السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

قيمة الصور القديمة

 

 

 

كثير منا من يمتلك مخزوناً من الصور الفوتوغرافية القديمة سواء كانت تلك التي قمنا بتصويرها أو تلك التي ‏حصلنا عليها بطريقة الميراث أو بالإهداء أو بغيرها، فكثير من الصور الفوتوغرافية القديمة أصبحت بمرور ‏الزمن تاريخاً ومفاتيح لمعلومات وبيانات، ودليلاً لإثبات أو نفي بعض الأحداث والوقائع والتغيرات في البيئة أو ‏شاهداً على التطور العمراني أو التصحر أو شق الطرقات أو خلاف ذلك.‏

وخلال حقبة الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي قام عدد من الهواة الأجانب وبعض رجال ‏السياسة والاستخبارات والدبلوماسيين من دول مختلفة مثل إنجلترا وألمانيا وأمريكا وفرنسا وهولندا وغيرها ‏بالتصوير أثناء رحلاتهم لشبه الجزيرة العربية وتنقلاتهم في بلدانها المختلفة، فقد زار الكثير منهم بلاد اليمن ‏والحجاز وعمان وغيرها بحيث كونوا مجموعات كبيرة من الصور التي أصبحت مع مرور الوقت سجلاً وثائقياً ‏مهماً يمكن أن يستفيد منه الباحثون في شتى المجالات ويستخرجوا من تلك الصور ما يفيد دراساتهم وأبحاثهم ‏التي تفيد المجتمع.‏

لقد برع كثير من الهواة الأجانب على وجه الخصوص في توثيق كل شاردة وواردة أثناء زياراتهم ورحلاتهم ‏السياحة الى بلدان مختلفة وبعيدة، فقد برزت في السنوات الأخيرة الكثير من أعمال هؤلاء الرحالة ونشرت أو ‏عرضت في معارض وصالات في المناطق التي زاروها في حياتهم. وبنشر وعرض تلك الصور الفوتوغرافية ‏التي أصبحت نادرة وربما كانت هي الوحيدة في زمانها لاسيما تلك التي التقطتها عدساتهم في مناطق نائية وبعيدة ‏عن مواضع التطور والتمدن، ولم تسلكها سبل المواصلات الآلية كالسيارات وما شابهها في ذلك الزمان، ولم ‏تطأها أقدام الأجانب من ذي قبل وكانت منغلقة على نفسها لا يدخلها غير أهلها فقط أو الأشخاص الذين تجمعهم ‏صلات قربى أو ارتباطات تجارية.‏

ومن خلال النظر في بعض أرشيفات وخزائن الصور لبعض الرحالة الأجانب الذين سنحت لهم الفرصة في ‏الفترات السالفة لزيارة عدد من البلدان العربية في نحو (40-60 سنة ماضية) تبين وجود صور تملك قيمة ‏تاريخية تضاهي بعض المصادر التاريخية المعروفة، فقد أصبحت هذه الصور شاهداً متعدد البيانات يمكن ‏استثماره في علوم شتى ليفصح عن معلومات في مجالات تتعلق بالسياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع والزراعة ‏والري والهندسة والأجناس. ومن خلال استطلاع تلك الصور الجمة يمكن أن نقوم أولاً بتصنيفها إلى مجموعات ‏بحسب مواضيعها.‏

المواضيع الاجتماعية

وتنقسم إلى أقسام متعددة أخرى مثل: العادات والتقاليد الاجتماعية، الزواجات، الرحلات، الأعياد، ويمكن من ‏خلالها رؤية العلاقات بين الناس سواء بين الرجال والنساء في المجتمع العربي بما فيها من الحشمة وفصل ‏الرجال عن النساء الأجنبيات (غير المحارم) حتى في البيوت الأسرية الكبيرة التي يجتمع فيها الجد مع أبنائه ‏وأحفاده، أو بين مجموعات الرجال في أماكن التجمعات مثل المساجد أو الأسواق أو المحافل أو غيرها، وتظهر ‏كذلك اجتماعات الناس وجلساتهم الودية سواء بعد الظهيرة كالتي يجلسونها وهم يشربون الشاي ويتجاذبون ‏أطراف الحديث ويتناولون القضايا التي تدور في مجتمعاتهم، كتلك الصور التي التقطت في قصر (بن داعر) ‏لأبي بكر بن شيخ الكاف والتي توجد في مجموعة (ليلى انجرامس) التي عاشت طفولتها في عدن في كنف أبيها ‏المستشار البريطاني المقيم في عدن وزارت كثيراً مناطق حضرموت. وكتلك الصور التي تظهر ضمن مجموعة ‏الدبلوماسي الهولندي (فاندر ميولين) الذي يمتلك مجموعة كبيرة بها صور رائعة وقيمة لمناطق مختلفة من شبه ‏الجزيرة العربية ومنها في اليمن والسعودية، وكذلك الصور التي التقطتها عدسة البريطانية (فريا ستارك) ‏لمجالس أسرة آل الكاف في تريم وسيئون، ويمكن كذلك رؤية أنواع الملابس وطرق ارتدائها واختلافاتها، ‏وطريقة تساريح الشعر أو وضع أغطية الرأس سواء عند الرجال أو النساء أو ملابس الأطفال من الجنسين وما ‏يتخللها من الزينة وأنواعها المختلفة.‏

وكم تركت بعض هذه الصور من وقع جميل في النفس، فقد حضر البعض ليرى صوره بالصدفة في صالة ‏معروضات مجموعة (فاندرميولين) وهو طفل صغير يلعب في الشوارع بينما أبوه الذي توفي قبل عشرات ‏السنين يظهر في ريعان شبابه وجده الكهل في الصورة التي لم يعش بعدها إلا سنين قلائل، وهكذا أصبحت ‏الصورة هنا ذكرى تعيد الأذهان بسرعة إلى الوراء لتسرح وتمرح في عبق التاريخ وبلا مقابل يذكر.‏

المواضيع الاقتصادية

تظهر من خلال الصور الكثير من مناظر الأسواق، ويمكن أن تسلط بعضها لقطات مميزة وبخاصة على بعض ‏المواد المباعة التي منها المستورد أو المصنوع محلياً، كما تظهر من خلال الصور أيضاً صور الأراضي ‏الزراعية وتبين بعض محاصيلها ومنتوجاتها الزراعية، وتظهر كذلك عمليات اصطياد الأسماك وأنواعها التي ‏اشتهرت بها بعض المناطق العربية الواقعة على بحر العرب أو البحر الأحمر، وتوضح وسائل الصيد البدائية ‏مثل الشباك والقوارب الصغيرة والشراعية، وتظهر كذلك الحيوانات وأنواعها مثل الأبقار والجمال والماعز ‏والأغنام، ولم تخلُ صور معظم الرحالة الأجانب من صور الجمال كوسائل للنقل استعانوا بها في تنقلاتهم بين ‏المناطق المتباعدة وسافروا عليها ضمن قوافل كبيرة أو خاصة في الصحراء والجبال. وربما ظهرت صور ‏لحقول النفط وآبارها المكتشفة في الوطن العربي عند بداية أعمال التنقيب من قبل بعض شركات النفط بمعداتها ‏المتواضعة في تلك الفترة.‏

المواضيع الدينية والعلمية

ظهرت مواقع العبادة سواء بصورة منفردة ومخصصة أو جزء منها كخلفية لبعض الصور ضمن المباني أو عند ‏التقاط صور للناس وهم في الشوارع أو الساحات العامة لبعض المدن أو القرى العربية أو صور الناس بعد ‏خروجهم من الصلاة، كما ظهرت أشكال وأنماط المآذن وطرزها المختلفة التي تعبر عن الهوية الخاصة بكل ‏منطقة وبكل عصر ومرحلة تاريخية، بالإضافة إلى بعض العناصر المعمارية الأخرى مثل العقود والشرفات ‏والمداخل والنوافذ وغيرها، وتظهر بعض الكتاتيب وصور الأطفال الذين يتعلمون بها وهم يحملون ألواح الكتابة ‏الخشبية التي استعملت في وطننا العربي بشكل عام.‏

المواضيع السياسية والعسكرية

ظهرت صور القصور والمباني الرسمية للدولة أو السلاطين كما ظهرت صور خاصة لبعض القادة والحكام ‏والأمراء والشخصيات السياسية أو العسكرية أو من ينتسب لهم بملابسهم وزيهم الخاص وبأدواتهم التي ‏يستخدمونها كالأسلحة بمختلف أنواعها كالسيوف أو الخناجر أو البندقيات وأغطية الرأس وشارات وأوسمة ‏ورتب الجيش وكل ما يتعلق بها، وظهرت جماعات من الجيوش العربية البدوية وتدريباتهم وبعض المعدات ‏الخاصة بالسلاح البحري والجوي والمدافع القديمة.‏

المواضيع الفنية

ظهرت في مجموعات من الصور لقطات للفنون بمختلف أنواعها مثل الطرب والغناء كتلك التي ظهرت عند ‏الرحالة الألماني (هانس هولفريتز) الذي زار اليمن وأصدر كتابه المصور بعنوان: (زادني الفضول) وأظهر ‏صوراً لبعض البدو وهم يغنون أمام الميكرفون الذي جلبه معه، أو كتلك التي تظهر الفرق الفنية العسكرية التي ‏تقرع الطبول في الميدان الاستعراضي.‏

المواضيع العرقية والأنثروبولوجية

تظهر الصور اختلاف الأجناس والأعراق، فوجود بعض ذوي الأصول الأفريقية من السود في حضرموت مثلاً ‏وكذا بعض الأصول القادمة من جنوب شرق آسيا (إندونيسيا والهند وماليزيا) وكذلك بعض النوبيين والصينين ‏الذين تزاوجوا مع المهاجرين من الحضارم تظهر صفاتهم واضحة في الصور منذ القدم والتي تؤكد الصلات ‏والعلاقات القديمة بين الشعوب، كما تظهر الصور أنواع الشعر وطرق تصفيفه عند البدو نساء ورجالاً وتظهر ‏الأحذية الجلدية والبعض الذي لا يرتدي نعالاً ويمشي حافياً، كما تظهر مناطق وأجزاء من الجسم عارية ربما ‏تشبه عند الرجال لبس إحرامات الحج والعمرة ولكنها سوداء اللون.‏

المواضيع العمرانية

تشكل العمارة الجزء الأكبر من اهتمام المصورين الأجانب، لاسيما واختلاف طابع البناء ومواده التي تثير الكثير ‏من فضولهم، وتستهوي إعجابهم فتراهم يبذلون الكثير من وقتهم للتنقل بحثاً عن الأنماط الجديدة، فقد ظهرت ‏أنماط أصيلة وأخرى دخيلة على العمارة كتلك التي تظهر في قصور تريم الطينية التي جمعت بين أنواع مختلفة ‏ورموز وعناصر من العمارة الرومانية واليونانية وعناصر مبتكرة من مرحلة الستينيات مرحلة ما بعد الحرب ‏العالمية الثانية، أو كتلك النماذج المعمارية الرائعة الموجودة في صنعاء القديمة أو مناطق من الجوف، وما أكثر ‏تنوع الأنماط المعمارية في البلاد العربية التي جعلت من هذا التنوع سجلاً طويلاً وحافلاً لا يمله الناظر، ولا ‏يتركه السائح فلا يستطيع أن يغطي في رحلة واحدة مجمل الأنماط ويستمتع بكل أشكال البناء الدال على ثقافات ‏متنوعة. كما تظهر الحصون والأبراج الداعمة في العمارة الدفاعية العسكرية التي تحولت فيما بعد إلى طراز ‏معماري يستخدم في العمارة السكنية المدنية عندما اعتاده الناس واستحسنوه في مبانيهم العامة والخاصة.‏

وانطلاقاً مما تقدم فقد استحضر موقع مجلة كفربو الثقافية صورة قديمة من الأستاذ عبدالله نصار قدمها مشكوراً رافقت المقال وهي عبارة طريق المقبرة …….

 

(عن المجلة العربية وهي مجلة شهرية – العدد( 437 ) جمادى الثانية 1434هـ – مايو 2013م)

 

التعليقات: 1

  • يقول dr.mario:

    حقا ان قيمة الصور القديمة قيمة كبيرة جدا في نفوس الاشخاص الذين عاصروا تلك الصور واماكنها وكذلك لها قيمة حضارية تسجل للاجيال القادمة فتعرف تلك الاجيال كيف كان اجدادهم وابائهم يعيشون واين كانوا يمشون ويعملون فتضفي تلك الصور جمالية حضارية وتعد منبعا للذكريات في الماضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *