لحظة اللقاء مروعة، حيث تم اقتياد المتهمين الشابين جميل وسعيد صادر وهما مكبلان ليتم التحقيق معهما من قبل شقيقهما الأكبر، فنظر في عينيهما وقالا له ( boghos medz yeghpayr) بوغوص أخانا الأكبر.
وأصدر أخوهم صرخة مدوية وركع يقبل أقدامهم.
لقد استطاع الأولاد الثلاثة هؤلاء الذين نجوا من العثمانيين ، أن يؤسسوا العائلة من جديد ، كان عدد أفراد العائلة في العام 1915 وحسب سجلات المعمودية 135 إنساناً ظلّ منهم على قيد الحياة 3 أولاد أما الباقي فهم أجزاء في نصب تذكارية .
وقد سمعت من بوغوص بالذات وهو شقيق جدي عبارة اسمعها دائماً في العائلة وكررها أبي مئات المرات وأولاد عم أبي بأنه ( لولا العرب لكانت عائلتنا الآن شيء من الذكريات المنسية أو اسم في كتب التاريخ أو سراب لم يعد له وجود ، هذه العائلة تدين للعرب بوجودها واستمرارها وانبعاثها من جديد، وهناك الكثير من العائلات ذات الوضع المشابه) أنا حاولت تأليف قطعة موسيقيا تخيلت فيها أبراهام باشا جدنا وفرسه يرقص على ضوء النار ، فكانت معزوفة أبراهام باشا سوفاليان وهي المقطوعة رقم في السيدي الذي يحمل الاسم آني 2000 وهو أول سي دي لي.

التعليقات: 2

  • يقول رئيس التحرير:

    اهلا بالأخ المحامي طارق مقدسي
    الغيور على كفربو وتراثها ونتمنى أن تنهض معنا في تحرير الأعداد القادمة بالموضوعات القانونية صفحات المجلة ترحب بك……………

  • يقول آرا سوفاليان:

    شكرا للسيد المحامي طارق مقدسي …آرا سوفاليان من احفد العائلة التي ورد ذكرها في كتاباتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *