السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

إلى أبي الراحل

 

حين تحاصرني الدنيا… أحتمي بالضياع.. ألوذ بالصمت وأترك أشرعتي لرياح الجنون على ضفاف الجرح وشواطئ الألم نمت ورودٌ تأبى الرحيل… تقاوم جذورها فلسفة الرياح.. فيملأ عبقها زوايا الزمن.. ماذا أقول ياأبي وأنت أكبر من كل الكلام..؟؟

 

يبكي اليراع فوق السطور… تضيق مساحة الذاكرة عن ذكر كل مااتسمت به من القيم السامية… جفّت دموعي- ياأبي-! فاعطني اخضرار سماتك… من طهر سنابل القمح التي عشقت… وضوء القمر… علني أوقظ ليالي العمر الغافية في زوايا رسمها الزمن على صفحات يديك الطاهرتين… دعوني أقبل هذه الكف التي ماامتدت يوماً إلا للخير والعطاء سألملم أطراف جراحي علّني أسطر فوق جبينك العالي ملحمةً للشرف والكبرياء وأنت تترك لنا ذكراك العطرة فتغسل جسدك الطاهر بماء الكرامة.‏

 

على قدميك جثت كنوز الشرف فكنت غنيّاً بما ملكت … وتحدث عن هذا كل من عرفك… لم تحمل في جبينك سوى مايرد أو الجائعين وكنت تقول لنا دوماً: «كلوا من عرق جبينكم وكونوا في ساحة الحق مهما حاصرتكم خفافيش الليل»…فطرّزت بمواقفك المشرفة مسيرة حياتك التي شهدها الكثيرون فزرعت فينا حب الخير وعشق الوطن ونصرة المستضعفين… لن أنسى أنك كنت كلمة الفصل بين المتخاصمين لأنك ماقلت يوماً إلا الصدق باعتراف كل من عرفك… وجمعت إخوتك في دائرة المحبة والألفة رغم أنهم من أربع أمهات فصاروا مثلاً يُحتذى..‏

 

ماذا أقول ياأبي -أنا ابنتك- وقد شربت من ماء طهرك…؟ ألا يحقّ لي أن أعشق شقوقاً في قدميك تشهد على كفاحك وأنت ترسم ملحمة العمر وخطوات الأيام الصعبة على دروب الشوك… عشقت الأرض فامتزجت حبات عرقك مع الثرى ليولد ندى الورد على شفاه الصحارى .‏

 

لن ينساك مقبض المنجل… وسنابل القمح الملأى… رأيتها تبكي بلغة لايفهمها سوى المتعبون… حتى أحفادك الصغار وأولاد الحي تراكضوا جميعاً يبكون ويسألون وينتظرون فقد كنت اليد الحنون التي امتدت إليهم بالمحبة والعطف والمساعدة.‏

 

الآن فقط عرفت معنى ماكانت تردده أمي الحبيبة عندما كانت تقول وسط سيلٍ من الدموع:‏

 

<وقع عمود البيت»‏

 

نعم -ياأبا سلطان!– فأنت سلطان الكلمة الطيبة… سلطان الكرم والصدق وطيب المعاني رحلت عنا لكن عزاءنا بمحبة الناس الطيبين الذين أحاطوا بنا من كل مكان… عزاؤنا بالثمار الطيّبة التي زرعت بذورها فأنبتت طيباً وعناقيد وفاء..‏

 

فأنا وإخوتي وأمي الحنون– أطال الله في عمرها- نحفظ بعون الله وصيتك فنحن في ساحة الحق نسقي كل أشجار الكرامة.‏

 

<ولن أنسى وصيتك لي عندما قلت لي يوماً: كوني شاعرة الوطن والمحبة والفقراء… لاتتملّقي أحداً رحمك الله ياأبي… مهما فعلنا لن نفيك جزءاً ضئيلاً من حقك، فقد عشت للآخرين ونسيت نفسك… لن نودعك فأنت تسكن قلوبنا وذاكرتنا… ولن ترحل من شراييننا لأنك فانوس الكرامة لدينا…وزيت طهرك ينير مصباحنا في ليالي غربتنا علّنا نكمل طريقاً وضعته أمانةً في أعناقنا… بوركتْ كل حبة تراب فوق قبرك! ورحم الله روحك الطاهرة! ولن يفارق مخيلتي سرب من الطيور رأيته مع الفجر يدنو من المقبرة ويقترب من قبرك، ربما ليقول شيئاً ما: رحمك الله ورحم كل من رحلوا!‏

 

وإن ترحل شجرة طيب عن أرضنا… يظل شذاها عابقاً يطرّز ذاكرة الزمن… ستولد الجذور من جديد فيتبرعم الأمل وتسطع نجمة يأبى نورها فلسفة الرحيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التعليقات: 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *