السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

أدب الداخل أو أدب الخارج؟ أو أدب الما بين؟

517

الفراق والرحيل صارا قطبي حياة الملايين من الناس، في طليعتهم أبناء الرافدين، تفرقوا أيدي سبأ (حقاً): الأخ في أستراليا، والأخت في هولندا، والولد في ألمانيا، والعم جنوب القطب الشمالي في السويد، والوالد مات بعد أن رفض طلب لجوئه، والأم تقتلها الحسرات، ولديهم قريب تجاوز السبعين يتمنى لو هاجر عندما كان في العاشرة متيحاً للجهة المعنية المجال الزمني الكافي للبت في قضيته.ألا يحق لنا أن نكره المطارات والموانئ والمحطات الكبيرة والصغيرة لقلوب تفتت فيها تودع من تحب ولحالات فراق تصدعت لها أركان الدنيا.

هل يحتم على جموع من البشر لا تحد أن تفارق من تهوى؟ ألا نعجب، بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة ـ كبيرة، للفراق الملازم للناس منذ القدم، وإن تنوعت أشكاله من الرحيل المفاجئ في الصحراء، والأطلال شاهدة عليه، إلى طقوس الوداع في أحدث المطارات، ويبقى الإنسان يبحث عن خلاص ويخوض غمار مغامراته التي ترتبط أحياناً بفراق مفجع أو وداع حزين أو هجرة دائمة. قبور مقابر الدنيا ملأى بحسرات مَن ماتوا وليس معهم في لحظات الرحيل الأخير من يهوون: حبيباً أو ابناً أو أخاً.. الخ، لماذا يخاطب الشعراء الأطلال ويتركون القبور؟ عليهم حين يودِعون الثرى حبيباً، أن يودّعوه بكلمات تنطق عنه لو عاد إلى الدنيا بعد حين، لكن التجارب الكبيرة لا يمكن أن نعبّر عنها إلا بالصمت، وهذه أمنية السياب: إن متّ يا وطني فقبر في مقابرك الحزينة/ أقصى منايَ/ وإن سلمت فإن كوخاً في الحقولْ/ هو ماأريد من الحياة.

ويقول محمد سعيد الصكار: صيّروا قلبنا صالةً/ وهوانا موائدْ/ رقصوا فوقنا/ شبعوا من نبيذ القصائدْ/ ثم لما استقام عمود النهارْ/ قهقه الصبح من ذلنا/ ونعتنا الجرائدْ.

وامتلأت دواوين الشعراء منذ عصور بالألم والحنين والأنين ولوعة الفراق وروعة اللقاء، يقول أسامة بن منقذ:

شكا ألم الفراق الناس قبلي

وروّع بالنوى حي وميْتُ

وأما مثل ما ضمت ضلوعي

فإني ما سمعت ولا رأيتُ

وتتوالى من الشعراء حالات الرحيل والوداع، يحدثنا عمرو بن الحارث عن فراق قومه لمكة قاصدين اليمن:

وقائلة والدمع سكبٌ مبادرُ

وقد شرقت بالدمع منها المحاجرُ

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيس ولم يسمر بمكة سامرُ

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا

صروف الليالي والجدود العواثرُ

ويقول المتنبي:

فواحسرتا ما أمرّ الفراق

وأعلق نيرانه بالكبودِ

وقصيدة ابن زريق مشهورةودعته وبودي لو يودعني

صفو الحياة وأني لا أودعهُ

وتحدث النابغة عن تشابك الأقدار:

رأيت نعماً وأصحابي على عجل

والعيس للبين قد شدت بأكوارِ

فريع قلبي وكانت نظرة عرضت

حَيناً وتوفيق أقدار لأقدارِ

ويودع صلاح عبد الصبور أصحابه: وأحن إليها حتى تنخلع الأعضاءْ/ ما بين شهيق الرغبة وزفير العجزْ/ أتمنى أن أمسح قدميها/ بالشِّعر كما تمسح بالزيت العطريّْ/ أقدام القديسينْ/ فوداعاً يا أصحابي/ فلقد عشنا بعض الزمن الميت جيرانا/ يرعانا نفس اللحاد المجنونْ/ ونلبس نفس الأتربة المتجمدةِ/ ونقتسم فطير الصدقات الملعونْ.

وليس من السهل أن يستجدي المهاجر إقامته ووجوده في أرض غير وطنه وبين أفراد لم ينشأ معهم. إنه يعد الابتسامة صدقة وإن كان موضع حفاوة، يحس الاغتراب في كل خطوة ويراه في كل نظرة، وبلده أصبح دائرة مغلقة لا ينفذ منها ولا إليها أحد، ولذا قال السياب: لو جئت في البلد الغريب إليّ ما كمل اللقاءْ/ الملتقى بك والعراق على يديَّ هو اللقاءْ/ شوق يخض دمي إليه كأن كل دمي اشتهاءْ/ جوع إليه كجوع كل دم الغريق إلى الهواءْ/ شوق الجنين إذا اشرأبّ من الظلام إلى الولادةقاهرة تجعل الإنسان الذي يحب بلده وأهله وخلاّنه يسلم نفسه إلى مهرّب أو محتال ليفك الإسار عن نفسه، وقد يترك تائهاً في الجبال التي تكسوها الثلوج، أو يسلم إلى المخبرين، أو يغرق وسفينته التي مخرت العباب أيام القراصنة، فتبتلع الأمواج الأطفال والنساء والشيوخ والشباب العاجز عن إنقاذهم والذاهب معهم إلى الأعماق، أو ينتقل في الحدائق العامة يختلس غفوة بعيدة عن الحراس، ويبحث في الأكياس عن بقية طعام فاض، أو يختبئ تحت قاطرة ساعات، أو يندس في مركبة دون علم أصحابها.. الخ، من وسائل الهرب، ويقنع أن يستجير من النار بالرمضاء ويرضى بالبين ويتطلع إليه، وهذه أمنية محمد سعيد الصكار: يا حدود العراقْ/ ارسمي لي حدود فؤادي/ وارسمي للفراتين خطينِ/ واعتصري القلب بينهما/ ليذوب بماء بلادي.

ويبقى العراق البلد المنكوب بنفسه وبغيره، ومنذ زمن بعيد هتف عبد الوهاب البياتي: صلي لأجلي/ عبر أسواري، وطني الحزين الجائع العاري/ ويظل الوطن حزيناً جائعاً عارياً، تقول لميعة عباس عمارة: يوحدنا الحب، حب العراقْ/ وتجمعنا غصة، وهموم كبيرة/ موزعة لحل أرواحنا/ فنصف هناك ونصف هنا/ نحل مكانين رغم الفراقْ/ وما بعدت غير أجسادنا/ عن تراب العراق.

ويتيه عدنان الصائغ بين العراق الذي يبتعد والعراق الذي يتئد: العراق الذي يبتعدْ/ كلما اتسعت في المنافي خطاه/ والعراق الذي يتئدْ/ كلما انفتحت نصف نافذة قال آه/ والعراق الذي يرتعدْ/ كلما مر ظلٌّ/ تخيلت فوهة تترصدني أو متاه/ والعراق الذي نفتقدْ/ نصف تاريخه أغان وكحلٌ/ ونصف طغاه.

ويتحدث محمد سعيد الصكار عن بغداد القريبة البعيدة: وتدري أيها الخل الخليلي بأن الحب في الغربة أوطانْ/ وأنا إذ تناءى الحلم في المحنة صنوانْ/ وأنا نسند الرأس إذا أثقله الهمُّ/ إلى كتف صديق ـ وطنٍ/ نلمس في أردانه أطراف بغدادْ/ وفي أزراره أنجم بغدادْ/ فما أقرب بغدادْ/ وما أرحب بغدادْ/ وما أصعب بغدادْ.

ويتخذ من الأشواق حصانة ودرعاً واقياً: زرع الله بي غصناً للحنينْ/ وزرعت أنا راية للوطنْ/ فإذا هبت الريح مالت عليَّ الغصونْ/ واحتمينا بأشواقنا من رياح الزمنْ.

وإن استقر المهاجر في البلد المنشود، وتحقق له ذلك بعد لأي وضنك، يتلفت يمنة ويسرة، لا يعرف أحداً، ولا يعرفه أحد، ولا يفقه لغة، ولا يفهم عادات، ولا يدري أيأسى لحاضره أم ماضيه، ويحار كيف يبكي الأول بعين والثاني بأخرى ويترك لمستقبله العمى. إن مسه ضر هنا تذكر ما جرى له فارتاح، وإن استعاد مآسيه السابقة تعلل ببعده عنها ولجوئه إلى ما يتمنى ألا يجد لها مثيلاً فيه، ويحس أنه يحمل في يمناه وعاء يتوسل من الناس كيانه، والفرح الذي بعد عنه وصار كلمة مموهة غير واضحة في معجمه.

وخاطب الصكار وطنه: صرت بالأمس نافورةً/ قلت يا وطني عندما يجهدونك بلل لديَّ جبينكْ/ واتخذ من حنينيَ خيمه/ فأجرى على كتفي راحتيهِ/ وفجر بي شوق الوجود إليهِ/ صرت بالأمس نافذةً/وسافر على هدب عيني إليهِ/ فلمّ عباءته العسجدية ثم انحنى/ وعانقني/ فغفوت على ساعديهِ.

ويرفض رشدي العامل اليأس ويتمسك بالأمل الخائب الذي ينطوي على أسى وحزن ولوعة: أتنزه وحدي بين الشباك وبين البابْ/ أرقب وجهاً غابْ/ بين الكتب المرصوفة والأوراقْ/ من يعرف عند صلاة الفجر متى نام العشاقْ؟/ أنهض وحدي في ليالي السهادْ/ لعلني ألمح جمراً تحت برد الرمادْ/ لعلني أسمع صوتاً بين صحوي عابراً والرقادْ/ لعلني ألمح وجهاً غاب عني وعادْ.

ويقول البياتي: جعت في بستان هذا العالم المثقل بالأزهار والحب وألوان الثمارْ/ جعت حتى الموت في كل عصور الانتظارْ/ وتمزقت ببطء من نهار لنهارْ/ وتماسكت وقد زعزعني الدهر وقبلت قبور الأولياءْ/ وتراب العاشق الأعظم في أعياد موت الفقراءْ/ فلماذا عقرب الساعة دارْ؟/ عندما ألقت على الجائع عشتار الثمارْ.

ويعلل الأسباب والبواعث: لماذا يا أبتِ أنفى في هذا الملكوتْ؟/ لماذا تأكل لحمي قطط الليل الحجري الضارب في هذا النصف المظلم من كوكبنا؟/

فهل يبقى بعد هذا لقاء أو أمل فيه؟ وهل يسعف ما تبقى من الزمن البخيل:

أترى الزمان يسرنا بتلاقي

ويضم مشتاقاً إلى مشتاق

فقلت يا وطني/ أطلَّ على الكون عبر ضلوعي/

لكن هذا اللقاء محال لدى محمود درويش:

صمنا وأفطرنا على أمل اللقاء وما تفتّحْ

ما زال وعداً.. فكرة.. وصدى مجرّحْ

وبعد ذلك كله: ما معنى أدب الداخل؟ وما معنى أدب الخارج؟ أو أدب الما بين.

نفينا في الداخل وفي الخارج وقبل الولادة وبعد الموت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *