السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

رجل المواقف و الإيمان :الجزء الثاني (من سيرة سيادة المطران جورج كساب )

 

ليس من منطلق سياسي كان يقول : ” الحياة وقفة و موقف ” و ليس من شكل إعلامي أو إطار اجتماعي كان يتحدّث عن ضرورة اتخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب .. بل من الضروري موقف العز و الكرامة في كل الظروف .. شدَّد و يشدد دائماً بأنَّه علينا أن نعمل بشرف و نزاهة .. و نطلب لأجل الخير من موقف الكرامة و السمو .. و برأيه مَن يفقد مصداقيته في الطلب و أمانته في الإدارة و سموّه في التعامل و سخاءه في الاستقبال ووفاءه في العلاقات يفقد كرامته .. حتى في التعامل مع المؤسسات الكنسية إن لم يكن الصدق و الوضوح و الشفافية هي سمات هذا التعامل فلن تكون علاقة سليمة و دائمة .. لأّنَّ هذه العناصر هي أساس الديمومة .. و هذا ليس شعار بل نهج و خط عمل اختبره كل الذين أحاطوا به ، و عرفوا تفكيره وأسلوب حياته .. و كل المؤسسات في الداخل و الخارج عرفت عنه هذه المصداقية فصارت أكثر ثقة ليس به فحسب بل بكل ما يحيط به أو يتصل معه .. من الضروري أن نطلب لأجل كنيستنا و مشاريعنا الخيرية و الكنسية ، ولكن علينا أن نحس و نشعر بهؤلاء الذين ساعدونا و أرسلوا لنا المعونة و الدعم سواء كانوا أفراداً أم مؤسسات .. و لطالما روى لنا المواقف و المشاهد التي رآها من هؤلاء الخيّرين في بلادهم و الساعين لإيصال الخير لنا ، و ما يعانون لكي تصلنا مساعدة من هنا أو معونة من هناك .. و هذا الشعور يجعل كل كاهن بل كل مؤمن في هذا الشرق يقدِّر معنى هذا العطاء و قيمته ، و بالتالي يكون أميناً في الطلب وحكيماً في الصرف و الإدارة .

و على ذكر المواقف ووقفة العز التي عبّر عنها مراراً مؤكداً بأنَّ للمواقف ثمن ، و ” مَن أراد أن يكون جمّالاً فليرفع باب بيته ” .. فالكبير ( يُرجى لفظ الكـَبير بفتح الكاف بشكل واضح على طريقة المطران كسّاب ) لكي يكون كبيراً عليه ألآّ يخشى دفع الثمن مهما كان غالياً و مهما تطلبت من تضحية و سخاء .. ففي مدينة النبك و كنت قد تركتها منتقلاً إلى حماة ، و لكني كنت شاهداً و مرافقاً له حين تدخَّل لحل مشكلة كبيرة ، فما ما كان منه – و لأجل الوفاق و السلم و الإخاء .. و لأنّه كبير في هذه القيم – إلا أن حلَّ المشكلة التي تطلبت دفع مبلغ كبير من المال في الوقت الذي كانت الأبرشية تمر بضائقة مالية ، لكنّه و لأجل كرامة الأبرشية ، و كِبَر راعيها ، و إكراماً لمن ينتمي لها ، أخذ الموقف المناسب و دون تردد .. ذاك الموقف الذي سجلته له القلوب و العقول و الأفئدة في النبك و خارجها .. مسلمين و مسيحيين .. أفراداً و جهات رسمية و دينية .. و هذا ليس بجديد منه ، خاصة بما عرف عنه من روح مسكونية مُحِبّة لكل أبناء الكنيسة في كل مكان و بروح إخاء و احترام لكل الأديان و الأطياف الفكرية و المذهبية .. فالمسيحي الذي يُحب .. يحب كلَّ إنسان… فكم من مرة وقف مشجعاً كلَّ لقاء مسكوني داخل الكنيسة .. و كل لقاء إنساني ووطني دخل الوطن و العالم … فحين دار الحديث عن وحدة العيد كان من أول المشجعين و المناصرين لهذه الوحدة رغم كل العقبات و أمام كل الآراء المختلفة معه .. و حين تطلب الوطن تعبيراً عن وحدة أبنائه مسيحيين و مسلمين وقف مع سماحة مفتي الجمهورية أحمد بدر الدين حسون معبّراً عن روح الأخوّة و الإخلاص و الإنسانية التي تجمع أبناء الوطن الإخوة في الوطن، والأخوة في الإيمان.. فالإيمان برأيه – و قد عبّر عن هذا الرأي بعبارات متعددة و في مناسبات كثيرة – ” هوالإيمان الذي يغفر ويسامح ولا يحكم ويدين…الإيمان الذي يقبل ولا يرفض…الإيمان الذي يحب ولا يكره ولا يكفِّر…”

و الوطنية برأيه – و قد اشتهر بحبّه لوطنه سورية – هي مسؤولية وواجب بل كما يقول : ” من أقدس مسؤولياتنا… ومن أقدس واجباتنا الروحيّة والوطنية أن نجعل من بلدنا وطناً للتسامح الإنساني و الإيمان الإلهي… وطن الإيمان المنفتح الذي تترسخ أساساته لا على التعصب الطائفي الذي هو أحطّ وأخطر مظاهر التديّن، بل على الإيمان بالله وبالإنسان الحر والكريم والمحبّ..علينا أن نبدع وطناً يكون نموذجاً للخير الروحي لا للخيرات الزمنية وحدها…

وطناً يكون لا مزرعةً للطوائف بل مختبراً للإنسان المؤمن بالله، وطناً يُقال فيه كلما ذُكر اسمُه في الأوطان: وأحسن الدين والدنيا هناك… في سورية…وطناً يتماسك فيه الدين والدنيا، فيصبح أقرب مواقع الأرض من السماء ” .. فسورية في عيني سيادته هي : ” سورية التاريخ … هي سورية اليوم… هي سورية أمس واليوم وغداً وبعد غد… إنها رسالة حب وسلام ورحمة إلى العالم… وهي رسالة إخوة في الوطن… وإخوة في الإيمان وقد عاش أبناء سورية في كل العهود أسمى معاني الأخّوة في الوطن… ولقد عاش أبناء سورية الأخوّة في الإيمان… الواعي والناضج والمنفتح… فهي الأرض التي أشرقت منها المعرفة، ومنها رسم المنطق البشري الحرف، وتكونت الكلمة، ولولا الكلمة لما كان حوار السماء مع الأرض. فالكلمة أصبحت إنجيلاً في المسيحية، وقرآناً في الإسلام..

فلا عجب إذا كانت سورية سبّاقة في الإخاء و السلام و احترام الآخر نهجاً روحياً واجتماعياً وقومياً وإنسانياً .. نهجاً اختارته شعباً و قيادة و عملت به و له على مرِّ الزمان ، وتاريخنا يشهد بأننا على أرض مقدّسة هي موقع لتجلي الله، فهي مهبط الوحي، ومهد الديانات السماوية… كأنما الله اصطفاها ليّحل فيها العقل والحق والحياة والحب والجمال.” .

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *