السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

من قصص الجلاء السّنونو طارَت!!!

ذلك المساء، هدأت حارتنا.. حارة النحاسين, على غير عادتها.. منذ أذان المغرب، كانت جدتي تمشي في حديقة الدار, تجمع دجاجاتها منادية:

ـ تعو .. تعو.. تعو..‏

أطعمتها بسرعة، وطلبت منها الهدوء, حتى دخلت في الخم الكبير..‏

عاد الرجال إلى الحارة مبكرين، توقف الأولاد الصغار عن لعبهم وصخبهم, ثم لحقوا بآبائهم صامتين.. أما البنات الصغيرات، فلم يغنين، كعادتهن في الأماسي، أغنية واحدة.. لذن في أحضان أمهاتهن ونمن بهدوء..‏

بدا كل شيء صامتاً.. وحزيناً.. حتى شجرة التوت, شجرتنا الغالية، التي تظلل نصف الحارة, كانت صامتة.. وحزينة.. أيضاً..‏

(2)‏

جاء جدي، وعلى وجهه علامات تفكير عميق.. كانت لحيته البيضاء تهتز.. دخل الدار واجماً, ولكنه لم ينسَ أن يسأل جدتي سؤاله المعتاد:‏

ـ هل نام الصغار..؟‏

ـ ناموا جميعاً!.‏

التفت إلى أبي، الابن الأكبر، قال:‏

ـ لابد من عمل شيء له قيمة.. قال أبي:‏

ـ وماذا يمكن أن نعمل.. الفرنسيون أقوياء وماكرون..‏

هز جدي رأسه، وقال:‏

ـ ومع ذلك لن نبقى واقفين، نحملق بأعيننا فقط، ولا نفعل شيئاً..‏

سكت جدي لحظة، ثم وضع يده على كتف أبي، وهمس بصوت دافئ وحنون:‏

ـ هيا يابني.. اذهب. واجمع رجال حارتنا!..‏

تحت شجرة التوت، مصطبة نظيفة ودافئة.. كانت المكان المفضل لأهل الحارة جميعاً.‏

أسند جدي ظهره إلى جذع الشجرة، وشعر أنه الآن يستطيع التفكير بصورة جيدة.. كانت ظلال المساء تلقي نوعاً من السكينة والأمان على الأشياء..‏

وبدأ الرجال يفدون واحداً واحداً.. بدت وجوههم صارمة وقاسية..‏

قدمت لهم جدتي الشاي، ثم انصرفت.. تعلّقت الأنظار بشفتي جدي.. وأخيراً خرج عن صمته وقال:‏

ـ تعرفون ماحدث اليوم.. خمسة شهداء سقطوا برصاص الفرنسيين.. الثوار ينتظرون من رجال هذه الحارة شيئاً!!.‏

قال ابراهيم منصور، وهو شاب قوي في الثلاثين:‏

ـ ماذا ينتظرون.. ليس معنا سلاح!!‏

وافق أبي على كلامه:‏

ـ صحيح، ليس معنا سلاح!..‏

قال مصطفى:‏

ـ لو كان في أيدينا سلاح، لعرف الجميع من تكون حارتنا!!‏

ابتسم جدي لأول مرة، قال بهدوء:‏

ـ فكرت في ذلك.. ولهذا اجتمعنا، المهم أن يستخدم الإنسان عقله.. نحن بلا سلاح، ولكننا سنقدم لثوارنا السلاح!!.‏

تلفت الرجال حولهم، نظر كل واحد منهم في وجه الآخر، ماذا يسمعون، ماهذا الذي يقوله الشيخ الليلة، أهو لغز؟!.‏

ـ نحن بلا سلاح، وسنقدم للثوار السلاح!..‏

ـ كيف؟!‏

اتجهت أنظارهم إلى أبي، فوجدوه حائراً مثلهم لايعرف تفسيراً لما سمع..‏

وحين قرأ جدي علامات الحيرة في وجوه الجميع، قال بصوت خافت:‏

ـ سنهاجم مخفر الجسر..‏

ـ متى؟‏

جاءه صوت أحمد الذهب..‏

أجاب أبي متحمساً:‏

ـ الليلة!‏

رفع جدي يده مقاطعاً:‏

ـ ليس الليلة،… بل في وضح النهار..‏

ـ غير معقول.. مستحيل!‏

ـ بل هو المعقول.. وليس هناك مستحيل!..‏

وتقاربت الرؤوس، وبدأ جدي يرسم الخطة.. كانت شجرة التوت تحنو عليهم كأم رؤوم، حتى الأغصان الفتية التي كانت تشرئب عالياً إلى السماء, انحنت تحيطهم بالأمان، بينما الأوراق تخفق فوقهم بحنان.. وحب..‏

انفض المجلس، واحتفظت شجرة التوت بالسر..‏

(3)‏

منذ الصباح الباكر, بدأ الأطفال والفتيان يتجمعون في مدخل حارتنا, كان الرجال ينظمون الصفوف، ويوجهون المسيرة.. المحلات مغلقة، كأنه الإضراب، بل هو الإضراب.‏

نقل أصحاب الدكاكين والحوانيت والجزارون بضائعهم إلى منازلهم، كانوا يوزعون حاجة الزبائن، دون أن يفتحوا دكاكينهم.. وكانت لجان الحارات توزع الطحين على عائلات العمال والفقراء، إنه إضراب شامل إذن!!..‏

خرج الأولاد إلى الطرقات، وبدأت المسيرة الصاخبة باتجاه ساحة السرايا.. ارتفعت حناجرهم بالهتاف المدوي:‏

ـ دي مارتيل خبر دولتك..‏

باريس مربط خيلنا..‏

واستعد الجنود الفرنسيون في كل مكان، بدؤوا يتجمعون من المخافر، ثم يتوزعون في الطرقات، ليمنعوا تدفق المسيرة..‏

لكن الصغار تماسكوا وازدادوا عناداً..‏

كان (الشاويش) ابن الرابعة عشرة يتقدمهم، وبيده مقلاع يرمي به الحجارة، وهو يلهث, والعرق يتصبب منه غزيراً، بينما خصلات من شعره الأشقر تنسدل على عينيه فيردها بنزق ويصيح دون وعي:‏

ـ دي مارتيل.. دي مارتيل.. باريس مربط خيلنا.. خيلنا..‏

وبدأ الجنود يطلقون الرصاص في الهواء، فارتاع الأطفال، تفرقوا في مداخل الحارات، أما الفتيان فقد زادهم صوت الرصاص اشتعالاً، فتابعوا زحفهم.. وكثرت أعداد الجنود في الطرقات، كانوا يريدون إيقاف الأولاد بأي ثمن..‏

جرح الشاويش في جبهته، فصار يلعق الدم بلسانه، ويسدد بالمقلاع نحو واجهة السرايا.. كانت جيوبه ملأى بالحجارة، وأزيز الرصاص يتطاير في الفضاء اللاهب، وهو لن يتوقف حتى آخر حجر في جيبه.. وتلفت خلفه، فرأى الأولاد يتراجعون، خائفين..‏

ـ أيها الجبناء..!‏

ـ تقدموا.. تقدموا..!‏

لكنهم بدؤوا يهربون من الرصاص المنهمر..‏

ومن طرف الساحة، برز الخيالة الفرنسيون بأعداد كبيرة، اهتز قلبه الصغير, وهو يرى نفسه وحيداً، وسط الساحة، ومرت لحظات صمت، أعقبها أزيز الرصاص من جديد.. وأحس الشاويش برصاصة واحدة تئز قريبة منه.. شعر بالبداية بدفء لذيذ في ساقه, حاول أن يعرف ماهو, لكنه سقط على بلاط الساحة، وظلت يده الصغيرة ممسكة بالمقلاع.. كان فيها الحجر الأخير..‏

(4)‏

في تلك اللحظات البطيئة المتوترة..‏

كان جدي يتسلل مع رجال الحارة إلى مخفر الجسر، لم يكن هناك مايعترض طريقهم، فالجنود والخيالة مشغولون، يمايجري في ساحة السرايا.. كل الأنظار مشدودة إلى ساحة السرايا هناك..‏

كان (ميشو) رئيس المخفر وحده، يزفر غاضباً، لقد تركوه وحيداً، مع هذا الجندي السنغالي، الذي يتسكع تحت سور المخفر، ولا يفعل شيئاً.. فقط يدخن باستهتار..‏

ولم تمض لحظات، حتى وصل جدي مع جماعته إلى السور.. كان الجندي يدخن بشراهة، حين سمع صفيراً وراءه.. ولم يدر، حين التفت، كيف تلقى ضربة قوية في صدره، بينما كف غليظة تشد على عنقه بشراسة، ولما فتح فمه، كتم صوته منديل كبير، ولم يعرف بعدئذ كيف سقط تحت السور فاقد الوعي..‏

شعر (ميشو) بالخوف، فقد سمع حركة غريبة خلفه.. وقبل أن يلتفت، كان جدي الملثم يصيح:‏

ـ ميشو.. لا تتحرك، أنت محاصر، ارفع يديك إذا أردت السلامة..‏

كان ابراهيم وصالح ومصطفى قد دخلوا أيضاً، بينما ظل محمود يراقب الطريق خارج المخفر.. دسوا البنادق العشرين في الكيس، وخرجوا يهرولون، ظل جدي شاهراً سلاحه على ميشو.. كان ذلك يرتجف ويقول:‏

ـ لا تقتلني..! الرحمة..!‏

صاح جدي:‏

ـ انبطح.. ولا تتحرك..‏

كان جدي يتأمله، وهو يحاول أن يكون هادئاً..‏

ومرت لحظة رهيبة، حتى سمع صفير محمود..‏

فهرول تاركاً ميشو على أرضية الحجرة، يصيح ويولول.‏

وحين هبط الليل، كان جدي يحتضن كيس البنادق وينام، وظلت جدتي تحملق في السقف, لاتستطيع أن تغمض عيناً..‏

(5)‏

عند الفجر, سمعت طلقات رصاص في أول الحارة، هبت جدتي من رقدتها خائفة.. كان جدي يتوقع ذلك، همس لها:‏

ـ لاتخافي.. سيقومون بتفتيش الحارة.‏

ـ ويلاه..!‏

ـ قلت لك: لا تخافي! هاتي الكيس والحقيني..!‏

وبقوة خارقة، رفعه على كتفه، وبدأ يتسلق شجرة التوت..‏

ـ أنت مجنون!!‏

هتفت جدتي..‏

ـ لست مجنوناً.. ادفعيني فقط.. ساعديني..‏

وحين تسلق الشجرة.. دفع الكيس بين الأغصان الكثيفة المرتجفة.. كان يلهث مرهقاً، متعباً.. وفي الحالات العادية لم يكن بقادر على الصعود إلى الشجرة، أما الآن فبإمكانه أن يصعد إلى السماء وليس إلى شجرة التوت!.. وتمزق ثوب جدتي الأزرق، ولكن ذلك غير مهم, وظل جدي يلهث ساعة.. وظلت الشجرة تحتضن بصمت كنزها الثمين..‏

جاء (السرجان) الفرنسي على رأس الجنود، دخل الحارة وهو يصيح ويزعق.. كان محمر الوجه, محمر العينين، يكيل السباب والشتائم.. ارتجفت الشجرة، وانكمشت أغصانها، اهتزت أوراقها فرقاً، وتجمعت أكثر.. ازداد لونها الأخضر عمقا، وبدت صامتة ومهيبة، وغامضة في الوقت نفسه، فهي وحدها تعرف كل شيء..‏

قال جدي:‏

ـ نحن لانعرف شيئاً.. لانكاد نغادر هذه الحارة..‏

قال (السرجان):‏

ـ أولاد هذه الحارة كانوا في الإضراب.. كلكم اشتركتم في الشغب..‏

قال جدي:‏

ـ يا حضرة (السرجان).. أنت غلطان، نحن لانحب الشغب.. نحن وطنيون..‏

صاح (السرجان) حانقاً:‏

ـ وطنيون.. ها.. ها.. ها.. أنتم لستم وطنيين.. أنتم مجرمون، مشاغبون تضربون الجيش الفرنسي بالحجارة, إن لم تجدوا بأيديكم الرصاص!..‏

قال (السرجان) ذلك، ودفع جدي بقبضة يده فهوى تحت الشجرة، على المصطبة الحزينة..‏

بكت جدتي، وبكى الأطفال، حتى الشجرة غضبت، ولكنها كتمت غضبها وظلت صامتة..‏

خرج أحمد الذهب، وصاح بالسرجان:‏

ـ ابتعد عن هذا الشيخ.. إن لمسته ثانية سأقتلك!!..‏

وهنا انقض الجنود الفرنسيون عليه..‏

وقالوا:‏

ـ هذا من الثوار..‏

حزن جدي كثيراً، فأحمد الذهب من رجال الحارة الأشداء, لقد ساقوه إلى سجن الثكنة.. هز رأسه وقال:‏

ـ الشجعان هكذا.. كثيراً ما يتهورون.. ماكان عليه أن يكشف غضبه!..‏

رفع بصره إلى شجرة التوت، وهتف من الأعماق:‏

– ماأروعك أيتها الصامتة!!‏

أحاط جذعها بذراعيه وقبّلها..‏

عند العصر، أرسل جدي إلى الثوار، يخبرهم أن أحمد الذهب دخل السجن، وأن السنونو على الشجرة.. وكانت جدتي وحدها التي تعرف أيضاً أن السنونو على الشجرة.. كانت دموعها تبلل وجهها الأبيض، وقلبها يرتجف كعصفور صغير.. ترى ماذا يحدث لو عرف الفرنسيون مكان السنونو؟!!‏

عند المساء جاء الضابط «فيران»، قالت جدتي، حين وقع نظرها عليه:‏

– إنه فيلان، لافيران!‏

كان، حقاً، بحجم فيلين، فهو ذو كرش عظيم، ولاأحد يعرف طوله من عرضه، وله غدد لحمية على رقبته، بدت كأن له ثلاث ذقون متدلية للأسفل، يسير متنفساً كثور في مرعى.. ظل يمسح بنظراته النارية أهل الحارة ساعة كاملة.‏

– العمى.. تخطفون البنادق في وضح النهار!.. أنا أعرف كيف أجدها..‏

وارتجفت شجرتنا. وازدادت حنواً على كنزها الثمين.‏

وأرسل جدي ثانية إلى الثوار:‏

– السنونو على الشجرة.. أرسلوا من يأخذها..‏

كانت الحارة كلها خائفة.. فالفرنسيون يمرون بها في اليوم الواحد خمسين مرة ولاأحد يعرف ماالذي جرى لهم.. كانوا كالمجانين.. يدخلون البيوت دون استئذان.. يفتشون هنا، ويبحثون هناك، يقلبون الأثاث، وينقبون في كل شيء.. والرجال جميعاً، قد تركوا الحارة، بعد أن قبضوا على أحمد الذهب.. حتى أبي لم يعد يأتي إلى الدار.. أما القمر فلم يعد يطل كعادته على الحارة، ويغمر بطوفان من نوره الأسطحة، وأعالي شجرة التوت، والشرفات الصغيرة.. وبلاط الحارة.. والأبواب الخشبية العتيقة.. كان يختفي وراء الغيمات البعيدة حزيناً.. ويترك الحارة تغرق في العتمة!.. وظلت دموع جدتي تملأ عينيها، وتبلل وجهها الأبيض باستمرار.. فالسنونو مازالت على الشجرة!.‏

وجاء صباح..‏

خرج جدي من الدار، وبدأ يصيح فرحاً:‏

– السنونو طارت.. السنونو طارت..‏

لقد عادت الروح من جديد.. وعرف الجميع بعدئذ أن الثوار جاؤوا إلى الحارة، واستلموا الأمانة، طارت السنونو إلى أصحابها الحقيقيين، واستلم كل ثائر بندقيته.‏

قالت جدتي:‏

– كل شيء مصيره الزوال.. ولايخلد إلا مايصنعه عقل الإنسان ويداه.‏

لقد صنع الرجال الحرية.. وإذا كان العدو يلجأ إلى المكر، فنحن نستعين بالعقل!.. ورحل الفرنسيون.. وظلت شجرة التوت باقية.. كنت أشم في رائحة ثمارها نكهة فريدة، كأنها من فواكه الجنة.. ومازال أولاد الحارة يتسلقون جذعها بمهارة القطط، ويذكرون الشاويش ذا الخصلات الذهبية الشقراء، التي يردها بنزق عن جبينه.. وما زالت الشجرة الغالية تقص عليهم أسرارها وحكايتها، لكن أجمل القصص على الإطلاق، وأمتعها لهم هي:‏

السنونو طارت..‏

شرح الكلمات:‏

دي مارتيل: المفوض السامي الفرنسي على سورية 1936 .‏

السرجان: رتبة رقيب في الجيش الفرنسي.‏

السرايا: دار الحكومة حالياً.‏           

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *