السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

وجيه البارودي شاعر الحب والمرأة

5365

 

يعد الشاعر والطبيب وجيه البارودي شاعر الحب والمرأة بامتياز …   يكتب القصيدة حين يأتيه شيطان الشعر ,أما إذا جفاه وقاطعه فلا يكتب لذلك جاء شعره جميلاً لا تكلف فيه ولاصنعة يقول :‏

أطلقت شعري في ميادين الهوى‏

سحراً وإغراءً ووحياً منزلاً‏

سكر الغواني من كؤوس رحيقه‏

وصحون لما جئتهن مقبلاً‏

لم يحترف الشعر أبداً ,بل ظل هاوياً طوال حياته لا ينشد من الحياة سوى قصيدة عشق جميلة ,وباقة ورد وسماعة طبيب يداوي بها مرضاه .‏

ولد الشاعر وجيه البارودي في مدينة حماه في آذار عام 1906 ,ودرس دراسته الأولى في مدينته من خلال كتاب الشيخين الحامد والمازوني ومن ثم في مدرسة ترقي الوطن ومدرسة التطبيقات‏

وفي عام 1918 سجل في الكلية الإنجيلية السورية في بيروت الجامعة الأميركية الآن ودرس فيها مدة /14/عاماً شملت الدراسة الابتدائية والثانوية والجامعية وتخرج فيها طبيباً عام 1932وقد تعرف خلال دراسته الجامعية بالشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان ,والشاعر العراقي حافظ جميل والأديب اللبناني عمر فروخ وكانوا يعقدون اجتماعاً سموه دار الندوة وبصحبته للشاعر المذكورين قويت ملكته الشعرية …وكان ينظم الشعر مع إبراهيم طوقان ومن قصائدهما المعروفة التي نظماها معاً قصيدة “وادي الرمان “‏

وبعد تخرجه عاد إلى حماه وفتح عيادة فيها ولم يغادرها أبداً إلا خلال دراسته في بيروت وبعض الرحلات القصيرة .‏

أتاه الشعر وهو في العشرين عمره وقد قال :‏

 

هواية الطب ما كانت لتشغلني‏

 

عن القوافي بل إن الطب أرهقني‏

 

فلي جناحان من طب ومن أدب‏

 

حلقت ما أحد في الكون يدركني‏

 

فلا فؤاد بعلم الطب يحلقني‏

 

ولا أبو ريشة بالشعر يسبقني‏

 

مارس مهنة الطب وبرع فيها وامتدت شهرته إلى مدينة حماه وريفها وظل يمارس الطب إلى أن أنهكه المرض .‏

كان وجيه البارودي عصامياً في حياته ولم يسلم من مصائب الدهر فقد فجع بفقدان أمه وهو طفل وأكمل السنتين الأخيرتين في الجامعة بدراسة الطب بتبرع وهبات من الأصدقاء حيث أصيبت عائلته بحادث إفلاس …كما أصيب بوفاة زوجته وهي في الستين من العمر بعد حياة زوجية معها دامت 45 عاماً ,كما فجع بوفاة ابنه عام 1995 …ولم يرث من والده شيئاً من الرزق بل كان من الأشخاص الذين اعتمدوا على أنفسهم في بناء حياتهم .عرف بروح الدعابة وخفة الدم وكانت وسيلته لمواجهة قساوة الحياة ولم تكد تخلو له جلسة أو حديث أو معاينة إلا وفيها دعابة وكثيراً ما ردد الناس دعاباته التي تدل على خفة دمه.ولعل ما قاله في سيارته العجفاء يدل على ظرافته إذ يقول :‏

تمر سيارتي العجفاء في طرق شعبية ليس فيها لمحة لغني /جموع الصبية الأغرار تتبعني مهما فررت فراري ليس ينفعني /هذا يصيح وجيه أمس أنقذني من الهلاك وهذا أمس طهرني .‏

ورغم أن وجيه البارودي قد نظم الشعر مبكراً إلاّ أنه لم يبدأ بنشر أشعاره إلا في زمن متأخر من عمره ,وكان أول دواوينه “بيني وبين الغواني “وكانت زوجته قد أحرقت غالبية قصائد الديوان ولكن الشاعر استطاع أن يسترجعها من ذاكرته القوية ,ومن ثم صدر ديوانه الثاني كذا “أنا “عام 1971 ,وديوانه الثالث والأخير “سيد العشاق”1994 الذي صدر قبل مرضه ووفاته بسنتين وقد كتب على غلافه البيتين التاليين :‏

يا أيها الجيران في دنيا الهوى‏

 

هيا استمع لتجاربي ونوادري‏

 

أنا سيد العشاق من قبل الشبا‏

 

ب ومن نعومة أنملي وأظافري‏

ويعكس شعره حياته بكل آلامها وأفراحها وخيباتها ونجاحاتها ,وهو القائل :‏

شعري حياتي من أراد تعّرفا‏

 

بي فهو عني الترجمان الأفضل‏

 

فيه الصبا فيه الهوى فيه التي‏

 

أنا في هواها جمرة تتآكل‏

وقد برع وجيه البارودي في غزله للمرأة منذ ديوانه الأول إلا أن نظرته أو بالأحرى فلسفته لهذا الحب تبدلت بين مرحلة وأخرى ففي البدايات كانت أشعاره تفيض عذوبة ورقة وشفافية ومحبة أما في أواخر حياته فقد أصبحت نظرته إلى المرأة تأخذ شكلاً آخر يقول في ذلك :‏

 

فلا نوم بلا سهر طويل‏

 

وسير بلا جهد جهيد‏

 

يسحرني الجمال فأشتهيه‏

 

وأعشقه ولكن من بعيد‏

 

وصار الوصل في شم وضم‏

 

به أستغيث عن بيت القصيد‏

 

أشم أضم ثم أشم حتى‏

 

يغيبني الشميم عن الوجود‏

ورغم ما اتهم به بأنه شاعر المرأة فقط إلا أنه اهتم بالجوانب الحياتية وكانت له قصائد رائعة في نقد العادات البالية ,والتقاليد الاجتماعية التي كان ينفر فيها …كما شارك في النقد السياسي ببضع قصائد لكنه لم يجد في نفسه ميلاً إلى الهجاء أو الرثاء أو المديح أو الوصف وقد آثرت أن أقتطف بعضاً من آخر قصيدة كتبها الشاعر الكبير وجيه البارودي قبل رحيله إلى مثواه الأخير والتي يقول فيها :‏

أمشي إلى غايتي في منتهى التعب‏

 

كأن ساقي قضبان من الحطب‏

 

فإن أكلت فأكلي جد مختصر‏

 

من الخضار ,وحبات من العنب‏

 

وقد عميت ,فلا قبح يمج….ولا‏

 

حسن له رعشة للحب في عصبي‏

 

كذاك وقر بسمعي ازداد في كبري‏

 

فلا غناء ولا عزف يؤثر بي‏

 

شمي وذوقي ولمسي جل ما بقيت‏

 

من الشعور ,فلم أقلع عن اللعب‏

 

ليلاً نهاراً رهين البيت أكتب ما يوحى‏

 

إلي من الأشعار في طرب‏

 

كتابة الليل ألغاز …ننقحها‏

 

صبحاً ,وننقلها في خطها العربي‏

 

وليد راويتي أدرى بصحتها‏

 

له مثالية في ذوقه الأدبي‏

 

يأتي إلي بما يختار من متع‏

 

ومن طرائف في شتى من الكتب‏

 

كم ذا جرى بيننا في البحث من جدل‏

 

فكان لي وله شطر من الغلب‏

 

بدولة الشعر لي سبق ,ويسبقني‏

 

بالصرف والنحو والآداب والخطب‏

 

هذا…ويحفظ أشعاري برمتها‏

 

وفي المحافل إما غبت لم أغب‏

وقد غيب الموت شاعرنا البارودي عام 1996 عن عمر ناهز التسعين بعد معاناة مع المرض العضال الذي أقعده عن العمل والشعر وهو الذي بقي عاشقاً للشعر حتى آخر يوم من حياته .‏

نجاح حلاس

صحيفة العروبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *