السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

الجمال الفني ابن الجلال والكمال

517

 

 

كل عمل إبداعي -فني، أو أدبي- فهو الظلال الدافئة الممتعة في حضن قمم الفكر الشاهقة: الفكر عظمة، والفن ‏متعة، والروعة في تمازجهما.. وما عهدت قط (في طول التاريخ وعرضه) أن عصراً بدأ بظاهرة أو ظاهرات ‏فنية وأدبية ذات مستوى إبداعي مجمع على عشقه إلا وهو مسبوق أو متزامن مع طلائع فكرية ذات فلسفة أصيلة ‏عتيدة؛ فالمفكرون والفلاسفة هم دائماً طلائع الإبداع والاكتشاف في العلم المادي والإبداع الفني والأدبي، والذين ‏يدرسون الفلسفة مؤرخين لأفكارها أو مصنفين لموضوعاتها: تراهم لا يغفلون عن علاقة الفلسفة بالعلم والأدب ‏والفن؛ لأن الفيلسوف يستهدي بالعلم المادي والمعارف البشرية؛ ليثري أمثلته وشواهده بالمثال الواقعي الحي بدلاً ‏من المثال الافتراضي الذي لا يفيد سوى التصور.. وترى العالم يستهدي بالفلسفات (ولا سيما فلسفات عصره)؛ ‏ليدلف إلى اكتشاف علمي؛ لأن نظرية الفيلسوف هي فرضية العالم، بل إن نظرية الفيلسوف تمهد له أول أشواط ‏التجربة، وتثري ملاحظته في رصد خطوات التجربة.. والفارق بين الفيلسوف والعالم: أن الفيلسوف أعزل من ‏أدوات المختبر والمعمل، وربما لو كانت بيده لم يحسن استخدامها.. والعالم ذو حرفة ومهارة في استخدام آلات ‏المختبر، ولا يعوزه الذكاء في استعمال حرفته ومهارته، ولكنه يحتاج إلى عقلية الفيلسوف وشمول معارفه؛ لأنه ‏جرد من عموم المعارف البشرية أفكاراً فلسفية، وحدس ما ينبغي أو يمكن أن يكون برؤية عقل مباشرة، أو من ‏حتميات فكرية جردها من خبرة الأجيال.. لقد كان ديكارت الفيلسوف ملمـاً بالعلم، وكان نيوتن العالم ملماً ‏بالفلسفة.. وفي مجال الفن والأدب كان الفيلسوف الفذ أمانوئيل كانط (وهو من أثقل الناس روحاً، وأغلظهم حساً) ‏من رواد النظرية الأدبية والفنية؛ لمباحثه في فلسفة الجمال.. وكان رواد الأدب والفن في الصعيدين العالمي ‏والعربي ذوي ثقافة فلسفية عريضة.. وإذا تصفحت مجرد فهارس الموضوعات للكتب التي صنفت تصنيفاً مقبولاً ‏أو رائعاً في نقد الأدب ودراسته: أصبت بالدوار؛ لأنك تجد الفطرية الجمالية -التي نجدها في كتب البلاغة ‏العربية، أو كتب النقد العربي القديمة- ليست سوى مسحات تأتي لتتمة المنهج وحسب، وأما العناصر الرائعة التي ‏يتألف منها مفهوم النقد والدراسة أدبياً وفنياً؛ فهي العلاقات الشائكة الصعبة المتناغمة بين المعارف البشرية؛ ‏ليمخض بها القيم الفنية والأدبية؛ فعالم النفس تستنطقه كتب الدراسة والنقد؛ ليفسر لنا طبيعة الإبداع الفني ‏والأدبي.. والفيلسوف يستنطق؛ ليفسر المضمون الفكري، والـمختص في التاريخ بشتى فروعه إنما يستنطق ‏ليحلل مدلول الأسطورة، ويعلل الظاهرات والمضامين..

وعالم اللغات ومفلسفها يحرج بأكثر من سؤال، ويطلب ‏منه أكثر من حل؛ لتوسيع المدلولات الإيحائية؛ فيطمح الأديب إلى أكثر من دلالة معجمية، ويضيق ببساطة ‏التناول.. وبما أن اسم الأدب في مصطلح الأسلاف في تراثنا لا يزال عنواناً لموسوعات مثل نهاية الأرب، ‏ولأخصَّ كتاب لدى المعاصرين -ككتاب عن نظرية الزمن في الأدب-: فإنني أعد فهرسة المكتبة الأدبية ‏وتصنيفها من أعقد الأعمال وأدقها؛ فلا تبويبات الرازي إلى عصر حاجي خليفة، ولا طريقة ديوي شفت في ‏فهرسة الموضوعات الأدبية وتصنيفها, ولا سيما أن مفهوم النظرية محل خلاف كثير عريض.. والعصور التي ‏خلت من طلائع الفلاسفة والمفكرين المجددين هي المتعارف عليها بعصور الانحطاط الأدبي..

إن نماذج ابن ‏حجة في خزانته من نماذج الأدب في عصور الانحطاط، ونظلم هذا الأدب (وإن كان معظمه حلية بديعية) إن ‏قلنا: (إنه لا يوجد فيه كثير من المتعة والعظمة أحياناً).. ومن يجسر على قول ذلك في مثل شعر ابن نباتة والحلي ‏والحاجري والتلعفري؟! وإنما جاءت فكرة (عصور الانحطاط)؛ لأن ذلك الجمال الفني والأدبي إنما هو في ظلال ‏الفكر القديم؛ لأنه محاكاة أمينة له، ولأن عنصر الجلال وما يقدر عليه من الكمال قليل، وأحط ما في ذلك الغزل ‏بالمردان.. والدليل على أنه تقليدي أنهم جعلوا الحلية البديعية قصداً وأسرفوا فيها، والعمل التقليدي يكون جميلاً ‏ومتخثراً معاً.. يكون جميلاً في نفسه؛ فإذا استجد العلم بأنه تقليدي أصبح متخثراً..

وكثيراً ما يقول العلماء: (قال ‏الشاعر فلان على مذهب أهل الصنعة) يريدون الصنعة البديعية التقليدية، والأدب والفن لا يكونان تجديداً في ‏ظلال فكر قديم منعزل عن متغيرات الفكر والفلسفة؛ وإنما يتجدد الفن والأدب بتجدد الفكر.. ولقد غاظني كثيراً ‏فطاحل من أئمة اللغة العربية والبيان العربي يضيق عطنهم عن تجديد فني في الأسلوب الأدبي يتجدد به الفكر ‏اللغوي؛ فتراهم ينكرون وصف القبلة بالحرارة، ووصف الإشعاع بالبركان، ووصف الصوت بالدفء؟! لأنهم ‏جمدوا عند علاقة المجاز العربي الفطري التي يبحثها البلاغيون في الاستعارة والمجاز المرسل، وقد غبي عنهم ‏دلالة الشعور الذي جاء على حكمه تراسل الحواس، وإنني أخشى أن يظل أدب الشباب السعودي أدب عصور ‏الانحطاط ولكن بوجه آخر.. كان أدب خزانة ابن حجة في ظل الفكر القديم، وأدب الشباب محاكاة لأدب لا يملك ‏بعضهم أو أكثرهم مقوماته الفكرية..

إن من قضايا الأدب والفن -شعراً، ومسرحاً، وقصة، ورواية- المشكلات ‏الأسرية من تعدد الزوجات والطلاق، والاصطدام في الحب، والغيرة، والخطيئة والعفاف، وزوجة الأب، والبنت ‏أو الأخت الكبرى العانس.. أو قضية الاستعمار، والعمالة، واللاجئ الفلسطيني (وما أكثر اللاجئين من غير ‏الفلسطينيين خلال الحريق الذي يسمونه الربيع العربي!)، وتجسيد المأساة في ضحايا الأفكار من رجال التاريخ، ‏والتجزئة الوطنية، والتمزق القومي، والضياع، والاستلاب في عصر العلم المادي..

أو الواقعية الأمينة في التقاط ‏حياة الريفي، وأحلام الموظف، ورجل الشارع، وانغماس المنتمي، وأستاذ الجامعة، وتفاهة القابع في الملهى تحت ‏التخت-أو في المقهى مع النارجيلة، أو في ملاعب الوثنية مع رقص الدراويش وسدنة المزارات-؛ فأي موضوع ‏من هذه الموضوعات أو غيرها يوظف فيها الشاب أدبه أو فنه (مهما قرأ من الآداب والفنون العربية المترجمة) ‏فإنه يتجاوز نطاق الأفكار العرفية التي تعيش تلك الفنون والآداب في ظلها؛ فإن أحسن غاية الإحسان فالنتيجة أنه ‏أتقن المحاكاة، وإن حكم له بالإبداع فهو إبداع نسبي؛ لأنه في ظل أفكار عرفية.‏

قال أبو عبدالرحمن: لست أنصب من نفسي معلماً ومربياً للشباب، ولست أدعي عملاً إبداعياً؛ لأن تفرغي الثقافي ‏والفكري شغلني عن معاناة عمل إبداعي، ولست حريصاً على عداوة الشباب؛ لأن لي مندوحة بأن أمضي في ‏مشربي ولا أعبأ بهم؛ وإنما يدفعني -والله حسيبي- الغيرة على سمعة بلادي الأدبية والفنية، وأن أكاثر في سوق ‏المفاخرة بنوابغ بلادي، بل فرحي بالعمل الإبداعي السعودي أكثر من فرح الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى ‏بروائع أهل الأندلس في رسالته الميزان.. وكوني لم أفرغ لعمل إبداعي لا يعني حرماني من ملكة الذوق ‏والتمييز؛ ذلك أن الرجل الأنيق ذا الحس الفني يختار أجمل الأزياء ولا يستطيع تصميم أدناها، ورجال الفكر كلهم ‏منذ فجر البشرية يميزون جمال الطبيعة ويحكمون ويفاضلون وهم لم يخلقوها..

ولست ههنا واعظاً؛ لأنني لم ‏أشرح لهم الترغيب والترهيب للمنذري؛ وإنما أطللت على روائع الفن والأدب من خلال معاناتي لقضايا الفلسفة ‏والفكر، فرأيت أن في هذين الحقلين ظلالاً باردة لعقد الفكر وقممه؛ لهذا أناشد أحبابي أدباء الشباب (إن كانوا ‏يعرفون عن مستوى ثقافتهم نفس الذي أتوقعه) أن يتفرغوا لبناء فكري فلسفي واع مستوعب؛ وبذلك يكونون في ‏المستقبل طلائع التجديد للفن والأدب: إما بأن تتألق موضوعات الفن والأدب التي ذكرت طرفاً منها في ظلال ‏إبداعهم الفكري والفلسفي؛ فيكون الموضوع الـمعرفي صادراً عن فكر سعودي أصيل؛ فهذا لعمر الله هو الإبداع ‏الذي يرسم لبلادنا هويةً جديدة بين المدارس والمذاهب والمتغيرات..

ولله در المحابر والطروس ما أسعد حظ ‏المخلصين لها!!.. وإما بأن ينتقل الشباب أنفسهم من الإبداع الفكري؛ وذلك عند بلوغ الأشد (مع جانب كثير كبير ‏لله لا نضيعه) إلى الإبداع الأدبي والفني، ولعلهم يحسنون غاية الإحسان إذا بلغوا الأشد عندما ينقلون الموضوع ‏الأدبي والفني المكرر المميت إلى فن فكري محض يؤمن بأن المعرفة هي (شهوة الإنسان العظمى) كما قال ‏سوفوكليس في مأساة أوديب؛ وبهذا نحول الأفكار الفلسفية إلى طرح فني وأدبي في أطر جمالية؛ وهذا ما أعنيه ‏بالانتقال من المسرح الاجتماعي إلى المسرح الذهني، وقس على ذلك شتى ضروب الفن والأدب..

وأعني ‏بإيضاح أكثر أن تكون ضروب التعبير الفني والأدبي تحتاج إلى وعي الشعور وتأمل الفكر أكثر مما تحتاج إلى ‏إصغاء السمع وتحديد الحدقة، وأعني ألا تفقد شيئاً من معايير الجمال؛ فإن غلب جانب القوة والعظمة على جانب ‏المتعة فلا يضير ذلك في بداية التجديد؛ ذلك أن عظمة الفكر وشمول الثقافة بشير صادق بتفوق فني وعلمي ‏وأدبي.. إن الجاذبية وليدة الفكر الحاد.. والشاب الذي عمره ما بين ثمانية عشر عاماً إلى ثلاثين عاماً وهو لا يلم ‏بعموم المتغيرات الفكرية والفلسفية في العالم مع جذور من تراثه كالفقه والتخصص في بعضها، ثم يوسع شمول ‏ثقافته، ولا يضيره أن يتناوش شيئاً من توافه بعض المعارف: لا يمكن أن يكون رائداً ولا مبدعاً وإن منح موهبة ‏التذوق والمحاكاة؛ لأن التذوق الفطري العاطل من جبروت الفكر وسعة الثقافة لا يجدي في بناء الأدب والفن ‏بمفهوم العصر الحديث.. وليعلم أحبائي أن رواد الأدب منذ السياب إلى صلاح عبدالصبور ونجيب محفوظ ‏والناقدين الوديعين مثل محمد غنيمي هلال وشكري عياد: كانوا أئمة في الفكر والثقافة قبل أن يكونوا رواداً ‏لإبداع الأدب وتنظيره..

وليقل عني أحبائي الشباب ما قاله مالك في الخمر إن صح ذلك القول عنه -ولعل جار الله ‏الحميد قال عني في اليمامة منذ سنوات أكثر مما قاله مالك في الخمر-؛ فلهم خالص حبي وابتهالي، والرائد لا ‏يكذب أهله، ولبئس الخيانة خيانة القلم.. هكذا قلت مرة في جريدة الجزيرة عام 1405هـ.‏

قال أبو عبدالرحمن: أزكي موعظتي الفنية بنموذج من الشعر الخواجي وصل إلي بما يقدر عليه من إحضار ‏المعاني من غير ما لا يقدر عليه من مقومات الجمال الفني، وهذا النموذج قصيدة (إليكو وزمفيرا)، وهما اسمان ‏خواجيان لبطلي (ملحمة الغجريات) للشاعر الروسي بوشكين (1799 – 1837م)، وقد ترجمها عن الإنجليزية ‏محمود برهوم، و(إليكو) رمز الشاعر نفسه الذي كان موظفاً بوزارة الخارجية الروسية، ولكنه في عام 1820م ‏نقل موظفاً بجنوب روسيا في بسارابيا؛ لأنه داعية للحرية، ضائق بالأنظمة والقوانين والقيود والأخلاق العامة ‏التي هي من قيم المجتمع ومسلماته.. وعاد إلى موسكو من منفاه سنة 1826م بعد أن هدأت ثورته على حكومة ‏روسيا ودوائرها وموظفيها، وقد أمضى في الـمنفى ست سنوات كتب فيها روائعه الأدبية، وكان ذلك قبل ثورة ‏روسيا الشيوعية سنة 1917م، وكانت أعماله تلك غناء بالحري ة وهجاء للمدينة والنظام، وشعره وكتاباته معلم ‏لليساريين في العالم..

ولما تأملت ما ترجم من بعض أعماله طن في أذني رجع ما كنت أسمعه من الشعر العربي ‏الحداثي الذي يصف الأنظمة بالقضبان، والزعامات والمبادئ بالأصنام، ويجعل من التغني بالطبيعة والفطرة ‏هجاء للمدينة لا لنفسها، بل لما فيها من نظام وقانون، وهذا اللون من البكاء الرومانسي ضروري لأدب الحداثة؛ ‏لأنه ليس كرومانسية من يتعبد في الطبيعة تعبداً وثنياً ليخلو بحبيبته ويشعرها -أو يستشعر معها- العناق في ‏الطبيعة وجاذبية الحب؛ فهذا من البطر الوجداني؛ وإنما هو رومانسية مُصْطلٍ هموم المجتمع، مكافح من أجلها، ‏يستجلي مظاهر المحبة في الطبيعة ونواميس الحب: إما ليستمتع بها في لحيظات انهزامه؛ لتكون محطة استراحة ‏في سبيـل مواصلة الكـفاح، وإما ليـذكـر الـمستـلبين نعمـةً ما فقـدوه؛ فيفجـر ذلك التذكير الكفاح في نفوسهم.‏

قال أبو عبدالرحمن: حينما نأتي لأشعار أمثال بوشكين فلا يعني ذلك أننا ندين النظام الذي عاشه بإطلاق، بل ‏نجزم أنه لو عاش ثورة 1917م وما بعدها -وهي الثورة القائمة بشعارات منها الحرية!: لكان أشد وأكثر لعناً ‏للنظام والمدينة والريف معاً! هذا على فرض أن ظروف الثورة تسمح له بأن يكون قمرياً، وتسمح بأن تهب له ‏غصناً يغني عليه!.. وإنما يعني الاتجاه لأشعار بوشكين وأمثاله أنها الغناء الوجداني الطبيعي إذا وجد ما يفدح ‏الحريات المشروعة حقيقة لا تزويراً، ويعني أنها معلم لتكوين رؤية أدبية وراء كل ما يفدح الحريات المشروعة.. ‏والحرية في الطبيعة جمال طبيعي يستهلم منه الرومانسيون جمالاً فنياً، ويجعلون الحرية الجمالية الطبيعية ‏مسوغةً مشروعية بعض الحريات.. ولقد أسلفت في مناسبات كثيرة: أن الحرية مفردة لغوية، وجزء تصور، ‏وليست قيمة معيارية.. وإعطاء الحرية قيمتها من الحق والباطل عمل الفقهاء، ورجال الفكر، والمستهدين بدين ‏الله، والخائضين غمار التجارب، والـمربين عن أهلية..

بيد أن عواطف الأدباء تلتهب؛ فتجعل للحرية قيمة سارة ‏بإطلاق حينما تصادر الحقوق، ويستهان بالمواهب الفكرية، ولا يكون العدل أو الظلم بالسوية.. وحينما تصل ‏الممارسات في المدينة إلى هذا المستوى يشيد الأدباء أهرام الحرية، وينسون الفرق بين حريات الحقوق وحريات ‏الديوثة كما في ملحمة الغجريات.‏

قال أبو عبدالرحمن: بعد تقطع أيدي الغوغائية من التصفيق، وبحة حلوقهم من الهتاف، واستراحتهم من السدر ‏والخدر: يأتي دور المفكرين والمربين والمصلحين؛ ليوضحوا الواضح ويجلوا عنه التمويه؛ فيبينوا لهم أنه لا ‏حرية معقولة إلا بقيود معقولة.. والملحمة الغجرية نظمها بوشكين في منفاه فيما بين 1823 – 1824م، وموجز ‏الملحمة أن إليكو (أي بوشكين نفسه) جاء من جحيم المدينة إلى الريف جنوب روسيا (بسارابيا)، فوقع في غرام ‏الغجرية (زمفيرا)، وعاش حياتها وحياة قومها الريفية الحرة، ولكن الغجر نفوه من حياتهم لمـا أدركه طبع ‏المدينة؛ فغار على زوجته الغجرية من عشيق آخر فقتلهما.. وحياة الغجر حرة لا تعرف القيود، ولا ترضى بمقنن ‏يحد من حريتهم.. وأول عنصر في الملحمة الغناء بالريف ممثلاً في حياة الغجر؛ لأن الغجريات يقضين الليلة ‏فوق النهر في صخب الزحمة، والخيول ترعى، والدب مستلق في دعة..

وزمفيرا جلبت إليكو من الأرض ‏المهجورة خلف الأكمة، وأخبرت والدها الكهل بأنه مطلوب من القانون؛ ولهذا فهو يبغى أن يكون غجرياً؛ ‏فرحبوا به ليحيا الفقر مع الحرية !!.. ولهذا يوجهه الكهل الغجري بالتالي: ‏

‏(كن منا.. عود نفسك ما نحيا.. الفقر مع الحرية.‏

وغداً في الفجر نجول فمارس أية حرفة.‏

أمسك بالدب وجل معه.‏

غنّ للناس أغانينا.‏

أو فلتصهر في النهر المعدن).‏

ويحكي بوشكين ما صار صباحاً؛ ليصور حياة الريف فيقول:‏

‏(عم نور الأرض.. والكل يطوف حول الخيمة.. هيا يا زمفيرا.‏

قد أشرقت الشمس.. انهض يا ضيف.‏

حان الوقت.. حان الوقت .‏

قوما من مضجعكما.. قوما واندفع الناس.‏

بسلال تتدلى وحمير.‏

تحمل أطفالاً لاهين.‏

صيحات وضجيج وأغانٍ غجرية.. وصياح الدب.‏

ورنين سلاسله المتلاحقة.‏

وخليط الأسمال الرثة ذات الألوان المختلفة.‏

وكهول مع أطفال أشباه عراة.‏

ونباح كلاب ممتزج مع أصوات مزامير وصرير العربات.‏

أصواب ومناظر بائسة يضطرب الحشد بها.‏

لكن تتصف جميعاً بنشاط وقلق).‏

ويتبع ذلك غناء بحياة طائر في الريف لا يكترث ولا يتعب، ولا يقلق كي يبني عشاً أبدياً:‏

‏(في الليل ينام على غصن لا يرهب.. وعند شروق الشمس يصيخ السمع لصوت الله.‏

ينفض ريشه.. ويغني.‏

وربيع الدنيا ذو الثوب الأخضر يكسوها أجمل حلتها.‏

حتى بربيع الدنيا المبهج ينحو الطائر نحو

أرض نائية يبحث عن طقس دافئ خلف البحر الأزرق.‏

وكذلك الطائر هو أيضاً جوال منفي لم يعرف عشاً أبدياً يخلد له.‏

لم يقدر أن يعتاد على شيء.‏

فالدرب أمامه.‏

في كل مكان مفتوحة.‏

وبكل مكان مأوى يرتاح به ليله.‏

حتى يبزغ صبح فيعاود يومه).‏

قال أبو عبدالرحمن: صوت الله ههنا بمعنى خلق الله وملكه وهو تعبير عن حال مظاهر الطبيعة، وترجمة الشعر ‏الخواجي لا تستطيع توصيل الصور والمجاز فنياً، وموسيقى الشعر؛ وإنما توصل المعاني، وتجعل للشاعر ‏العربي فرصاً لإحضار الصور والمجازات بما يناسب سياق الشاعر الخواجي.. ويضع إليكو معادلة للريف مع ‏المدينة في جوابه لزمفيرا وقد سألته عن مدى حسرته من فراق المدينة:‏

‏(ماذا تعتقدين هنالك؟.. كم أشعر بالحسرة.. لو تدرين.‏

المدن الخانقة.. الحرية تشنق فيها والناس هنالك محتجزون وراء سدود.‏

لا يسمح بتنفس نسمة صبح أو عطر شذى حلو.‏

يضطهدون الفكر وبالحرية.‏

هم يتجرون.‏

وأمام الأصنام رؤوسهم محنية.. يسعون إلى الأموال.‏

وتقيد أيديهم بسلاسل وقيود.. فرطت بماذا؟.‏

بقوانين الجور الغاشم.‏

بجموع مضطهدة.‏

بالخزي الناعم).‏

وآنيات المدينة التي هولتها زمفيرا لخص إليكو قصتها بأنها عقود بدون عطر، والرومانسيون يمجدون مباهج ‏الطبيعة، وينفون بجمالها الفني شريعة الغاب فيها.. وبوشكين كان رومانسياً في العناصر المذكورة آنفاً؛ ليجعل ‏منها مجالاً لتسويغ الديوثة، أو تسويغ نوع من الحرية يعكر الصفاء الرومانسي.‏

قال أبو عبدالرحمن: في عرائس وشياطين للعقاد مقطوعة لشاعر إنجليزي اسمه (أوكاس) يقول فيها:‏

‏(يا صاح إن الطبيعة أسعد منك في صنيعها.‏

فما فيها يوماً من جديد، وفيها كل يوم جمال.‏

تخرج من القالب ألف ألف مثال).‏

قال ذلك رداً على من يطالب بشعر جديد؛ فهذا نَفَس رومانسي يستلهم من جمال الطبيعة جمالاً فنياً كالجمال ‏الشعري مثلاً.. وثمة نفس آخر يستوحي الطبيعة فكراً؛ إذ يجعلها رمزاً للواقع الآدمي الـمعاش في المدينة؛ ففي ‏العرائس والشياطين أورد العقاد قصيدة شاعرة إنجليزية اسمها (روث بثر) لما تغنت بوسواس العشب، وتموج ‏اللبلاب، وترقرق الماء.. إلخ: أطلقت هذا النداء للموت على نهج (فيا موت زر) لأبي العلاء:‏

‏(مرحباً بدعائك حين ينثر الورق من الشجر على ثراه.‏

حين يسمع للسفوح فحيح في العاصف المهتاج.‏

حين يشم الرعاة من الشرق رائحة الثلوج.. حين يهجر الحقل للريح تتولى حصاده.‏

حين يصبح الإعصار حطاب الوادي الذي يطيح بأعواده.‏

حين يصبح البرد بذرة الأرض التي تنثرها السماء.‏

حين ننفر من كل شيء ولا نتوق إلى شيء).‏

قال أبو عبدالرحمن: وبوشكين في هذه الملحمة يصور حياة الغجر في معرض هجاء المدينة بما يوافق فلسفة ‏إسبينوزا اليهودي بالحيل الصهيونية قبل أن تظهر غطاءً سياسياً وعقيدةً وضعية؛ لأنه أجهد فكره من أجل العبث ‏بالعقول؛ ليرفع عن الناس القانون؛ ليكونوا شركاء في الشهوة؛ فالغيرة الزوجية من الخدين المحرم أنانية، وقتل ‏الخائنين خطيئة.. هكذا يقول الغجريون وهم يرحلون إليكو بعد جريمته:‏

‏(ارحل عنا.. إنا أصحاب.‏

طباع متوحشة.. لا قانون لنا يحكمنا.. فارحل عنا.. إنا لا نقترف القتل ولا نحتاج لسفك الدم.. إنك لم تولد لطريقتنا.‏

في العيش.. تبغي الحرية وحدك.. ترفض للناس الحرية.. شرير أنت..‏

جريء فاتركنا.. وليعف الله خطيئة حقدك).‏

قال أبو عبدالرحمن: وهناك ما يظن أنه تناقض فني، وهو أن هذه الحرية مشروعة عند غجر بوشكين كما مر من ‏المقطع المذكور آنفاً، وكما في قول زمفيرا لزوجها:‏

‏(يا زوجي القاسي يا زوجي الكهل محبوبي لن تعرفه.‏

أنقى من وجه ربيع أخضر.‏

أدفأ من يوم صيفي ساخن.. كم هو حلوف وشغوف.‏

كم هو يعشقني؟!.‏

في الليل الساكن كم عانقته.. ولكم جذلت أنفسنا فتضاحكنا).‏

وإذن فكيف قالت بعد هذا لخدينها الغجري:‏

‏(حان الوقت لكي أرجع.‏

زوجي إليكو غيور..) إلخ.. إلخ؟

قال أبو عبدالرحمن: لا تناقض في الأصل؛ لأن شرع الغجرية (زمفيرا) الريفية غير شرع إليكو المدني! ولأن ‏مقطع (يا زوجي القاسي) ليس من شعر زمفيرا، بل هو أغنية موروثة غناها الناس طويلاً.. ولأنها علمت من ‏أبيها أن دين المدنيين على الغيرة.. قال أبوها:‏

‏(لا تقتربي مني.‏

فأنا أعرف ما اعتقد الناس من القدم.‏

وعقيدتهم روسية).‏

قال أبو عبدالرحمن: كانت عقيدتهم روسية أرثوذكسية قبل الثورة الشيوعية ببلاشفتها، والشعر العربي الحداثي ‏وليد ريادات الشعر العالمي، وإذا رحب واقعنا الخيّر بحريات مباركة، فلا يعني ذلك الضياع في ضجيج ‏الغوغائية التي لا تميز بين حريات الحقوق وحريات الديوثة. والله المستعان.

 

عن مجلة المجلة العربية – الرياض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *