الأحد 20 كانون الثاني 2019 : صدر العدد السنوي 2019 ضمن سلسلة اصدارات موقع مجلة كفربو الثقافية , فأهلا وسهلا بكم في موقعكم لتصفح المواد الثقافية المميزة ..  * 

المفكرة

لم يعد بوسعي أن أنتظر . . . وهذه الساعة تتراجع أمام ذاكرتي وتشعل رغبات الدنيا كلها في كياني ……ـ كيف حدث ذلك ؟ . . كيف؟ . .لا أدري .. لقد توغلت في إعصار أوردتي , واجتثثت خوفي وترددي وحزني , وأقمت في جداول الدماء مهرجاناً للفرح .ـ أنا لا أعبث بالنجوم… فلماذا تضيء عيناك القمر كلما عانقته أحلامي ؟ ولماذا انبثقت في عتمة ليلي ملاكاً لونته كبرياء المرارة؟لم أنتظرك يوما ً . . . لم أطلب إليك الحضور يوما ًَ.. فلماذا أتيت ؟!! هل كان قدرا ً أن تنسى مفكرتك عندي؟؟هل كان قدرا ً أن يغري الفضول أصابعي , فتمر بحنان فوق شفاه حروفك فيستفيق الحلم ؟؟هل كان قدرا ً أن يضعك القدر في دروب عمري فتقطعها بطريقة ما , وتغير ملامحها بطريقة ما ؟؟

مثل مطر مفاجىء ينهمر شعري فوق جبيني .. يعانق الحلم جفوني  تتوغل أصابعي بين خصلات كلماتك حينا وبين خصلات شعري حينا آخر . أرفعه. . أرده. .أريح رأسي على يسراي ثم ..ثم أ رمي مفكرتك جانبا ًوأزجر نفسي وأصابعي الفضوليةـ ماشأني , إنها حياته الخاصة ..شيء ما يحرك بيّ الرغبة للتوجه إلى الشرفة …أنهض. . أتجه نحو الباب .. فجأة أرتعش كعصفور بلله الندى .. كان الناس يتهامسون في حضرة الصمت الذي أعلنه حادث ســـير كسر ساقي المدينة وهي تشرب قهوتها الصباحية,همسهم يتعالى ..يورق في أذني حزنا وألما ًوفجيعة ,تمتد حتى العظام المرتعشة ..أعود متعبة إلى الصالة ..أتذكر .. ذات مساء للهناءة قلتَ:ـ لولا أصوات من نحب لما كانت أذاننا مهمة !!مفكرتك تدعوني إليها أبعد ناظري عنها وأبتعد .. أحاول العبور إلى أفكار جديدة .. تدخلني في حالة من السطوع الباهر..

صوت طرق على الباب .. لابد أنك أنت ..أتيت لتستعيد مفكرتك..أسرع نحو الباب , تدفعني لهفة قاتلة ..ترتجف يدي وأنا أمدها لأفتحه..ينام صوت الجرس.. يستيقظ صوتك ناشرا ً سحراً مميزاًـ لماذا لا تدخل وتأخذ المفكرة و تهديء ثورة أعصابي؟أفتح الباب..ما من أحد..العتبة خالية إلا من عبق خطواتك  أغلقه كي لا يتسلل ذلك العبق فأغدو أسيرته …..أفكر بأسى: تأخرت قليلا ً .. كان يجب أن أسرع ..الأشياء تدور من حولي ..الجدران ..اللوحة التي أهديتني إياها ذات يوم لتذكرني بدفء  حينا القديم,المقاعد الشاحبة التي ملت نظراتي إليها … يلفني التعب بعباءته .. أرتمي على الأرض تفاجئني ببرودتها , يهزني البرد كنبي فــي حضرة الوحي..أهب مسرعة..أقذف جسدي على السرير.. أتدثر .. أجمع أجزائي .. أتكور .. تتسـرب حماك إلــــى صدري ..تحترق مدائن جسدي .. الحريق يتعاظم .. أهرب منه .. وأهرب منك إليك … ألملم أجزائي .. أضمها إلى أجزائك في توحد مذهل ..نهارا ت تموز تغفو رويدا ً رويدا ً مثل رموشــك الثقيلـة أرتشــف قطراتٍ من رذاذ مســائي تنـاثر من زيـزفونــة اغتصبها الرعب فطار منها عصفور شق الهواء تاركا ً فيه أثرا ً أشد بياضا ً من حليب أمي …ـ لم يعد بوسعي أن انتظر …من يضمن لي أن الغد سـيأتي , وسـيمحو آثـار عطـرك ورائحة سجائرك , وأنفاسك , ويمزق الوقت بعيدا ً عن مفكرتك …يأتي صوت أمي مترعا بالدفء والحنانـ أتريدين قهوة ؟؟يخذلني صوتي, يستوطن هدوء عذب على روحي,أمشي   ويدايّ أمـام صـدري,أداعب أصـابعي ـ أقصد أصابعك ـ كسبحة من مذاق ٍ أعر فه ألمسه ..أرفعه راية ً في وجهك وكلما خطوت خطوة أجلس لأستريح فيصعد إلى خاطري حلم .. أهز رأسي فتساقط أفكاري رطبا ً جنيا ً …تضع أمي صينية القهوة على الطاولة الصغيرة.. الفنجان يرتعـــــش كما كنت أرتعش قبل أن تدق السـاعة  معلنة التاسعة ليلاً .. ومفكرتك تعلم ماذا تعني لنا التاسعة ليلا ً..يرن جرس الهاتف.. يهرع إليه الصغير.. يرفع السماعة

ـ ماما ….

يتجمد الزمن …  يدور الفراغ …  تحملني الدهشـــة نحو الهاتف …

ـ الو …ويأتيني صوتك مطراً إعصارياً.. أسطورة عشتها فــي زمن انتهاء

الأساطير ..ـ عفواً.. نسيت مفكرتي عندك.. أيمكن أن أزورك غداً لأخذها ؟غلفت أعصابي بثوب من البرودة لففت صوتي بمنديل من الصقيع .. وسألتاك سؤال العارف المتجاهل :

ـ أنسيتها هنا ..؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍‍‍‍‍‍‍‍!‍

وأجبتني :ـ نعمابتسمت ابتسامة ماكرة .. ركضت ْ في سمائي سحب ٌ .. تهاطلتْ

أمطار ٌ .. اشــتعلت ْ  بروقٌ .. وهمســتُ بصوتٍ كدت لا أسمعه:

ــ يمكنك أن تحضر في أي وقت تشـاء.. ســــأبحث عنها إذا كنت قد نسيتها عندي ..عندما زغرد جرس الباب .. ارتعشت الدماء في جسديتلعثمت النبضات في صدري غير أني لم أتحرك .. الصغير صاح بسـعادة عارمة وهو يفتح الباب ‍‍‍‍‍‍‍‍‍!..

ـ ماما ..إنه ..رأيتك تعانق الصغير .. تتقدم نحوي .. المفكرة في  يدي.. كفك اليمنى ممدودة .. أمد يدي .. أصغـــــي لحديث الأصابع,المفكرة تنزلق من جيبك..الكلمات التي لملمتها بالأمس بدأت تتساقط من ذاكرتي معلنة بداية عمر دافىء آخر..المفكرة ..تكبر في جيبك.. رائحة العطر والأنفاس والسجائر تملأ المكان.. خلاياي ترشف ضوع اللحظات التي تعبر بي إليك من جديد..أردت أن أصرخ أن أبكي..أن أضحك..خشيت أن يتوقف قلبي عن النبضالمفكرة تنزلق ثانية من جيبك , تستقر في مكان لا يمكن أن تجدها فيه مهما بحثت عنها..أوحد صراخي ودموعي وضحكتي في سؤال ٍ واحد :

ـ أتريد مفكرة جديدة ..؟؟

عيناك تحطان على وجهي بوله ٍ أحسن قراءته ..

تحتضن الصغير بين ذراعيك ..تقول لي :

ـ أنت التي أريد..!!

يتدفق صوت أمي مترعا ً بالفرح والحنان :

ـ ها ..قد عدتَ أخيراً ؟‍‍‍!!

ـ أتريدان فنجانين من القهوة ؟؟؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *