السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

الطبيب الشاعر وجيه البارودي غزله وفنه

062356_2008_05_13_11_13_41

 

1- تمهيد:

– ولد الشاعر وجيه البارودي في مدينة حماه 1906، وفيها تلقى تعليمه الأولي
ثم انتقل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت فقضى فيها فترة تحصيله العلمي وتخرج منها طبيبا ًسنة 1932, وفي الجامعة الأمريكية تعرف إلى شاعر فلسطين إبراهيم طوقان وكان له معه نظم مشترك وفيها لقي شاعر بغداد حافظ جميل وكان له معه نظم أيضاً،واكتملت الكوكبة بالمؤرخ الأديب عمر فروخ فكان رابعهم شاعرنا الطبيب وجيه البارودي.
– أصدر البارودي ثلاث مجموعات شعرية، الأولى: “بيني وبين الغواني”وتضم شعره من سنة 1925 إلى 1950، والثانية “كذا أنا” وتضم شعره من سنة 1950 إلى 1970. والثالثة بعنوان “سيد العشاق” وتضم شعره من سنة1970 حتى 1994. وهناك مخطوط بعنوان ” حصاد التسعين” كما
يذكر الشاعر وليد قنباز حيث يحتفظ بهذا المخطوط في مكتبته.لقد أتاه الشعر وهو في العشرين من العمر حيث قال عن بدايته(1)
“أما الشعر فقد أتاني في العشرين فقلته صحيحاً دون فرزمة ولم أخلط بين الأبحر الشعرية لأني وطنت نفسي على القراءة الشعرية والمثابرة على دراسة القرآن الكريم المنهل الأول للعربية وبلاغتها ومازلت إلى يومنا هذا هاوياً للشعر ،لا أكلف بكتابته ولا أكتب إلا خلجات نفسي وروحي”.
لقد حمل البارودي رسالة سامية من خلال ما قدمه من شعر وفائدة طبية في علاج المرضى خلال حياته وقد قال الشاعر وجيه :
– أتيت إلى الدنيا طبيباً وشاعراً أداوي بطبي الجسم والروح بالشعر
-أروح على المحموم أشفي أوامه بأجمع ما أوتيت من قــوة الفكــــــر
– وبعد عودته من الجامعة الأمريكية،وجد حماه ما زالت محافظة على عادات لا تقدم ولا تؤخر”كالطربوش”، فهو أول من خلع الطربوش ومشي بالكــــــم
القصير لذلك اعتبره أهلها وهم أهله – كما يقول- مارقاً وزنديقا ًوكافراً فقال لهم:
– فما أنا زنديق ولا أنا كافـر ولا أنــا سفاح ولا أنــا ســارق
-أهيم بأخلاق النبي وصحبه فصبح بلا تلك المصابيح غاسق
– وكان موقفهم المذكور بسب تغزله الصريح وموقفه من مناصرة المرأة وحريتها وقال بذلك(2):
– عابوا على حواء فتنتها التي افتتن الإله بصنعها وتأنقـــــــــا
– حواء أنت عجيبة الدنيا لكم عانيت في التاريخ حكماً أخرقـــا!
– لك كل ما للمرء من حق وفوق الحق أعطيك المجال المطلقا
– فتبرجي وتألقي حسناً فكم بالكبت عانيت المذلة والشقـــــــــا
2-غزله :
أعلن الشاعر وجيه البارودي منذ بدايته الشعرية أنه شاعر العشق، ولا يقول إلا الغزل فهو لم يهج أحداً ولم يمدح أحداً ويرى في درب العشق مناخاً إبداعياً. ويرى الشاعر وليد قنباز(3)أن بعض المتزمتين يهزأ ون من حبه الذي رافقه حتى اللحظات الأخيرة من عمره،في حين أرى أنه سر من أسرار تفوقه وتميزه وهو الذي قال:”حياتي بغير الحب تمضي رتيبة، ملخصها أني أموت على مهلي” وطلب من المسنين أن ينفضوا عنهم غبار التزمت ويقبلوا على اللهو وأن لا يستمعوا إلى نصائح الأطباء وما ذاك إلا لأن الحب يعيد للمرء العجوز شبابه الضائع بالإضافة إلى أن الحب شيء لا يأتيه العيب من خلفه ولا أمامه. وقد أورد بعض الأبيات للشاعر وجيه البارودي في ذلك.
– وفي كل المجموعات الشعرية يرى الشاعر نفسه ملكاً وسيداً للعشاق, والمحبّون في نظره أغرار وأطفال، كان يقول:
– ونزار يهوى لا حدود لحبــــه ملك له كل الملاح جواري
– لا يعرف العشق الذي أنا غارق في لجَه، فنجا من الأخطار
– العشق غير الحب موهبة لهـــا رهبانها والحب للأغــــرار
– ووجدنا في شعره القصائد الغزلية وهو في التسعين من عمره، وقد اشتعل بصبا بات الهوى والعشق وقال:
– أنا المراهق للتسعين يشهد لي شعري ويندر في التاريخ أمثالي
ويبيَن الشاعر وليد قنباز ملامح طبه وشعره بقوله(4):
ومن الطبيعي أن طبه المتفوق إلى جانب عشقه المتميز، وشعره الندي الصادق سيعمل على تخليد ذكره في عقول الناس وقلوبهم وسيأتي- ولو بعد حين- من يعرف أصالة هذا الشاعر الكبير وعشق هذا العاشق الولهان،وطب هذا الطبيب الحاذق الذي ما زالت أحاديثه وأعاجيبه تملأ المدينة والمحافظة كلتيهما،ناهيك بأولئك الذين رأوه في أحاديثه في التلفاز وهو يلقي شعره ويجيب على أسئلة المحاورين”.
3– فنَه الشعري:
– يرى الشاعر وجيه البارودي أن أركان الشعر هي ثلاثة أعمدة(5):
1– الأصالة والموهبة –2– علوم اللغة العربية وشعرها –3– الثقافة العامة الحياتية فالشعراء العرب القدامى ملكوا هذه الأعمدة – كما يقول- لذلك أبدعوا وأحسنوا،ومن لا يملك هذه المبادئ يجب ألا يقول الشعر ولا يتعب الناس بسماعه.
وكان الدكتور الشاعر وجيه البارودي ينظر إلى حركة التجديد في الشعر نظرة موضوعية ويرى التجديد في المعاني شريطة الحفاظ على عمود الشعر العرب
وكان الشاعر وجيه يردَد قول الشاعر نزار قباني:
– يتهكمون على النبيذ معتقـــاً وهم على سطح النبيذ ذباب
الخمر تبقى إن تقادم عهدها خمراً وقد تتغير الأكـــواب
نفهم من قول الشاعر وجيه والشاهد الذي قدَمه أنَ التجديد في المعنى وكأنه يقول: أعطني شعراً خمراً وبأي وسيلة أو وعاء قدَم لي هذا الشعر، إذن الشكل أو الطريقة أو الأسلوب الذي قدَم به الشعر يطرأ عليه التغيُر.
– أما بالنسبة إلى رأي الأدباء في حماه في شعر الراحل الشاعر وجيه البارودي هي أراء متفقة على عبقريته الشعرية فالأستاذ عبد الرزاق الأصفر(6) يرى أنه من أعلام الطب والشعر, وفي قصيدة الشاعر محمد منذر لطفي”عزف حزين” فهو نجم القريض وأمير الشعر، وعند الشاعر محمد عدنان قيطاز فهو رائد التجديد وهو ساطع في فنه حيث يقول:
يا سيد العشاق فنك ساطع ما فيه لا زيف ولا تقليــــد
أبدعته وسموت في إبداعه إن المبين على البيان عتيد
ويرى الشاعر عبد المجيد عرفة أن شعره كالمجد الذي خلَف شمساً تبعث الأمل. وعند القاص نزار نجار فالشاعر وجيه البارودي في شعره هو منارة من الجرأة في مجتمع محكوم بالكبت والصمت. ويرى الشاعر عبد الوهاب الشيخ خليل أن شعره كالخمرة وكالغرام. وكذلك يرى الشاعر محمد حسن منجد أنه شاعر الغزل الذي غازل الدنيا. وهناك الشاعر حسان الصاري الذي رأى في رحيله المصاب الأليم وخسارة للشعر. ويرى الشاعر وليد حجار أن شعر وجيه مزج بين الحداثة والأصالة يقول:
– تسعون مرَت والقصائد لم تزل فيها الحداثة بالأصالة تزخر
– ويرى الشاعر وليد قنباز (7)” أنه صدح بالشعر منغما وموزوناَ وجامعاَ لكل سمات الشعر الأصيل فكراً وأسلوباَ ولغة وأخيلة…..
وكان الشاعر وجيه يهاجم الشعر الحديث( المنفلت على حد تعبيره) ويراه مؤامرة كبرى على اللغة العربية والتراث العربي”. ونجد صدى الإيمان والعلمانية في شعره وقد ملك الصدق والوفاء في قوله وفعله عبر حياته, وكان شاعراَ وهفاَ مطبوعاَ، عزف على قيثارة الحياة، فأعطى أرق القوافي وأعذب الألحان ، وبرز الحب والغزل جليلاَ في شعره.
هذه هي حياة الراحل الطبيب الشاعر وجيه البارودي الغنية بجناحين جناح الشعر وجناح الطب،لقد سما الشاعر في سماء الشعر الأصيل متمسكاَ بالتراث والأصالة عبر إيقاع كلاسيكي، وفي الحادي عشر من شباط عام 1996 رحل طبيب حماه وشاعرها عن تسعين عاماَ قضاها في خدمة الناس وإدخال الفرحةإلى جميع معارفه بطبه وشعره.
* سلوم درغام سلوم
– احالات:
(1)- (2)- حوار مع الشاعر – أجراه اسماعيل مروة-جريدة الثورة العدد/7872/
(3)-(4) – مقالة للأديب الشاعر وليد قنباز- الفـــــــــداء/18/2/2002
(5) – حوار مع الشاعر- المرجع السابق.
(6) – مقالة للأستاذ الصحفي سليم الشامي- الفـــــــداء /27/2/2002
(7) – مقالة للأديب الشاعر وليد قنباز- الفداء /25/6/2001

التعليقات: 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *