السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

اختطافي تجربة علمتني الكثير

 

 

لحظات مؤثرة عشتها في بلاد سمعت بها, ولم أشاهدها وأعيش بين ظلالها , كنت أنظر للأمر وكأنها مسرحية أو فيلم أو قصة تتردد بين الأوساط فقط , لم أكن أعلم بأنها حقيقة إلا في ساعة الصفر وهي الساعة التي تم فيها احتجازي فيها بقوة السلاح واقتيادي لمكان مجهول ….

 

في الساعة السادسة والنصف من صبيحة يوم الخميس المصادف 30 أيار 2013 تم احتجازي من قبل مجموعة مسلحة تنتحل صفة الجيش العربي السوري , في منطقة خالية من أي حواجز للجيش العربي السوري , وتم تغطية أعيني واقتيادي لمكان المعتقل , وتم تكبيلي بالسلاسل ,ووضعي في غرفة لا يتجاوز طولها الثلاثة أمتار وعرضها متران ( برغم أن عيوني بقيت مغطاة كل فترة احتجازي لكنني بالتجول أثناء وجودي فيها استطعت تقدير حجم الغرفة ) ..

 

في اليوم الأول تم تقدير حجم الفدية وهي /2مليون ل.س / وتم التفاوض مع أهلي للوصول إلى الرقم وكأنني سلعة للبيع والشراء …

 

لم أكن أتوقع أن أصل إلى هذه المواصل من التحقير والتعذيب المهذب, والحالة التي جعلتني فريسة سهلة بين أشخاص لا يعرفون الرحمة ولا الإنسانية ولكنني وصلت .

 

بعد أن كبلوني بالسلاسل, حيث كبلوا معاصم يدي وأفخاذي وأرجلي على كرسي لثمانية أيام على التوالي , حيث يقدمون الطعام والشراب وما علي سوى أن أتناول رغما” عن أنفي, ولكن وبسبب ظروفي النفسية التي أعيشها لم أستطع تذوق لقمة واحدة سوى شرب الماء للعيش …

 

كان يدخلون الغرفة التي تم احتجازي فيها , و يبدؤون بتذوق طعم عذابي , حين يضعون كيسا” خاصا” في رأسي وربطه بإحكام حتى أختنق فيسحبون الكيس لأعيش من جديد ( هذه إحدى وسائل التعذيب ) ( يقطعون الهواء عني بوضع كيس فوق راسي وربطه لمدة لا تتجاوز العشر ثواني , وتتكرر هذه الحالة يوميا” أكثر من أربع مرات ) وتارة أخرى كانوا يوجهون ضرباتهم على رأسي وجسدي متحججين بأن أهلي تأخروا بجمع المبلغ المطلوب , وفي إحدى المرات دخلوا إلي قائلين : اليوم موعد قص الأصابع .. فقلت لهم : أرجوكم لماذا تعذبونني مادمت صادقا” في دفع المال ومتأكداً بأن أهلي سيدفعون لكم ما تريدون … فردوا قائلين : اصمت أيها الحقير نحن نتلذذ بصراخك أثناء الألم … فتناولوا إصبعي الأوسط ووضعوه في المقصلة الخاصة بقطع الأصابع وتناولوا الهاتف الجوال ليتحدثوا مع أهلي قائلين لهم : هذا هو اليوم الذي سنقطع به أول إصبع من أصابع يد ابنكم وكل يوم تأخير في جمع المبلغ المطلوب ستُقطع إصبع أخرى … فكان جواب أهلي حكيم حيث قالوا لهم : هو ابنكم فأنتم أحرار , وسنجمع المبلغ ولن نتأخر …

 

برغم أن أهلي يتقطعون ألما” وحزنا” على وضعي لكن الله أعطاهم الحكمة في التصرف …

 

وفي لحظة وضع يدي في المقصلة للقص , كنت خائفا” وفي لحظات صعبة , حيث جاء صوت في داخلي ومقولة كانت تتردد أمامي في الكنيسة للسيد المسيح له المجد :لا تسقط شعرة من رأسكم إلا بأمر من الرب … هذه المقولة أعطتني دفعا” ليوم جديد وحياة جديدة …

 

الحياة أثمن و أسمى من كل المال والعقار والممتلكات لأنني ولدت حرا” وسأعود حرا” , فقد كانت هذه المقولة تترد في ذهني برغم التشاؤم الذي أعيشه , وبرغم أنني كنت لا أتوقع أن أعود من جديد ولكنني تعلمت  :

أولا” :  كيف خاطبت الله في قلبي وعقلي  ؟

 

في إحدى المرات من شرودي وجلوسي في المعتقل كنت أفكر قائلا” : ما الحكمة يا رب في أن أكون بهذا المكان , ولماذا أنا ؟ وكيف أنا هنا ؟ هل هذا هو صليبي الذي تم اختياره لي ؟ لم يكن لدي أي جواب حول ذلك … ولكن صوت في ضميري يقول : لا تيأس فأنت حر برغم العتمة التي تعيشها …

 

لم أكن أتوقع بأنني سأنطلق من جديد للحياة وتعلمت بأنني مخطئ حين وجهت لومي للرب , حين تردد قول في نفسي قائلا” : الله لا يصنع شرا” بالإنسان بل خيرا” …

 

وفعلا” علمتني هذه التجربة الصعبة أن الله موجود وحقيقي فكيف إذا” أنا حي أرزق في بيتي وبين أهلي …

 

ثانيا” : التجربة علمتني كم أحتاج لحنان أمي

 

في اليوم الثالث وبعد ضيق شديد وكان قد أُغمي علي طلبت أمي( وكأن قلبها قد أعلمها بأنني لست بخير) أن تسمع صوتي فسألتني أمي : كيف حالك يا بني … فأجبتها : أنا متعب ومرهق يا أمي …. فقالت لي : يا ولدي و يا فلذة كبدي اصبر والله سيكون معك … وهنا انتهت المكالمة

 

لا أعلم ماذا حصل معي بعد أن سمعت صوت أمي, و تذكرت حين كنت طفلا” وكانت أمي تضمني إلى صدرها وتغمرني بحنانها, وفور انتهاء المكالمة ارتحت كثيرا”, وكأن هذه الكلمات التي تفوهت بها أمي هي دفعة جديدة ورصيد جديد لحياة ومستقبل مشرق , وقد رأيت نوره في هذا الصوت العظيم…

 

لم تكن تجربة وقصة ورواية مكتوبة , بل واقع وحقيقة , وكما انه تم اختطافي وعدت سالما” لبيتي وأهلي ستعود سورية الحبيبة كما كانت وأفضل, فأنا الآن شخص جديد أعيش منذ يوم تحريري …

 

ثالثا” : التجربة علمتني كيف هو الشوق والحنين

 

حين وصولي إلى بيتي حيث كانت الناس تنتظر وصولي, وهنا الموقف المبكي المفرح, برؤيتي لأهلي وناسي واللحظات التي كانوا أهلي وأحبائي قد خُطفوا فيها مثلي بتفكيرهم وحياتهم, قد عادت إليهم الحياة بعد غياب طويل , فعودتي كانت كالحلم بالنسبة لهم وبالنسبة لي أيضا…

 

رابعا” : التجربة علمتني ماذا يعني أن أعود حرا”

 

أثناء وجودي وبعد أن فقدت الأمل بالخروج تمنيت أن أكون عاجزا” أو مشلولا” أو مصابا” بأي مرض, على أن أبقى مأسورا” بين هؤلاء …فالحرية الحقيقة لم أشعر بقيمتها إلا في ذلك المكان وأن أكون حرا” وطليقا” في أرض الله الواسعة , حيث لا يقيدني أي شيء حتى لو اضطررت أن أخسر كل شيء …

 

خامسا”: النمل الذي تصاعد على أرجلي علمني الصبر

 

في كل يوم أشعر بشيء يسير على جسدي العاري, وعلمت وبعد أن تأكدت بأنه نمل يبحث عن لقمة عيشه, ليجمع ما تثنى له من طعام, ليخبئه في جحره المتواضع , فسألت إحدى النملات في فراغي الكبير لأملأ وقتي بأي شيء, فربما يلهيني عن واقعي المرير , حيث قلت لإحدى النملات : لماذا تتسلقين على جسدي العاري وأنا مكبل ؟ وعن أي شيء تبحثين ؟ فانا مكبل اليدين والأرجل, ومعصوب العينين , ومغلق الأذنين , ولا أملك سوى نفس مرهق وكأنني رجل هرم أصبح عمره يناهز المائة …

فضحكت النملة وقالت لي : ما بك أيها الإنسان ؟ فالله سلطك على كل شيء, و أراك تتكلم بيأس , فماذا نقول عن حالنا حين نتعذب ونبحث ليل نهار , لنجمع قوتنا اليومي ؟ فنحن لا نيأس برغم كل الصعوبات التي تعترض طريقنا …

 

فقلت لها : أرجوك قولي لي ماذا سيحل بي هل سأموت خنقا”, أم بالسكين , أم بالرصاص؟ و ما هو مصيري ؟ هل تستطيعين إعطائي جواباً واحداً؟

 

فقالت لي : أنت إنسان ضعيف وهزيل وأخجل من رجولتك فلو كنت مكانك لصفعت نفسي قبل أن أقول ذلك , فأنت إنسان حر وكما اختطفوك لبرهة من الزمن ستعود للنور , واليأس ليس من شيم الرجال ما أسمعه منك ….فحين تسقط حبة الحنطة من فمي برغم أنني في أعلى الجدار أعود لالتقاطها مرة ثانية وثالثة ورابعة, المهم أن أصل إلى بيتي محملة بنتاج تعبي , وهكذا فالتجربة التي أنت فيها محطة وقصة ولن تؤخرك عن الوصول إلى أهلك, فقط اصبر وبالتأكيد ستصل , ويكفي أسئلة فليس لدي وقت لأنني جدية في العمل ولا أحب الثرثرة وتصبح على خير …

 

هي قصة واقع ومرحلة عشتها ولكنها بداية حياة جديدة و ولادة جديدة أنعم الله بها عليي لأكون إنسانا” جديدا” , وأتمنى من الله أن لا يوقع أي شخص في هذه التجربة القاسية , راجيا” منه أن يعيد إلينا الأمن والأمان , لينعم أبناء بلدي وبلدتي بالسلام و الاطمئنان ,  ودمتم سالمين يا أبناء وطني الحبيب سورية الغالية …

شكري  إلى الله الذي اعادني من جديد إلى الحياة وشكري ايضا” إلى  :

أمي وأبي

أخي الحبيب مفيد ناصر

إخوتي وأخواتي جميعا”

زوجتي وأطفالي

أقاربي وجيراني وأهالي بلدتي الكرام جميعا”

شكر كبير للمغتربين الأحباء الذين اتصلوا هاتفيا” قبل وبعد إختطافي

أتوجه بشكر خاص للذين دونوا وشاركوني  في صفحات الفيس بوك العامة والخاصة

وأشكر الذين كتبوا قصائد خاصة عن قصة إختطافي وتهنئتي :

الدكتور رغد دره في السقيلبية

الدكتور شحود زيدان المقيم حاليا” في فرنسا

شاعر الزجل ميخائيل تامر

الشاعرة فاطمة غيبور / السلمية

الشاعر والأديب سلوم درغام سلوم

وشكر كبير لإدارة موقع مجلة كفربو الثقافية التي وقفت معي وقفة تضامنية ورائعة

والشكر الأكبر لكم أنتم متصفحي الموقع ودامت طلتكم الغالية

التعليقات: 5

  • يقول متابع:

    بداية أود أن أتقدم الى الأخ الغالي و العزيز طوني بأحر التبريكات و الشكر للرب الاله بعودته سالما الى عائلته و الينا و أدعو الله أن يجعلها خاتمة المصائب و الأحزان على الجميع في بلدتنا الغالية و في وطننا الحبيب سورية بكل أطيافه و فئاته و بكل محافظاته.

    و هنا أود أن أتوجه برسالة الى الذين يقومون و يسهلون هكذا أنواع من العمليات التي لا تمت للانسانية بصلة و خاصة تجاه أهالي بلدة اشتهرت تاريخيا بوقوفها مع الوطن و اهالي الوطن بكل فئاته و بكل مشاربه و من لا يعلم فليسأل التاريخ القريب و البعيد عما قدمه أهالي هذه البلدة الى شركائهم في هذا الوطن من دون اسثناء و لا تمييز مبني على أسس سياسية أو طائفية أو ما الى ذلك من عوامل تسيء الى التعايش المشترك الذي اشتهرت به سوريتنا الغالية على مر العصور, تعايش تفرضه علينا عقائدنا و يفرضه علينا ايماننا بأنبيائنا و رسلنا أجمعين دون استثناء. اني و اذ أقرأ ما كتبه الأخ طوني عن تجربته المريرة تلك أكاد اجزم و لا أصدق أن الفاعلين هم سوريو المنشأ و سوريو التربية و سوريو الطباع, ألهذه الدرجة وصلنا من انحطاط خلقي و انساني بان نختطف أناسا أبرياء يسعون الى تأمين قوت يوم عائلاتهم و يجهدون و يتعبون سعيا الى لقمة الحلال مبتعدين و مستعيذين بالله عن الحرام…و هنا أدعو الجميع الى أن يعود الى الى رشده و يتوب الى الله عز و جل الذي ينهانا عن هذه الأفعال التي لن تأتي بشيء ايجابي على فاعلها فالمال يأتي و يذهب و خاصة المال الحرام الذي لا بركة فيه و ملعون من يقتنيه لكن الذي يبقى هو فعل الخير و المحبة التي كرسها اجدادنا عبر التاريخ و الى الان فما الفائدة لو حصلت على المال و خسرت محبة الاخرين و تعاطفهم الانساني الذي لا يقدر بثمن, أخيرا أقول أن الله لا يرضى بالدم أو القتل أو الخطف وما الى ذلك من أفعال لا انسانية و تبقى المحبة و السلام هي الخيار الأفضل للجميع…

  • يقول زهيدة أرتين:

    الحمدلله على سلامتك فعلا” انك انسان مؤمن وايمانك خلصك هذا هو رأي الخاص كل من آمن بي فسيحي هذا الذي ما علمنا اياه السيد المسيح له المجد ورضاء الام والأب هو كنز وهو الذي اكسبك الحرية واعادك لحضن بلدتك لانك محترم من قبل الجميع وبدون أي مجاملة اقول كلماتي هذه المتواضعة …………. أهلا” بك ومبرك لميلادك الجديد

    زهيدة ارتين

  • يقول مرهج عيسى:

    بعد الذي قرات لايسعني إلا أن أهنئك بعودتك لأهلك ومحبيك سالما عسا الله وهو سميع كريم أن يعويد كل مخطوف ومظلوم لأهله ومحبيه ,إن سوربا كلها الآن مخطوفة وليس لنا إلا الصبر على غدرهم ونذالتهم والله خير من يستعان به.

  • يقول ليون الجمال:

    الحمدلله على رجعتك بالسلامة لناسك واهلك واللي بحبوك وناسف للذي حصل معك لانك (متل ما قال كل من سمع خبر اختطافك ) شب طيب وما بستاهل
    والصراحة طريقتك بالتعبير عن معاناتك خلانا نعيش الامر كأنه واقع حصل معنا
    الله يحمي كل الناس والاهم سورية وترحع متل ما كانت واحلا

  • يقول مغيث رستم:

    من باب المعاناة ولدت كوكبة الأدباء والفلاسفه، وانت يااخ طوني قد ولدت من جديد، لكن مني كل التبريك بالولاده الجديدة واحيي فيك صبرك الأيوبي… سلامه والف سلام… ويابلدنا يابلد…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *