الأحد 20 كانون الثاني 2019 : صدر العدد السنوي 2019 ضمن سلسلة اصدارات موقع مجلة كفربو الثقافية , فأهلا وسهلا بكم في موقعكم لتصفح المواد الثقافية المميزة ..  * 

مؤثرات الزمان والمكان في أدب أسامة بن منقذ

142521_2012_10_16_11_04_53.image2

 

مقدمة :

تتنوع صورالزمان والمكان في أدب أسامة بن منقذ الكناني ، محملة بما يفوح من دلالات في طبيعة حياته المديدة الغنية بأحداثها . إن عمق علاقة أسامة بالأمكنة والأزمنة ترك في أدبه مؤثرات حاسمة ، فجاء شعره ونثره وثيقة تاريخية تحتل فيها صورة ذات الكاتب في تفاعلها مع محيطيها الزماني والمكاني مكانة بارزة . وقد جاء هذا التكوين المتميز في أدب أسامة نتيجة أساسية لعاملين رئيسين ، يتعلق أولهما بالأدوار الخطيرة التي حمل مهمة أدائها على منكبيه ، معمقاً صيغة اشتراكه في الحياة السياسية والاجتماعية للبيئات التي يتنقل فيها ، ويرتبط ثانيهما بفهم أسامة لرسالة أدبه ووظيفته فهماً يقرب المسافة بين الأدب والحياة ويجعل منه مرآة ضاجة بأحداثها العاصفة ومنعكساتها الكبيرة .

تفاعل أسامة مع الأمكنة والأزمنه تفاعلاً خصباً ثراً ، فترك في لوحاتها بصمات واضحة ، وغط في معين دواتها ريشة إبداعه الأدبي ، فجاء أنموذجاً موائماً للدراسة والبحث في القضايا الأدبية التي تثير أسئلتها المشروعة حول الهوية الثقافية في إطاريها الجغرافي والتاريخي ، ولعل السؤال التالي الذي يثيره د. شكري محمد عياد في كتابه :”المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربين” يعبر عما تقدم بشكل محدد مفيد في تناول الظاهرة الأدبية ، يقول : “لماذا وجدت هذه المذاهب في تلك المنطقة من العالم ، وهذه الحقبة من التاريخ … لماذا تتمايز صورة المذهب الواحد في أنحاء مختلفة من تلك المنطقة ذاتها؟” (1) .

إذا كانت الظاهرة الأدبية معنية بأمكنتها وأزمنها كما يوضح التساؤل السابق للدكتور عياد ، فإن أدب أسامة يقدم شهادات مناسبة في هذا المجال ، نظراً للأداء الرفيع الذي قدمه أسامة في الحياة والفن من جهة ، ولخطورة الأحداث والوقائع التي عاصرها في القرن السادس الهجري من جهة أخرى . ترتبط حياة أسامة بن منقذ بمجموعة من الأمكنة الجغرافية التي تركت في أدبه مؤثرات عميقة حملت الطوابع الثنائية لحركة الزمان بارتباطها بأحداث التاريخ من جهة ، وبالسيرة الذاتية للشخصية المعنية من جهة أخرى . ترسم هذه الرؤية المنسوجة من عناصر متداخلة لوحة شاملة تتميز بألونها سبع مراحل زمانية ومكانية ، تفاعل مع معطياتها العامة والخاصة أدب أسامة معبراً عن العلاقة الصحيحة التي تربط الأدب بالحياة :

1-المرحلة الأولى ، تمتد من ولادته في “شيزر” سنة 488هـ ، حتى رحيله الأول عنها سنة 522هـ . ومدتها 34سنة .

2-المرحلة الثانية ، وتمتد من رحيله الأول عن “شيزر” والتحاقه بعسكر عماد الدين زنكي في “الموصل” سنة 522هـ. حتى عودته إلى “شيزر” للمشاركة في الدفاع عنها أمام الفرنج سنة 532هـ. ومدتها 10سنوات .

3-المرحلة الثالثة ، وتمتد من رحيله الثاني عن شيزر سنة 532هـ ، إلى دمشق وتعاونه مع حاكمها معين الدين أُنُر ، حتى رحيله عن دمشق إلى القاهرة سنة 539هـ. ومدتها سبع سنوات .

4-المرحلة الرابعة ، وتمتد من رحيله الأول عن دمشق سنة 539هـ ، إلى القاهرة وتعاونه مع الخليفة الفاطمي الظافر بأمر الله ووزيره الملك العادل ابن السلار حتى رحيله عن القاهرة سنة 549هـ . ومدتها 10سنوات .

5-المرحلة الخامسة ، وتمتد من رحيله عن القاهرة إلى دمشق سنة 549هـ ، وتعاونه مع الملك العادل نور الدين زنكي حتى رحيله الثاني عن دمشق إلى حِصن “كيفا” في ديار بكر على الفرات سنة559هـ . ومدتها 10سنوات .

6-المرحلة السادسة وتمتد من اعتكافه في حِصن “كيفا” سنة 559هـ حتى عودته إلى دمشق بدعوة من الناصر صلاح الدين الأيوبي سنة 570هـ . ومدتها 11سنة .

7-المرحلة السابعة وتمتد من عودته الأخيرة إلى دمشق سنة 570هـ حتى وفاته فيها سنة 584هـ ومدتها 14سنة .

لا يعني التقسيم المذكور آنفاً أن حياة أسامة كانت رهينة أمكنتها في تلك الازمنة مشلولة الفعل غير قادرة على الانتقال والتحرك المرتبط بأنشطة شخصية أو سياسية واجتماعية مختلفة ، وهذا ما يفسر لنا وجود أسامة في هذا المكان أو ذاك في مراحل حياته عبر تفاعلها مع أطرها الجغرافيه المتنوعة ، ومن ذلك سفر أسامة إلى أرمينيا التي يصف طبيعتها وعادات أهلها في قصيدة من شعره (2) ، أو سفره إلى ملطية في بلاد الروم ، وله في ذلك قصيدة تعبر عن غربته فيها وتشوقه إلى أرض الشام (3) .

إن قيام أسامة برحلات شخصية وسفارات سياسية وعسكرية أضافت إلى أدبه طوابع مكانية وزمانية جديرة بالملاحظة .

قسم أسامة بن منقذ قصائده إلى مقطوعات مراعياً موضوعاتها وأغراضها الشعرية ، “فقد جمع أسامة ديوانه بنفسه ، ورتبه على حسب الأغراض الشعرية” (4) ، ووزع تلك المقطوعات في ديوانه الذي حُقّقَ ونشِرَ في عصرنا الحديث للمرة الأولى سنة 1953م في القاهرة ، وقد حافظ محققاه د. أحمد أحمد بدوي وحامد عبدالمجيد على تقسيم أسامة المذكور .

إن هذا التقسيم لا يحجب عن باصرة القارئ الجاد أهمية تزامن الاطلاع على مقاطع كل قصيدة ، على الرغم من توزعها في سياق أقسامها ، نظراً لما يوفره هذا التزامن من شعور المتلقي بوحدة النص من جهة ، وتفاعل دلالات الزمان والمكان في بنائه من جهة أخرى . غير أن مثل هذا الاطلاع الضروري على أجزاء كل قصيدة في بنائها الفني الواحد الذي يجمع أجزاءها ، لا يتعارض مع تقدير الوظائف الفنية لقراءتها مجزأة حسب موضوعاتها ، فثمة قراءتان ، لكل منهما أغراض وغايات مختلفة ، وقد كان أسامة رائداً في مجال تقسيم القصيدة الشعرية حسب تعدد موضوعاتها ، تعبر ريادته عن شعورٍ رهيفٍ بالتطلع إلى وحدة الموضوع في البناء الفني للنص الشعري العربي ، وقد نوه أدونيس في بحوثه النقدية بعمل أسامة هذا ، فقال : “إلى هذا كله ، نما الشعور بضرورة وحدة الموضوع في القصيدة . فحين جمع أسامة بن منقذ ديوانه ، جزء القصيدة الواحدة ذات الموضوعات المتعددة إلى أجزاء ، ووضع كل جزء في الباب الذي يناسبه . أي أنه خلق جواً للقصائد ذات اللون الواحد”(5) . يلاحظ من يتأمل عمل أسامة المشار إليه ، أنه كتب القصيدة ذات الموضوعات المتعددة ، ولكنه اجتهد في تطلعه إلى تقسيم كل قصيدة حسب موضوعاتها ، في مرحلة زمنية لاحقة مرتبطة بازدياد اطلاعه على الأدب والنقد ، واجتهاده في إنجاز بحوثه البلاغية والنقدية التي تضمنتها مؤلفاته التي أنجزها بعد تقدمه في العمر .  

لا بد من الإشارة إلى اختلاف الدارسين والمؤرخين حول تاريخ تنقلات أسامة التي تحتمل في مباحثهم فروقات زمنية تبدو مناقشتها في سياق هذا البحث غير ذات بال ، وهي غالباً تترافق بدلالات الظن والترجيح كما يتضح من الاطلاع على ماقدمه حسن عباس في هذا المجال ، فمن أقواله عن انتقال أسامة إلى حصن كيفا مثلاً ، قوله : “نرجح ان يكون قد توجه إلى حصن كيفا في سنه 558هـ” (6) ، ومع أن ترجيح الباحث حسن عباس غير بعيدٍ عما ذكره معاصره ابن عساكر (ت 571 هـ) في “التاريخ الكبير” عن لقائه مع أسامة في دمشق في هذه السنة بقوله : “اجتمعت به بدمشق وأنشدني قصائد من شعره سنه 558هـ” (7) ، فإن مناقشة تتوخى التدقيق في تحديد كل تاريخ يحدد تنقل أسامة تبدو جديرة بالاهتمام ، ولكنها لا تغير من دلالات الزمان والمكان في أدبه ما دام احتمال الخطأ والصواب فيها مرهون ببعض سنة أو سنتين أوثلاث في أبعد تقدير .

أولاً : المرحلة الأولى :

تركت هذه المرحلة في أدب أسامة بن منقذ مؤثرات حاسمة ، تقصر عن مجاراتها كل مؤثرات المراحل اللاحقة مجتمعة ، وتعود أبرز مرتكزات ذلك إلى باعثين أساسيين :

أ-طول مدة هذه المرحلة واشتمالها على فترتي الطفولة والشباب ، بما تغتنيان به من تلقٍ للعلم والثقافة ، ومشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية وتجلياتها الخطيرة في تلك الحقبة .

ب-خصوصية مثل هذه المرحلة في التكوين النفسي للإنسان عموماً وللأديب خصوصاً، فالأمكنة الأولى التي تدرج فيها خطاه ترسم في خزين الذاكرة محملة بالدلالات الراسخة لحركة الزمان وأفعاله ، وأدب أسامة يبدى احتفاء مناسباً بالتعبير عن الأمكنة المرتبطة بشيزر ومرحلة نشأته فيها ، وهذا الاحتفاء ينسجم مع عمل البنية النفسية للأديب في استعادته لمكونات طفولته ونشأته الأولى . يقدم الناقد الفرنسي المعاصر  غاستون باشلار في كتابه “جماليات المكان” بحثاً قيماً عن مثل هذه الاستعادة في الإبداع الأدبي ، يقول الأديب غالب هلسا مترجم الكتاب في تقديمه له : “البيت القديم ، بيت الطفولة ، هو مكان الألفة ، ومركز تكييف الخيال . وعندما نبتعد عنه نظل دائماً نستعيد ذكراه” (8) .

كانت سنوات طفولة أسامة ونشأته في شيزر غنية بأحداثها ، عززت صلته بأمكنتها وبزمان وجوده فيها ، ومن أبرز القضايا المتعلقة بتلك النشأة :

أ-حياة الطفولة وما تمنح الإنسان من طمأنينة في منازلها ، وقد أصبحت هذه الطمأنينة المفتقدة في حياة أسامة اللاحقة مصدراً لشجن متعلق بفقد المنزل والبيت الأليف ، كان يتسرب إلى شعر أسامة ونثره برموز قريبة الدلالة مثل : الدار والجيران وما شابه ، حتى إذا دهمت شيزر الزلازل المعروفة فيما بعد ، اتضحت مكانة منازل الطفولة في النفس ، وراح أسامة في تقديمه لكتابه “المنازل والديار” ، يصرح بأن تلك البيوت التي درج فيها طفلاً ، تبعث في نفسه بواعث الحزن على الفقد من جهة ، ودوافع تأليف الكتاب من جهة أخرى ، فيقول عن شيزر : ” أول أرض مس جلدي ترابها ، فما عرفت داري ، ولا دور والدي وإخوتي ، ولادور أعمامي وبني عمي وأسرتي ، فبهت متحيراً مستعيذاً بالله من عظيم بلائه” (9) .

ب-ذكريات الحب التي ابتدأت في الحي ، والتعلق بالحبيب القريب الذي يمنح استعادة صورة المنزل الأول القديم بعداً إيحائياً وانفعالياً إضافياً ، وعلى الرغم من اقتراب منزلي الحبيبين وتجاورهما ، فقد تقطعت حبال الحب دون تحقيق وصالهما ، وهذا ما ولد في أدب أسامة صورة “القريب البعيد” التي ستتردد في مواضع مختلفة من شعره ، في المراحل اللاحقة ، محملة بصدى معاناتها الأولى في هذه المرحلة كما رسمتها قصيدة لأسامة ، يقول فيها(10) :

“بنفسي قريب الدار والهجر دونه
 

 

وبعد التقالي غير بعد السباسب
 

أراه مكان النجم بعداً وبيننا

 

كما بين عين في التداني وحاجب”

 ويقول أسامة في هذا المجال ذاكراً الدار والجيرة في صورة أدبية تمنح المكان دفء علاقات الحب ، لتزيد من ألفته في نفس الشاعر الذي يستخدم لفظة الدار بحنان إنساني خاص ، فيقول (11) :

“تناءوا وما شطت بنا عنهم الدار

 

ومالت بهم عنا خطوب وأقدار
 

هم جيرتي والبعد بيني وبينهم

 

وأعجب شيء بعد من هو لي جار”

 ج-المشاركة المبكرة لأسامة في الفروسية ومقاومة غزوات الفرنجة ، فلهذه المشاركة المبكرة شأن بليغ في تثبيت أمكنة شيزر في وجدانه ، مادام قد عرف فيها تحقيقاً لنزعة الذات في إثبات وجوده الاجتماعي وتفوقه بين أقرانه ، وغالباً ما يشير أسامة إلى ذلك بشيء من الاعتداد والزهو . يقول في كتابه “لباب الآداب” : ” ما باشرته وحضرته وشهدته من الحروب والمصادمات والوقائع ، منذ كنت ابن خمس عشرة سنة”(12)

د-النماء المبكر لموهبته الأدبية عزز سعيه في تحصيل العلوم والمعارف وصقل تكوينه الثقافي ، وهذا ما أرهف إحاسه بالزمان والمكان ، وأجج جذوة صلاته بهما فعبر عما يختلج في صدره بأدب صادق جميل ، وقد وصف أسامة في بداية ديوانه هذه المرحلة ، فجعلها غرة العمر ، وربط فهمه للأدب بالمآثر والمناقب ، فقال : “فإني كلفت بنظم الشعر في غرة العمر ، أظنه من المآثر والمناقب” (13) .  

ثانياً : المرحلة الثانية :

فارق أسامة بن منقذ مرابع الطفولة ومغاني الشباب ، ورحل إلى الموصل ، فكان ذلك بداية فراقه المكان الأليف الذي احتضن نشأته وأحاطه بالرعاية والحنان . ولعل صلة شيزر بذكريات الطفولة مبعث صور فنية عميقة الدلالات في أدب أسامة سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن إقامته الجديدة في الموصل عجزت عن تعويضه شيئا مما افتقده من العلاقات الحميمة التي كانت عامرة بينه وبين ذويه ، فالموصل مكان جديد بالنسبة له، يلقي على منكبيه الغضتين مهمات عسكرية جسيمة ، يشاركه في أدائها مقاتلون يثير بعضهم ريبته ، ولا يجد في سلوك من حوله تجسيداً لقيمه وفضائله السامية . في هذا الجو كتب أسامة قصائد جميلة بعث فيها سلافاً رائقاً من ذكريات ماضيه وأمكتنها ، وهي سمة أولاها النقد الآدبي الحديث مكانة رفيعة في الفكر الأدبي الذي اهتم بالتأثير الكبير لمرحلة الطفولة والنشأة في المنجز الأدبي للأدباء . يقول غاستون باشلار : “المكانية في الأدب هي الصورة الفنية التي تذكرنا أو تبعث فينا ذكريات بيت الطفولة ، ومكانية الأدب العظيم تدور حول هذا المحور” (14) .

يذكر أسامة في شعره تأثير ابتعاده عن داره في نفسه ، هذه الدار المرتبطة بذكريات بيت الطفولة تستدعي في شعر أسامة ذكر الأقرباء والأصدقاء موحدة بين البشر والأمكنة بمزاج انفعالي يفيض جوى ، يقول أسامة في قصيدة أرسلها من الموصل إلى أبيه في شيزر : (15) 

“بهم تباريح أشواقي إليك وما

 

أجنُّ من زفرات بالجوى نطق

أماكفاهم نوى داري وبعدك عن

 

 

عيني وفرقة إخوان الصبا الصدق”

 

   إن حزن أسامة في البيت الأولى من المقتبس السابق ، يقوم على فراق يبعده عن مكانه الأليف الذي يعادله فنياً في البت الثاني بثلاثة من أبرز عناصره وهي :

أ-نوى الدار ، بما توحيه من احتضان طفولته وتكوين الملاذ والملجأ لنفسه القلقة في مكان إقامته الجديد في الموصل .

ب-بعد الوالد ، بما يمثله من تلبية حادبة على استيقاظ الطفولة الخبيئة في نفس الشاعر.

ج-فرقة إخوان الصبا ، وما يحملون من المشاعل التي تكشف في زوايا نفسه ذكريات خبيئة طربة بالبشر والتواريخ والأمكنة .

هذا الدمج بين المكان –الدار ، والبشر –الوالد وإخوان الصبا ، ذودلالات عميقة الغور في التكوين النفسي للشاعر ، وقد اهتم النقد الحديث بالدلالات المنبثقة عن العلاقة الأصيلة بين الأمكنة والبشر في كل صورة أدبية للمكان ، يعبر غاستون باشلار عن مثل تلك الدلالات بقوله : “إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لايمكن أن يبقى مكاناً لا مبالياً ، ذا أبعاد هندسية وحسب ، فهو مكان قد عاش فيه بشر” (16) .

تصبح المساحة التي ابتعدت بأسامة عنه مكانه الأليف مكاناً معادياً ، وإذا كان المكان القديم مصدر ولادة وخصب وحياة ، فالدروب التي سلخته عنه بيد جرداء (تشقىالركاب بها) يقول: (17) .

“كم دون ربعك مهمه متفاذف

 

تشقى الركاب به ، وبيد تملق

ملّ السُرى فيه الصحاب فعرسوا

 

 

والشوق يوضع بي إليك ويعنق”

 

تختار ريشة الشاعر من الواقع صوراً محددة تتقابل فيها الأمكنة تقابلاً يعبر عن دلالاتها في وجدانه ، ومن هنا تترادف كلمتا المهمه والبيد معبرتين عن مكانين معاديين ، يقابلان مكاناً أليفاً هو ربع الأحبة وذوي القربى ، يسرع الشاعر إليه بشوق وكأن الربع مكان محبوب عامر بالقيم الإنسانية ، وما يبتعد بالشاعر عنه مصدر عداء خال من أسباب الحياة عاجز عن توفير شروط الطمأنينة ، وبذلك يمكن ملاحظة نوعين من الأمكنة في القصائد التي كتبها أسامة في هذه المرحلة :

أ-أمكنة أليفة محبوبة ، تمثلها شيزر وربوعها العامرة بالألفة وذكريات الطفولة .

ب-أمكنة معادية تبعث الشعور بالبوار والشقاء ،تمثلها المسافات التي تبتعد به عن شيزر .

هذا الموقف الثنائي من المكان ، سيقود أسامة إلى العودة إلى شيزر والمشاركة في الدفاع الباسل عنها ضد الغزاة والأعداء ، محققاً الفكرة الإنسانية الخالدة التي تجعل الإنسان مستعداً للدفاع الماجد عن أمكنته الأليفة المحبوبة ، يقول غاستون باشلار في تمييز مثل هذا الأمكنة في الأدب : “القيمة الإنسانية لأنواع المكان الذي يمكننا الإمساك به ، والذي يمكن الدفاع عنه ضد القوى المعادية ، أي المكان الذي نحب” ( 18) .

ثالثاً : المرحلة الثالثة :

يصف الباحث حسن عباس انتقال أسامة إلى دمشق بقوله : “خرج أسامة من شيزر منفياً طريداً سنه 532هـ” (19) . وهذا الفهم لحالة أسامة في زمان ومكان محددين مفيد في دراسة سلوكه وحياته ، وتذوق دلالات المنفى في أدبه ، فإذا أضفنا إلى ذلك أن المكان الذي قادته إليه خطى النفي مضطرب بفتن سياسية وصراعات إجتماعية حادة ، تبدى لنا شيء من بواعث شعور أسامة بالانكسار والضياع اللذين تجليا في قصائده صوراً معبرة عن فقده الإحساس بأمان الانتماء ، بعد أن فقد شيزر وربوعها ، وانسلخ زمانها من يديه، فتركهما نهباً لرياح المجهول التي لم يجد أسامة في ساحاتها ملجأ يلوذ به أوجداراً يستند إليه ، ومن هنا يبرز إلحاحه على فكرة الانتساب والانتماء في شعره ، فيقول مخاطباً معين الدين أنر أحد حكام دمشق في تلك المرحلة (20) :

“فصار إلى مودتك انتسابي

 

 

على أني العظامي العصامي

 

ألم تعلم بأني لانتمائي

 

 

إليك رمى سوادي كل رامِ”

 

 إن أسامة الضائع والتائه في مفازات منفاه ينتقل بين دمشق وصلخد معانياً تخبط الحكام والمتنفذين ووقوعهم في أسر أهوائهم ونزاعاتهم الداخلية ، بينما الفرنجة تنتظم خيولهم متوعدة بالمزيد من التنكيل ، وفي هذا التنقل تزداد الهوة بين قدميه والمكان ، فتأتي لفظتا “اتنسابي واتنمائي” في البيتنين السابقين في سياق رد فعل نفسي وسم وجدانه في هذه المرحلة ، فهام يتشبث بحبال من أوهام ، نسج خيال أسامة من خيوطها لوحة رؤيته لمعين الدين أنر . ومن الملاحظ أن ذلك كله أثر في حجم نتاجه الأدبي ، فكان شحيحاً قليلاً ، حمل سمات هذه المرحلة وطوابعها .

رابعاً : المرحلة الرابعة :

كانت سنوات إقامة أسامة في مصر منعمة ، غمرته بالجاه والخيرات بدرجة لا عهد له بها من قبل ، يقول في كتابه “الاعتبار” : “أقمت بها مدة في إكرام واحترام وإنعام متواصل وإقطاع زاج” (21) . وتقدمت مكانته في الحياة السياسية والاجتماعية ، فبات من أقرب الناس إلى اصحاب النفوذ في الدولة والمجتمع ، وهاهو يعبر عن ذلك بقوله : “من كان في مصر يقدر ان يركب بسرج ذهب في ايام الحافظ ، غيري” (22) . لكن هذه الحال لم تدم طويلاً مع أسامة ، فسرعان ما اضطر لترك الحياة الهانئة في القاهرة لتنفيذ سفارة سياسية عسكرية ، عندما أوفد بعهد الخليفة الظافر – الذي جلس على كرسي الخلافة بعد وفاة أبيه الخليفة الحافظ – للقاء نور الدين زنكي في الشام والسعي لديه في توحيد المواجهة العسكرية للفرنجة على الجبهتين المصرية والشامية ، ويفصل أسامة ما عاناه في هذه السفاره متحدثاً في كتابه “الاعتبار” عن المعارك التي شارك في تنظيمها وقيادتها في هذه المرحلة ، وانعكست مؤثراتها في قصائده التي كتبها عن مقاومة الفرنجة بأسلوب يبدل بنبرة الانكسار والضياع التي سادت في أدبه في المرحلة السابقة ، شعوراً زاهياً بالفخر ، عامراً بالحماسة والثقة بالنفس .

انتهت إقامة أسامة في مصر بفتن واضطرابات سلبته ثروته الطائلة وأودت بحكم حلفائه، مبدلة بزمان هناءته السابقة ورغد عيشه العزيز ، زماناً جديداً مثقلاً بالهموم والمعاناة والمفاسد . يصف أسامة أحد أيام ذلك العهد الجديد بقوله : “كان ذلك اليوم من أشد الأيام التي مرت بي لما جرى فيه من البغي القبيح الذي ينكره الله تعإلى وجميع الخلق”(23) .

إن هذا اليوم القبيح لم يأت مفاجئاً ، فقد سبقته أحداثُ كثيرة أثرت في نظرة أسامة إلى مكان إقامته في مصر ، فعبر في شعره عن غربته عنه ، وشعوره بالعداء إزاءه ، وهو يقابله بالمكان القديم الأليف الأثير لديه ، في ثنائية تسم أسلوبه في عرض الأمكنة التي رادها في حياته ضمن نوعين : أليف ومعاد ، فتحضر مرابع طفولته في شيزر على ضفاف نهر العاصي رمزاً للمكان الأليف الذي يحن إليه وهو يعاني صروف الدهر في الأمكنة التي يتنقل بينها من بلد إلى بلد ، يقول في شعره (24) :

“يا مصر ما درت في وهمي ولا خلدي

 

ولا أجالتك خلواتي بأفكاري

ما أنت أول أرض مس تربتها

 

 

جسمي ، ولا فيك أوطاني وأوطاري”

 

تعبر المقابلة بين مصر وأول أرض مس تربتها جسم الشاعر ، أي بلدته شيزر الأثيرة لدى قلبه ، عن تلك الثنائية التي يمكن تتبعها في شعره ونثره وهو يصف الأمكنة التي تنقل بين ربوعها في حياته ، فإذا هي في نهاية المطاف موزعة بين مكانين :

أ-مكان معاد يسبب الأذى ويبعث القلق .

ب-مكان أليف عامر بالمودة والطمأنينة .

إن حديث أسامة عن أول أرض مس تربتها جسمه ، يتكرر في غير نص من نصوص أدبه الشعري والنثري ، معبراً عن تعلقه بمرابع طفولته في شيزر التي دهمتها الزلازل وخربتها عام 552هـ بعد ثلاث سنوات من مغادرته مصر ، وقد كتب في مقدمة كتابه “المنازل والديار” الذي عبر فيه عن معاناته لما أصابها :”دعاني إلى جمع هذا الكتاب ، مانال بلادي وأوطاني من الخراب ، فإن الزمان جر عليها ذيله .. هي أول أرض مس جلدي ترابها” (25) .

خامساً : المرحلة الخامسة :

عاد أسامة إلى دمشق بعد عقد زمني حافل بالأحداث الممنطقة بمغامرات سياسية خطيرة، انتهت إلى تهشيم أحلام أسامة ، بعد أن أكسبتها النجاحات العسكرية والسياسية أمجاداً مادية ومعنوية رفعت مكانته الاجتماعية ، وكادت تنسيه جرح انسلاخه القديم عن مغاني طفولته وشبابه في شيزر . وها هو من جديد مكبل يرزح تحت نير النكبات ، فقد ترك مصر غارقة بالفتن ، وتعرض في طريقه لعدوان فرنجي أٌسِرَ فيه أخوه ، ثم نكبت السفينة التي حملت أسرته وخزائن كتبه ، فنهبها الفرنجة قرب سواحل عكا ناكثين بوعد كانوا قد قطعوه لحمايتها . إنه صفر اليدين إلا من أحزان تولد في نفسه حنيناً مبهما إلى زمان نشأته الأولى في شيزر ، حتى إذا ضربتها الزلازل بعد ثلاث سنوات من مغادرته القاهرة وصل ذلك الحنين إلى ذرى تعاند حركة الزمن مرجعة عرباته إلى عهود قديمة، ما تزال كؤوسها ترن في مخيلة أسامة ووجدانه ، فينسج في إحدى قصائده لوحة فريدة لغلبة حنينه على الزمان ، يقول(26) :

“حمائم الأيك هيجتن أشجانا

 

 

فليبك أصدقنا بثاً وأشجانا

كم ذا الحنين على مَرّ السنين ؟ أما

 

 

أفادكن قديم العهد نسيانا”

 

    كانت حال أسامة قبل الزلازل -التي ضربت شيزر سنة 552هـ- تئن بالشكوى والمرارة ، لاضطراب زمانه عند خروجه من مصر ، كما يعبر في قصائده ، ومنها قصيدة كتبها في حلب ، يقول فيها(27 ) :

“ولا تسأليني عن زماني فإنني

 

أٌنزه عن شكوى الخطوب لساني

ولكن ، سلي عني الزمان فإنه

 

 

يحدث عن صبري على الحدثان”

 

كانت غربة أسامة في الزمان قد بلغت شأواً عميق الغور في نفسه ، فلما جاءه خبر الزلازل ، وما فعلته في شيزر ، استيقظ حنينه إلى أمكنتها ، وراح يكتب القصائد ، علّ الشعر يصالح بصوره ولوحاته بين أسامة ومعاندة الزمان والمكان لنفسه التائقة إلى الطمأنينة ، ولكنه في لجوئه إلى القصيدة كان كالمستجير من الرمضاء بالنار . ولم تفلح في مؤزارته وهو على هذه الحال ، سوى مشاركته في العمل السياسي والعسكري من جديد بمستوى رفيع ، عزز قربه من نور الدين زنكي (ت 569هـ) ، وجعل مثقفي عصره ومؤرخيه يدونون اسمه في صفحات موسومة بالعز والبطولة ، ومن ذلك مايورده معاصره عز الدين بن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ” فيقول: “ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمئة .. في هذه السنة جمع نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام العساكر بحلب وسار إلى قلعة حارم ، وهي للفرنج غربي حلب فحصرها وجد في قتالها .. وممن كان معه في هذه الغزوة مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن منقذ الكناني وكان من الشجاعة في الغاية” (28) .

سادساً : المرحلة السادسة :

تقدمت السن بأسامة في خلال إقامته في حصن “كيفا” في ديار بكر ، وبدأ وهن الشيخوخة يدب في أوصاله ، وأصابت سهامه من نفسه مقتلين عزيزين أثيرين لديه ، طالما تغنى بهما مفتخراً متطاولاً ، وهما : فروسيته وأدبه ، فراح يكني عن الفروسية الغائبة بما تركته بين يديه من إمكانات جسدية معطلة عن تجديد أمجادها الغابرة ، وقد عبر عن عجزه عن الكتابة التي يرود ميادينها بأنامل مرتعشة ، فقال في ذلك (29) .

“مع الثمانين عاث الدهر في جلدي

 

 

وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي

 

إذا كتبت فخطي جد مضطرب

 

 

كخط مرتعش الكفين مرتعد

 

فاعجب لضعف يدي عن حملها قلماً

 

 

من بعد حطم القنا في لبة الأسد”

 

 أصبح أسامة في عزلته في حصن كيفا بعيداً عن المشاركة الحية في المعارك والأحداث السياسية التي يسلو بمجرياتها بعض ما يكابده مغطياً بأردية أحداثها حنينه المستمر إلى مكان أليف يمنحه الطمأنينة . هاهو وحيد بعد رحلته الطويلة مع الحياة ، مخذول في مسعاه إلى مكان وزمان منشودين ، إنه يعوض عن خذلانه بصحبة القرطاس والقلم راجعاً على جناحي مودتهما إلى مرابع طفولته في شيزر . وما إعداده لكتابه الشهير “المنازل والديار” سوى شكل من أشكال تلك العودة الحميمة المأمولة اللائبة على مكان مفقود ، إنه يبكي مع الباكين على مكان وزمان ضائعين ، وهما محنته الأساسية التي رافقت رحلة عطائه في حياته الطويلة .   

سابعاً : المرحلة السابعة :

ازدادت معاناة أسامة مع وهن الشيخوخة في مرحلة إقامته الأخيرة في دمشق ، وانعكست مؤثراتها في طريقة إبداع أدبه الذي بات يمليه على كتبته إملاءً ، ومن أبرز هذه المؤثرات في فن صناعة الكتابة لديه في هذه المرحلة المتأخرة من حياته ظهور بعض الأخطاء اللغوية والأسلوبية ذات سمات محددة ، هي دون مستوى أديب أريب مثل أسامة ، وقد فطن دارسو أدبه إلى هذا الإشكال في نسخ كتبه المؤلفة في هذه الحقبة فكتب الدكتور يعقوب صروف في مجلة المقتطف القاهرية سنة 1908م مقالات تناولت كتاب أسامة “لباب الآداب” المؤلف سنة 579هـ . ومما جاء فيها : “في الكتاب علامات تدل على أن الناسخ قرأه للمؤلف فأصلح فيه قليلاً ، لكن المؤلف لم يقرأه بنفسه ، إما لضعف بصره في شيخوخته ، أو لسبب آخر ، لأن الكاتب يخطئ أحياناً خطأً صرفياً لا يدركه من يسمع ولا يقرأ ، ولو رآه المؤلف لأصلحه حتماً” (30) .

أصبحت حياة أسامة في هذه المرحلة مكابدة مضنية مع وهن الشيخوخة وأمراضها ، فراحت قصائده تئن بزفرات التوجع ، مبدلة بالحديث القديم عن مرح الشباب وزهوه ، حديثاً عن موت قريب ومنية منتظرة . يقول في شعره : (31) .

“إذا تقوس ظهر المرء من كبر

 

 

فعاد كالقوس يمشي والعصا الوتر

 

فالموت أروح آتٍ يستريح به

 

 

والعيش فيه له التعذيب والضرر”

 

 بعد أن طالت سنوات العمر بأسامة ، بدا له الموت مكاناً بديلاً ينشده بعد خذلانه في توفير مكان يسكن فيه مطمئناً ، وبذلك تكون هذه المرحلة  قد أضافت إلى معاناته السابقة مكابدة الإنسان مع الشيخوخة التي تراها الدكتورة فاطمة محجوب في كتابها
 ” قضية الزمن في الشعر العربي” مصدر حديث ذي شجون في حياة الإنسان ، تقول: “التحدث عما يصيب الجسم  من ضعف ووهن ، ومن أمراض وعلل يأتي الكبر بها ، كلها أمور يخوض الناس فيها في احاديثهم اليومية ” (32) .

تأثر أسامة بمعاناته المرة مع تقدمه في السن ، فقادته إلى تسطير وعيه بالزمان معبراً عن تأثيره الحاسم في تقلبات الحياة وصورها ، فقال :” وكنت أظن الزمان لا يبلى جديده ، ولا يهي شديده ، وأني إذا عدت إلى الشام وجدت بها أيامي كعهدي ، ما غيرها الزمان بعدي ، فلما عدت كذبتني وعود المطامع ، وكان ذلك الظن كالسراب اللامع” (33) . كما أكد أسامة فكرة وعيه بالزمان وتأثيره في كيانه وحياته ، في العديد من قصائده ، بمثل قوله(34) :

“انظر إلى صرف دهري كيف عودني

 

 

بعد المشيب سوى عاداتي الأول

 

وفي تغاير صرف الدهر معتبر

 

 

وأي حال على الأيام لم تحل”

 

إن التأمل في الزمان وتأثيره في تغير حال الإنسان مع الكبر والتقدم في السن ، هو الموضوع الأساس لشعر أسامة في هذه المرحلة والمرحلة التي سبقتها ، فالشكوى من الوهن والضعف وعدم  القدرة على حمل السلاح كسابق عهده ، قضية يعرضها بصوره الأدبية المختلفة ، غير أن تلك الشكوى لم تنل من عزمه على التأليف الأدبي والنقدي ، فاستمر يؤلف الكتب ، حتى إذا خانته يداه في الكتابة ، استعان بمن يملي عليه من خزين علمه ومعرفته وأدبه .

خاتمة :

          يوضح البحث في النتاج الأدبي لأسامة بن منقذ عبر مراحل حياته المختلفة ، أن تفاعل تلك المراحل مع عناصر الزمان والمكان ، كان مصدراً أساسياً من المصادر المؤثرة في طوابع أدبه وتجليات ظواهره ، فهذا التنقل من مكان إلى مكان وما يرافقه من تبدلات للصروف الزمان التي تعكس ظلالها على الصعيدين الشخصي والاجتماعي ، من العوامل التي أثرت في اختيار أسامة لموضوعه الأدبي ، ولصوره التعبيرية عن ذلك الموضوع ، وقد عبر في أدبه عن تلك العوامل بصراحة ووضوح ، بمثل قوله في كتابه “المنازل والديار” : “تنقلت بنا الدنيا تنقل الظلال ، وتقلب بنا الدهر من حال إلى حال ” (35). 

غلبت على المراحل المختلفة التي مرت بها حياة أسامة ، سمات مشتركة وسمت صلاته الوثيقة بالزمان والمكان ، لعل الشعور بالغربة في كل منهما يلون السمات المذكورة بلونه الخاص ، وقد بدأ هذا اللون يعمق خطوط وشمه في ذراعي أسامة منذ صدامه مع عمه الأمير سلطان في شيزر ، وخيبته في الحب التي رافقت ذلك الصدام ، أو كانت نتيجة من نتائجه كما يرى بعض الدارسين (36) . وعبثاً حاول أسامة أن يشق امواج الحياة العاتية بذراعيه العنيدتين كاتباً وفارساً وسياسياً لامعاً ، لكنه كان يعود في كل مرة محملاً بخيبات وانكسارات تعمق وشم الغربة في ذراعيه ، وتعزز في نفسه الميل إلى العزل والتأمل الذي وصل في مرحلة الأخيرة حداً من اليأس والإحباط جعله يفضل الموت على الحياة ، متسربلاً برؤية سوداء تحتضن حنيناً دافئاً إلى مرابع شيزر التي عرف فيها أسامة ذات يوم مكاناً أليفاً عامراً بالحب والمودة ، عبثاً حاول أسامة أن يستبدل به مكاناً جديداً . ومن المرجح أن فشل مثل هذه المحاولات يفسر معلماً أساسياً من معالم صلات أسامة بالزمان والمكان ، يعبر عنه بقوله : ” إلى الله عز وجل ، أشكو ما لقيت من زماني ، وانفرادي عن أهلي وإخواني ، وإغترابي عن أهلي وأوطاني ” (37) . إن ما لقيه هذا الأديب الفارس من زمانه واغترابه عن أوطانه ، تجلى تعبيراً أدبياً شاكياً متمرداً حزيناً ، يغلب ألوانه على لوحاته الأدبية : شعرا ونثراً ، في مراحل حياته المختلفة . 

     

التعليقات: 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *