السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

كيف نقرأ أبا نواس اليوم ؟

130666_2011_05_30_12_53_20

 

في منحى تدبّر الإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من نقد القراءات الإسقاطية أولاً أو نقد التناول المحيطي للموضوع عامة بسبب دورانه على المؤلف وسيرته وثقافة عصره …إلخ، على النحو الذي يجعل المتن النصّي ملحقاً بتلك العوامل الخارجيةومفسَّراً في ضوئها فقط وفق أنموذج النقد الأدبي في القرن التاسع عشر مُمثَّلاً بأعلامه «سانت بوف « و» هيبوليت تين « و» غوستاف لانسون « . وأذكّر بعد ذلك بدراستين رائدتين في النقد العربي الحديث تناولتا قراءة أبي نواس في محاولة لتفسير شعره باختلاف على قواعد النقد الخارجي ومحدداته الخاصة . وهما دراستا العقّاد والنويهي لشخصية أبي نواس في ضوء المنهج النفسي الذي دخل ميدان الدراسات الأدبية في القرن العشرين كغيره من فروع العلوم الإنسانية، كعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا . فكان أن ذهب العقّاد إلى قراءة أبي نواس انطلاقاً من عقدة «النرجسية»، بينما اتخذ النويهي من عقدة «أوديب» أساساً لقراءته الموسومة بـ « نفسية أبي نواس « .

من جهة الالتفات إلى الصيغة المحدّدة لسؤال القراءة “ اليوم “ لا يخفى ما تشير إليه الدلالة الظرفية من توجيه النظر حكماً إلى متغايرات حدث “ القراءة “ في اختلاف المنظورات بين العصور المتعاقبة أو بين الأجيال والثقافات، أوبين التوجّهات المتزامنة . ومن شأن ذلك كلّه أن يستدعي الكلام على الأهمية النظرية لحدث القراءة في تفاعل أركانه وتغاير منطلقاته، وتعدّد الرؤى التي يتوفّر على إنتاجها من حيث هو محصّلة اشتباك منظومات وتقاطع فاعليات تنهض بها أبنية معرفية تخصّ كلاً من القارئ والمقروء، فضلاً عن أجهزة القراءة التي تتفاوت أدواتها بين العصور والثقافات والمجموعات القارئة .‏

يترتب على ما سبق ولا سيما تجاه شاعر إشكالي مثل أبي نواس ضرورة تجاوز سبل القراءات الحرفية، بما في ذلك قراءة الشرح والتعليق وضرورة انتهاك المبدأ التصوّري القديم القائم على إنتاج المطابقة بين الكلمة والشيء وهو ما يعني ضمناً في مواجهة نصوص أبي نواس، نقض المحاكمة الأخلاقية للفن “ الشعر “، تلك التي من شأنها أن تختزل التجربة النواسية، إذْ تقوم بتثبيتها في دوائر المجون والخلاعة والتهتّك والإفحاش . فما الذي يبقى من تجربة أبي نواس إذا ما واصلنا قراءتها في حدود المسعى البيداغوجي؟ وماالذي يتحصّل من معاودة إقرار ضروب الفصل التقليدي بين الأقسام والموضوعات والمضامين المتفرقة ؟!‏

يبدو لي أن القراءة المنتجة لأبي نواس اليوم ينبغي أن تقوم أولاً على تجاوز السطوح والمظاهر وأشكال التصنيف والقسمة المعتادة في مناهج القراءة الموروثة، أقول: يجب أن تتخطى ذلك كلَّه إلى فحص الجوهر الذي تدور عليه أعراض الأقسام والموضوعات والشذرات المبعثرة، للكشف عن حبل الإبداع السرّي الخاص الذي يخترق هذه المظاهر ويوحّدها عميقاً، فيمخضها معاً في انتظامها عليه .‏

ولا شكّ أن مثل هذه القراءة هي في حقيقتها معايشة لأعماق التجربة النواسية، واكتناه لطاقة الإبداع التي تجعل أبا نواس الشاعر يقف على كتفي عصره أو يخترق العصور ليأتي متجدّداً مع المستقبل، ويصنعه في الفن قبل أن يكون في الواقع .‏

سؤال مثل هذه القراءة اليوم يعني كيف نفعّل مناهج الثقافة الحديثة في مواجهة التراث، “تجربة أبي نواس هنا” ابتغاء الكشف عن المضمر فيه وعن قوّة الإضمار التي تفتح هوّةً في قراءة الشيء وتحرّره من دوائر الاستنقاع التي ضربت عليها آليات التداول الثقافي الموروث سياجها المحكم .‏

قراءة أبي نواس اليوم في ضوء الإشارات السابقة توجب التركيز لزوماً على فاعلية الإبداع، وعلى أشكال تحققه في هذه التجربة، لتصله بما يساوقه ويعضده من أفعال الحرية والاجتراح والمغامرة والإحداث، التي تكفل لفاعلها حقَّه في أن يقترح ويخالف، وفي أن يبني موقعاً له في رؤية للعالم، لا تقوم على جاهزيات التقبّل والامتثال ولا سيما عند شاعر كأبي نواس يقيم تجربته في وجه من وجوهها على نقض المركز بالهامش، وعلى إضاءة القاع الهامشي وتقديمه مركزاً ثقافياً وأدبياً، يزحزح مركزية السلطة وثقافتها المتسلطة ويدأب على اختراق المعايير الراسخة وعلى إعادة معايرتها بَعْدياً لا قَبْلياً .‏

وأخيراً فإن السؤال عن كيفية قراءة أبي نواس اليوم، قد يكون في الآن نفسه وبالتوازي سؤالاً عن الكيفية التي يمكن أن نستعيد بها عبد القاهر الجرجاني معاصراً في سياق التحوّل من الكلمة الشيء، إلى الكلمة العلامة وفي مجرى المبارحة القرائية من المعنى إلى معنى المعنى، الذي يغدو في سياق الإنتاج دالّاً يفضي إلى مدلولات متكثّرة أو معنى أولاً يفضي إلى معانٍ ثوانٍ لا تكفُّ إلا في حدود التقبّل النصّي عن تبادل الموقع بين الجانبين

 

ــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *