السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

اللغة العربية والثقافة الرقمية

5555

 

إذا كانت الثقافة تعني لغوياً، التعلّم والتهذّب والتثقيف فإن الرقمية تحيلنا على العالم الإلكتروني بوصفه ثورة علمية في العصر الحديث لذلك يلتبس مصطلح « الثقافة الرقمية « على كثير من الباحثين إذ قد يُفهم بوصفه علاقة مباشرة بين الثقافة بوصفها مكوّناً معرفياً والرقمية بوصفها تقنية، بحيث تكون المحصّلة أشكالاً ثقافية رقمية هذا من جهة، ومن جهة أخرى يعكس هذا المصطلح ما أوجدته الثورة الرقمية (المعلوماتية / الأنترنيت) من أنماط ثقافية وسلوكيات جديدة / وافدة.

لكن الثابت لمجموعة من المفكرين أن الثقافة الرقمية هي الثقافة الوافدة على مجتمعاتنا في العصر الحديث العصر المعلوماتي الذي رافقته ثورتان تكنولوجيتان هما: ثورة الاتصالات، وثورة المعلومات (الأجهزة الإلكترونية ).‏

مصطلح الثقافة الرقمية إذن، يعني الإشارة إلى معطيات ثقافية ناجمة عن استخدام التكنولوجيا الإلكترونية الجديدة وما نتج عنها من هوّة فاصلة بين الدول المتقدمة، والدول النامية في الوصول إلى مصادر المعلومات والمعرفة والقدرة على استثمارها، ولقد أطلق على هذه الهوّة اسم ( الفجوة الثقافية )، أو ( الفجوة الرقمية)، كما يرى الدكتور « نبيل علي « وهنا نتوقف عند سؤال مفاده: مَنْ هو المثقف رقمياً؟ هل هو الشخص القادر على استخدام أجهزة الكومبيوتر، والخدمات الإلكترونية لمواكبة حياة المجتمعات الحديثة والمشاركة فيها بثقة ؟‏

يرى بعض المشتغلين في هذا المجال أن جوهر الثقافة الرقمية يكمن في تمكين أفراد المجتمع من استخدام التطبيقات الرقمية الحقيقية، لما لها من أهمية في إنجاز أعمالهم الوظيفية والشخصية ( حسين راشد: الثقافة الرقمية والانتماءات الإلكترونية )، في حين يرى « حبيب سروري « أستاذ علوم الحاسوب في فرنسا أن استخدام العرب للبريد الإلكتروني وتصفح مواقع وصحف في الأنترنيت وتنزيل المواد الإلكترونية من مقالات وأغانٍ، ليس انتماءً للعصر الإلكتروني أو الثقافة الرقمية (حبيب سروري: اللغة العربية في الزمن الرقمي)، وهي رؤية تفتح السياق على عنوان الورقة المقدمة هنا: اللغة العربية والثقافة الرقمية لنتساءل عن موقع لغتنا في الثقافة الرقمية ؟‏

إن المتأمل في لغتنا في العصر الرقمي يجد أن اللغة العربية تعاني من إشكاليات، منها:‏

1 ـ اللغة العربية لغة من دون بناء تحتي معرفي:

قام الغرب والشرق الأقصى برقمنة البناء التحتي للمعارف والحياة العلمية من نصوص علمية وتقنية وثقافية متنوعة، فأسّسوا بوابات أنترنيت بلغاتهم للبناء التحتي المعرفي، إضافة إلى وجود مكوّنات جديدة للبناء التحتي للمعارف الرقمية، مكوّنات لم توجد قبل ظهور الأنترنيت، لأن عصر المعلومات راكم ثقافة جديدة مغايرة أنتجت مفردات لغوية جديدة ومصطلحات جديدة، دخلت على معاجم اللغة وقواميسها (الموسوعات يتمّ تطويرها يومياً بشكل تفاعلي، تعاضدي، كوني، مما جعل الموسوعات الورقية شديدة الفقر والتخلف ). وتتفاقم هذه الإشكالية عندما نعلم أن هذه الموسوعات تخلو من الترجمة إلى اللغة العربية، والكارثة الأكبر أنه في أغلب الأحيان لا يوجد مرادف عربي لهذه المفردة أو لذلك المصطلح.‏

باختصار شديد: تمتلك اللغات ( ماعدا اللغة العربية ) قاعدة تحتية، معرفية، رقمية، متعددة الوسائط في مجالاتها العلمية والتقنية والثقافية لذلك ظهر خوف من تدني وجود اللغة العربية على الأنترنيت إذ لا يزيد حضورها على 1 %، بالمقارنة مع تقدّم اللغات الأخرى، ويعدّ هذا الرقم تهديداً لهذه اللغة التي لم تُعَدّ الآن، من اللغات العالمية العشر الأكثر انتشاراً على الشبكة العنكبوتية . ويثبت ذلك التقرير السنوي لمنظمة اليونسكو الذي أفاد ( أن اللغة الإنكليزية، واليابانية، والألمانية، والصينية والفرنسية، والإسبانية والروسية، والإيطالية والكورية …، هي أكثر اللغات انتشاراً وفاعلية على الأنترنيت، بينما لم يزد وجود اللغة العربية على نسبة 1% في المئة من جملة المادة المحرّرة المنشورة على الشبكة ).‏

2 ـ اللغة العربية لغة تعاني من الفقر بالترجمة:‏

من المعروف أن حملة الترجمة في العصر العباسي ترجمة الكتب الأجنبية (إغريقية، سريانية، فارسية، سنسكريتية، حبشية …) في مجالات عدة: الفلسفة والمنطق والطب، والفلك والرياضيات والأدب، أغنت العربية بروافد فكرية، وكلمات، ومصطلحات كثيرة لتصبح بذلك لغة الحضارة الكونية في ذلك الوقت، أما اليوم فلغتنا تعاني من الفقر بالترجمة فقراً حدّ من الروافد الفكرية والمصطلحات العلمية التي تغنيها .‏

3 ـ اللغة العربية لغة بلا مدوّنة:‏

مدوّنة أية لغة هي مجموعة هائلة من عيّنات النصوص المكتوبة أو المنطوقة الآتية من قطاع متنوّع وعريض ومحايد، ومن مصادر متنوعة (كتب، ومجلات، وصحف، ونقاشات، ومواقع على الأنترنيت ) تعطي صورة دقيقة عن اللغة في أشكالها المختلفة واستعمالاتها اليومية والعلمية والأدبية في فترة زمنية محدّدة، وتسمّى هذه المدوّنات، أحياناً، « بنوك اللغة «.‏

ثمّة بوابات على الأنترنيت تسمح بالوصول إلى قواعدها البيانية الضخمة والبحث المحدّد فيها أو معالجتها أوتوماتيكياً بشكل إجمالي، وهي بوابات أسهمت في تأسيس القواميس والمعاجم المتخصّصة في المجالات اللغوية والعلمية والتقنية إنها المختبر الذي تؤسس عليه الدراسات اللغوية لبنية اللغة وظواهرها، ودلالات كلماتها (معاجم تاريخ الكلمات، وأصولها، وعلاقتها باللغات الأخرى ) إنها المعاجم الإيتومولوجية وهي معاجم لا توجد في لغتنا العربية، مع أنها من أوائل اللغات التي أسّست المعاجم اللغوية منذ « الخليل بن أحمد الفراهيدي « وربما « الأصمعي « .‏

4 ـ اللغة العربية لغة بلا « متعرّف ضوئي للأحرف «:‏

المتعرّف الضوئي للأحرف أو القارئ الضوئي الآلي، برنامج قاعدي ضروري تمتلكه كلّ لغة، يسمح بتحويل النص المصوّر بكاميرا أو ماسح ضوئي (سكانر) إلى نص رقمي يمكن فتحه بناشر إلكتروني مثل « وورد «، وأرشفته بوصفه ملفاً على الكومبيوتر .‏

يشكّل عدم تصميم برمجية قارئ ضوئي آلي لأحرف اللغة العربية حتى الآن، عائقاً كبيراً، يمنع من دخولها عصر الرقمنة لأنه الوحيد الذي يسمح بتحويل صور صفحات الكتب إلى نصوص رقمية تؤسس مكتبات رقمية، تسهم في انتشار الثقافة العربية انتشاراً يفتح باب الحوار بيننا وبين الآخر .‏

5 ـ اللغة العربية لغة بلا تقنيات تصحيح ومحركات بحث ملائمة أي أنها بلا مصحّح لغوي على الشبكة العنكبوتية وهنا نتوقف عند معضلة اللغة لغة الأنترنيت بوصفها الكلام المكتوب، وكلّ ما لدينا لوحة مفاتيح تقتصر على حروف ألفبائية، وأرقام وبعض الرموز الأخرى .‏

6 ـ إن البنود الخمسة السابقة الذكر توصلنا إلى نتيجة مفادها أن لغتنا العربية لغة لم تدخل عصر الرقمنة بعد أي أنها لم تدخل في الثقافة الرقمية .

وبعد، فإن « الفجوة الرقمية « دفعت العرب إلى ضرورة التوقف والبحث في جوهر هذه القضية، فوجدوا أنه يمكننا أن نتفاعل مع الثقافة الرقمية ونردم الفجوة بين الواقعي والافتراضي، بحيث لا يستمران بوصفهما عالمين منفصلين بما يأتي:‏

ـ تنمية كوادر فنية بالكومبيوتر، وإقامة تكتل عربي معلوماتي .‏

ـ إكمال البناء التحتي للغة العربية على الأنترنيت:( مكتبة الإسكندرية التي تحوي ست مكتبات متخصّصة، ومشروع دولة الإمارات العربية، واتحاد كتاب الأنترنيت العرب ومقرّه عمّان ) .‏

ولا بد من أن نشيد بدور « الإسكوا « من خلال مبادرة المحتوى الرقمي العربي، التي بدأت منذ عام 2003 في الوطن العربي، ومن خلال إطلاق مشروع « تعزيز صناعة المحتوى الرقمي العربي من خلال الحاضنات التكنولوجية « الذي أطلق عام 2007، إضافة إلى جهود « مجموعة اللغة العربية الرقمية في مجال الذكاء الاصطناعي « بإشراف د. محمد زايد بالمغرب، إذ تتبنّى هذه المجموعة البحث في إنشاء المعجم الموحّد للتقنيات الحديثة باللغة العربية.‏

ـ بناء بوابات رقمية عربية: علمية، وتقنية، وأدبية.‏

ـ صناعة عربية للمحتوى لا صناعة محتوى رقمي عربي، أي أن يكون المحتوى عربياً وأجنبياً وباللغتين العربية والأجنبية، وهذا يعني الاستعانة بالمحتوى الأجنبي ومخاطبة غير العربي بالمحتوى الجديد ويشمل هذا البند العمل على أدوات تصميم البرامج وصفحات الويب وأدوات النشر الإلكتروني وآلات البحث، مع الوسائل الرقمية لأنساق الرموز المختلفة من نصوص وصور وأشكال …‏

ـ الاهتمام بالترجمة.‏

ـ الانطلاق من مفهوم الاتصال إلى مفهوم التواصل.‏

إن العمل على تحقيق البنود السابقة سيسهم في تقليص « الفجوة الرقمية « بين الإنتاج البحثي والعلمي باللغة العربية، والإنتاج البحثي والعلمي باللغات الأجنبية، محققاً وجوداً حقيقياً للغة العربية على الشبكة العنكبوتية التي لا تبقى ناقلاً، بل تصبح بنية تحتية في الكتابة باللغة العربية، وبذلك نحافظ على لغتنا بوصفها مقوّماً مهمّاً من مقوّمات الانتماء والهوية، وكلّ هذا يعني أن القصور فينا لا في لغتنا.‏

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *