السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

الثقافة و ثقاقة العرب

سوسن-الأبطح-ليالي-الوصل-في-الشارقة-160

 

كان كل شيء يشي، حين هدأت نيران الحرب الأهلية اللبنانية اللعينة، بأن البلد لن يعود، مرة جديدة، جسراً بين الشرق والغرب أو مركزاً ثقافياً للعرب. وهو اجتهاد تبناه الكثيرون، وكان له من الأسباب الموضوعية ما يبرره. فالسلام يطرق الأبواب بقوة، وإسرائيل بمقدورها ان تأكل الأخضر وما يبس، والعرب رعاهم الله لن ينتظروا عبور الجسر اللبناني إلى أوروبا وأميركا، وبقية العالم وأمامهم الأقنية الفضائية والإلكترونية مشرعة على مصراعيها لنقلهم بكبسة زر إلى أقاصي المعمورة. هكذا كان الظن وبيروت تبحث عن مكان لها، يوم استعادت الحياة كأهل الكهف، واستيقظت من سباتها، فإذا بالدنيا تحولات يصعب إدراكها. لكن الحادي عشر من سبتمبر أرجع المنطقة عقوداً إلى الوراء، ولبنان من ضمنها، ومن لا يصدق عليه ان يزور بيروت ليعرف كيف أنها ومن دون علم منها رجعت لتعيش مجداً غابراً، هشاً، مفرحاً، بقدر ما هو مثير للقلق.«ابتسم أنت في بيروت» وبمقدورك ان تسرح وتمرح وتحضر ما شاء لك من المؤتمرات حول كل موضوع ومعضلة من قضية «القدس» وإشكالات «العولمة» مروراً بـ«الإرهاب» وصولاً إلى «مشاكل الأطفال النفسية المدرسية» وحتى «الحوار العلماني ـ الإسلامي» لو أحببت. وبمقدورك أن تقابل من تعشق من الشخصيات الثقافية شرقية غربية، وتجلس في المقهى وتسترق السمع للهجات ولغات تعرف بعضها وتجهل البعض الآخر. بيروت تحتفل بولادات ووفيات سارتر وغوته ونيرودا وجاك بريل، وتقول لك ببساطة في إعلانات مهرجاناتها، ان حفلاتها واستعراضاتها الراقية آتية للتو من نيويورك وباريس وروما وبكين، وان ما تشهده على مسارحها مستقدم إليك من كل أنحاء الدنيا. وباتت مألوفة في إعلانات الحفلات عبارة «لأول مرة في العالم العربي». فبيروت سبّاقة، ولن تدع عاصمة أخرى تسرق ريادتها أو حيويتها، فبدل مهرجان واحد للرقص ثمة في العام مهرجانات، وللمسرح مثلها وكذلك للسينما والموسيقى والكتاب والرقص والأغنية، عدا أعياد الصيف الذي يلتهب اشتعالات فنية عالمية الطابع. «كل شيء زاد عن حدّه انقلب إلى ضده» ومنصور الرحباني يعترض مستهجناً فيض الاحتفاليات فيقول:« أكلّ من وجد في منطقته درجاً عتيقاً، ظنه أثرياً ونظّم مهرجاناً، حتى صرنا نرى بعضها يقام في ملاعب كرة القدم». ولكن ما تفعل، هذا هو لبنان، وهكذا هم أهله، طموح فائض وتلقائية متسرّعة ومشاريع لا تنتهي إلا ليبدأ غيرها.

جلّ العاملين في المجالات الثقافية يشتكون الخسارة المادية، لكنهم مع ذلك ينمون كالفطر من غاليريات المعارض التشكيلية إلى المنتديات والملتقيات والتجمعات. وإن علمت أن الدنيا قد قامت ولم تقعد لأن «مسرح المدينة» قد أغلق قصراً لأسباب مالية أو إجرائية، سمعت صاحبته نضال الأشقر، في الوقت ذاته، تقول ان تجار شارع الحمراء دبروا لها مسرحاً جديداً ليحتضنوها بينهم، وأنهم لن يدعوا سيدة نشيطة مثلها تفلت منطقتهم. ولو أضناك ان يغلق مقهى «المودكا» الشهير أبوابه ويطرد مثقفيه إلى قارعة الطريق، فستجدهم قد اتخذوا لهم من كل زاوية في المدينة مقهى وملتقى. تضيق القاعات باللقاءات والفنادق بالزوار وتزدحم الأجندات بمواعيد متضاربة، فماذا تفعل هذا المساء، أتحضر عرضاً لفيلم جديد يصاحبه المخرج، أم تختار أمسية شعرية، أم تراك تلجأ إلى حفل موسيقي شرقي أصيل؟ وبمن تلتقي من أصدقائك العرب الزائرين الذين ما ان يغادروا حتى يعودوا وتظن ان بعضهم قد اتخذ له من بيروت مقراً ومستقرا؟ انهم يبحثون عن الحرية في بلد رأسماله ورأس الحربة فيه تنوعه وتعدديته. وبينما المنطقة كلها تلتهب ناراً وخراباً، يستريح المحاربون في لبنان وقد كانوا رواداً في القتال أيضاً. وحينما بدا ان أوروبا وأميركا تحكم القبضة على وتقيم السدود في وجوه المخربين السمر، صادف ان لبنان كان يفتش عن هؤلاء المطرودين من رحمة الغرب والهاربين من سوء ظنه. هو يبحث عن مكانته وهم يبحثون عن مكان وسطي لهم لا شرقي ولا غربي، يعيشون فيه تناقضاتهم وتساؤلاتهم ورغباتهم. تكاد بيروت تصير منبراً للجميع. فها هو الشاعر السعودي عبد الله باشراحيل يمنح جائزته للأدباء والباحثين من بيروت، ويقرر شاعر آخر، كويتي هذه المرة، وهو عبد العزيز البابطين أن يكون موقع مركزه للترجمة بيروت وشراكته مع أحد ناشريها، وقبلهما كانت «مؤسسة الفكر العربي» قد أقامت مركزها. وبعد هؤلاء وغيرهم كثيرين ممن يتعذر سرد أسمائهم، تسعي «المؤسسة العربية للتحديث الفكري» هي الأخرى، إلى مكتب في العاصمة اللبنانية. ولو سألت هؤلاء عن سبب اختيارهم بيروت لبادروك بالقول:« وهل من مكان عربي آخر بمقدوره أن يحتملنا»؟ لماذا في بيروت تفتح مكاتب المؤسسات الثقافية التي تريد أن يكون لها اسم وحركة ووجود وجدال، أوليست هي عاصمة ماهرة في الترويج للحدث، وفي صناعته من لا شيء إذا اقتضى الأمر ذلك؟!

ما نقوله يعرفه القاطنون في العاصمة اللبنانية ويتنفسون حيويته صيفاً وشتاء. فما عادت المواسم تهمّ ولا شهر التسوق المفتعل هو الصنارة التي بها يصطاد السياح. ففي بيروت تنتعش «الثقافة السياحية». وكان وزير الثقافة اللبناني السابق غسان سلامة قد دعا وكافح بقوة من أجل«سياحة ثقافية» أغفلها السياسيون الذين أعشتهم الأضواء. والفرق بين الأولى والثانية، قد يبدو ضئيلاً، لكنه في العمق كبير. فالمثقفون العرب يعثرون في لبنان على مساحة فيها بحبوحة وجمال. وكان المطلوب أن يعمّق دور بيروت ويؤسس لثقافة أقوى وأمتن، ثقافة مكتبات ومتاحف وآثار ودراسات وتوثيق ودكّ مداميك علمية، تراكم في أرض صلبة، بدل الاكتفاء بثقافة«رغوة الصابون» التي يكثر فيها الكلام وتتضاءل الأفعال. للعرب وحدهم وإنما لكل أولئك الباحثين عما هو أبعد من الاحتفاليات الخاطفة، هذه الاحتفاليات المؤسسة على حالة عربية هي نفسها على كفّ عفريت. مثير للعيش فيه هذا الغليان الثقافي الذي تحتضنه بيروت بمحبة الأم الحانية، لكنه في الوقت نفسه، محكوم بمائة شرط وشرط. فبيروت التي لا تعرف كيف تتصالح مع حالها تدّعي قدرتها على المساهمة في مصالحة المتناقضات الآتية إليها بحثاً عن ملجأ دافئ وأمين. وهو أمر يفهم حين يلتقي أصحاب السؤال في زمن البحث عن إجابات لا تأتي. وهنا تحديداً مكمن الخطر والتحدي الكبير لعاصمة مثل بيروت: هل هي حقاً قادرة على بلورة غيمة ممطرة من الأفكار الضبابية الهائمة في سمائها، أم ان المسألة هي تمضية وقت جميل والسلام؟!

 

sawsan_abtah@hotmail.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *