الأحد 20 كانون الثاني 2019 : صدر العدد السنوي 2019 ضمن سلسلة اصدارات موقع مجلة كفربو الثقافية , فأهلا وسهلا بكم في موقعكم لتصفح المواد الثقافية المميزة ..  * 

قبل أن تسافر!

s_jpg_54

 

 

 

أشار استطلاع نشرت نتائجه صحيفة “ديلي اكسبريس” الى أن ارتفاع تكاليف المعيشة و سن التقاعد المتأخر و قلة الاجازات جعلت المملكة المتحدة أسوأ من حيث المعيشة من دول أوربية أخرى مثل بولندا و ألمانيا و ايرلندا و السويد. و تم خلال اجراء الاستطلاع قياس عدد من العوامل أهمها مقدار الدخل السنوي و تكلفة السلع الضرورية بالتوازي مع عوامل أخرى تتعلق بنمط الحياة مثل ساعات التعرض للشمس و معدل الحياة للأفراد و مدة الاجازات الممنوحة للعاملين. و على الرغم من أن متوسط الدخل الصافي للفرد في المملكة المتحدة يعد من أعلى النسب في أوربا فان تكاليف المعيشة اليومية هي أكبر بكثير من المتوسط في الدول الأوربية الأخرى. وكشف الاستطلاع أن 5% فقط من الافراد يعيشون سعداء في المملكة المتحدة في حين عبر 12% ممن شملهم الاستطلاع عن رغبتهم بالهجرة إلى خارج بريطانيا. وحين سئل المشاركون في الاستطلاع عن أسوأ ما في بريطانيا أجاب 59% منهم أن الأسوأ هو تفكك المجتمع، في حين اعتبر 41% منهم غلاء تكاليف المعيشة هو الأسوأ فيما القى 47% من المستطللعين اللوم على انتشار الجريمة وتزايد العنف أيضا….
لاحظت و عرفت أثناء تصفحي لبعض الأبحاث المنشورة على موقع منظمة العمل الدولية كيف أن الأزمة الاقتصادية أثرت بشكل كارثي و لا تزال تؤثر في ارتفاع معدلات البطالة في أوربا و أمريكا خصوصا و بقية دول العالم عموما هذا بالاضافة للمستوى العالي للضريبة على الدخل التي تتربع عشر دول أوربية على رأس القائمة بمعدلات ضريبة تتراوح ما بين 48% الى 58.95% حسب استطلاع عام 2010.
يشير تقرير نشره المركز الألماني للاعلام الى أنه بلغ الدخل الشهري “للأسرة” 2981 يورو, و ذلك في في عام 2010 لعينة شملت ربع الأسر في ألمانيا, و لم يكن من المتيسر ماليا أمام ربع الأسر القيام برحلة اجازة. عائلة من بين كل أربع عائلات في ألمانيا دخلهم الشهري يكفيهم بالكاد. و من بين كل ستة أفراد في ألمانيا في عام 2009 كان فردا واحدا على الأقل يتهدده الفقر. و في عام 2009 وحده تم تحريك اجراءات الافلاس بحق قرابة 101,000 من المستهلكين (لاحظو أن هذه الاحصائيات تتعلق بالمواطنين و ليس المهاجرين….!؟!؟!؟)
قرأت في أحد المجلات الالكترونية تصريحات لشقيقة كريستيانو رونادلو تقول “عندما كنا صغاراً، كان يوجد مخبز بجانب بيتنا، وفي نهاية النهار كنا نقف أنا ورونالدو أمام المحل على أمل أن يعطونا قطعة مجاناً، كنا نجوع لأيام كثيرة ولم نكن نأكل اللحمة إلا نهار الأحد، ونادراً ما كنا نأكل الدجاج .. لكنها أكدت أنها كانت سعيدة في بيتها لأنه كان يحوي الكثير من الحب.
هذه المعلومات التي هي غيض من فيض أحببت ذكرها قبل الخوض في موضوعي المختصر جدا و الذي أهدف من خلاله أن أعالج فكرة خاطئة أخرى و ان كان خطؤها نسبي الى حد بعيد و لأسباب لا مجال لذكرها الآن ألا و هي الاقبال (الأعمى) و (الغير مدروس) على الاغتراب نتيجة الظروف الراهنة أو بدافع الغيرة العمياء أو نتيجة معطيات تاريخية لا أساس لها من الصحة تفيد أن الانسان و بمجرد اغترابه فان الدنيا ستفتح له مصراعيها و ستغدق عليه فرص العمل ذات المردود الذي سيجعل منه غنيا في أشهر معدودة, ساهم في دعم هذه الفكرة و للأسف قلة مصداقية الكثير من المغتربين الذين كل همهم هو اعطاء الانطباع بأنهم يعيشون كالملوك في دنيا اغترابهم “و ان كان البعض صادقا أو ليس لديه هذا الهاجس” و كأن تلك الدول كانت تحلم بهم و تنتظر قدومهم و مواهبهم المتميزة التي لا نظير لها عند مواطنيها و هنا أرجو التركيز على أنني لم أقصد كل المغتربين و انما نسبة لا بأس بها منهم.
ليست الغاية من الموضوع أن أعبر عن رفض أو قبول الاغتراب و انما أود ومن منطلق غيرتي و محبتي أن أسلط الضوء على مجموعة من النقاط أو الأسئلة أو الحسابات المنطقية التي يجب على كل انسان أن يصل الى أجوبة مقنعة وواقعية (واقعية) لها قبل أن يقرر البقاء أو الاغتراب في ظل عالم متغير و في ظل ما شابه من استطلاعات و معلومات ذكرتها في بداية المقال هي غيض من فيض كما ذكرت, هذه النقاط ألخصها بما يلي:
. في البداية و قبل كل شيء عليك أن تعمل على تقييم وضعك المادي و المعنوي و الاجتماعي الراهن, فمن الطبيعي لانسان تقطعت به السبل لايجاد عمل أو دخل يضمن له حياة كريمة أن يفكر بالاغتراب, كما أنه من الطبيعي لانسان غير مرغوب أو منبوذ في مجتمعه عن حق أو عن غير حق أن يفكر بالرحيل, كما أنه من الطبيعي لانسان لا يلقى المحفزات المادية أو المعنوية التي يستحقها أن يفكر في السفر الى حياة جديدة.
. ان كنت من محبي العلاقات الاجتماعية فعليك أن تعي تماما أنك و بمجرد الاغتراب “خاصة الى الدول الغربية” فعليك التخلي عن العلاقات الاجتماعية التي ستعرف قيمتها جيدا بعد اغترابك ” و خاصة أننا قوم لا نتعلم الا من كيسنا” و هل بامكانك التخلي عن هكذا روابط, و ان الأمر سيتعدى ذلك الى أشياء نعرفها جميعا ستضطر الى التخلي عنها أيضا أو العيش على الهامش.
. على كل شخص راغب في الرحيل أن يعرف جيدا الى أين هو ذاهب و ماذا سيعمل و كم هو الدخل الذي سيحصل عليه و هنا أود الاشارة الى أنه و على سبيل المثال فان مبلغ 1000 يورو يبدو للوهلة الأولى مبلغا ضخما اذ أنه يعادل الكثير بالنسبة لليرة و لكن عندما ترجع الى ما ذكرته من أمثلة تجده لا يكفي و بالكاد شخصا واحدا في بلدان كألمانيا أو بريطانيا, اذا لا تنظر الى الدخل فقط بل الى مستوى الأسعار و الايجارات و متطلبات الحياة و ما الى ذلك.
. ان كنت ممن يرغبون في التحصيل العلمي في الخارج عليك أن تعرف جيداً ما مستوى الجامعة التي ستذهب اليها اذ أن الجامعات مثلها مثل الشركات هناك منها الكبير و المحترم و الذي بتصفح بسيط على مواقعها على شبكة الانترنت ستجد أن أقساط التعلم فيها هي مبالغ خيالية و شروط القبول فيها ليست بالسهلة, و منها المتوسط و الصغير الذي يقبل الصالح و الطالح من متقدمين و بأقساط ليست بالقليلة أيضا. و هنا عليك أن تعرف أن سوق العمل ليس بغافل عن هذا و كله بثمنه و العرض و الطلب هو المعيار (اذا استثنينا المحسوبية). اضافة الى أنه و طيلة فترة تعلمك لن تستطيع أن توفر شيئا من عملك الذي سيكون في محطة للوقود أو محلات التجزئة أو المطاعم و ما الى ذلك هذا اذا لم ترد الاعتماد على أهلك في معيشتك وأقساطك التي ستكون عبئا (ماديا) ثقيلا عليهم بكل تأكيد. و هنا أود أن أنوه الى أن العلم موجود أينما ذهبت في الوطن أو خارجه و لكن الابداع و التميز يعتمد على الشخص بحد ذاته بالدرجة الأولى و مدى وعيه و اجتهاده و عزمه لتأتي في الدرجة الثانية المنشآت التعليمية التي يدرس فيها (هذه الفكرة لا يكرسها الا الواقع العملي و الانخراط في سوق العمل و التعامل مع خريجي الجامعات المختلفة عبر العالم).
. لا تهمل الأمور المعنوية بحجة الأمور المادية فعلى سبيل المثال –المدعوم بوقائع- هناك فكرة رائجة الى حد ما و سمعتها شخصيا من كثير ممن يفكرون بالاغتراب تتلخص في القول ” زبال بالغربة و لا مدير بالوطن” من منطلق أن الدخل المادي الذي يحصله عامل النظافة في بلاد الاغتراب أكبر من الدخل الذي يحصل عليه المدير في الوطن… طبعا و منطقيا فان هذه الفكرة خاطئة و ما هي الا فكرة مراهقين لا أكثر و تنم عن قلة ادراك لأهمية الجانب المعنوي و قلة وعي بمدرسة الحياة من الصعب ايصالها من دون عامل الزمن الا للأذكياء الذين لديهم المقدرة على الانطلاق من حيث انتهى الغير و الاتعاظ من التجارب السابقة لذوي المصداقية .
. ان كنت من الساعين للأفضل فعليك دائما الحفاظ على “خط الرجعة” بالحفاظ على صلاحية ما أنت عليه و ما حققته في وطنك و عدم التخلي عنه بداعي أنك لن تحتاجه بعد الآن فتثبيت أقدامك في وطنك يعتبر الأساس الصلب الذي ستبني حياتك عليه فالعالم يا صديقي أصبح صغيراً و أصبحت الكثير من الدول المستقبلة للمغتربين تتعامل معهم ماديا و معنويا على أساس دراسة دقيقة للوضع الذين قدموا منه و على الجميع التركيز والتعامل مع هذه الفكرة بجدية وأن يحفظ خط الرجعة في كل شيء.
. أما اذا كنت من المتذمرين و المعترضين على كل شيء في مجتمنا من عادات و تقاليد و أعراف و قوانين و أخلاقيات و أساليب عيش والرفض لأجل الرفض و التذمر الدائم هما سماتك الدائمة, وبمعنى آخر تعتقد جازما أنك خلقت في المكان الخطأ !!!! و أن أمثالك ممن اغتربوا هم الذين ضحكت لهم الدنيا, فلا تتردد بالرحيل فورا فالحياة و الزمن هما الوحيدان القادران على تغييرك و لكن آمل أن لا يطول هذا التغيير.
. ظاهرة جديدة نسمع بها و نلامسها و هي على ما يبدو في نمو تراكمي و تصاعدي (بحكم الغيرة الغير مدروسة و الهواجس الخاطئة) ألا و هي هجرة الفتاة لوحدها الى الخارج للدراسة أو للعمل و التي هي فكرة لم يكن أحد يسمح لنفسه أن يفكر بها منذ أمد ليس بالبعيد, وهنا تبرز الحكمة و الصراحة مع النفس و تحييد المشاعر بشكل مطلق و الالتزام بما يمليه العقل في دراسة كل حالة على حدى فما يجوز لأحد الفتيات لا يجوز لغيرها في هكذا أحوال فكلنا يعرف أن هناك من الفتياة القادرات على الحفاظ على كيانهن أينما وجدوا و أينما اتجهوا و العكس صحيح و هنا يكمن الدور الحقيقي للأهل الذين يعرفون ما لديهم (أرجو ذلك) و هم الأقدر على القرار في هذا الأمر الذي و من وجهة نظري المتواضعة “غير مرغوب به ” و خاصة اذا كانت الوجهة الى بلاد تنتفي فيها مفاهيم الشرف و التي هي الارث الأعظم و الشيء الوحيد الذي يمكن لنا أن نفاخر فيه أمام التفوق الغربي في كل شيء .
ه لكل انسان يحزم حقائبه و ملخص القول هو النصيحة بعدم التسرع و القيام بدراسة مفصلة و استشارة ذوي المصداقية و الخبرة في الحياة و المطلعين على معطيات الأمور بالتفصيل قبل اتخاذ القرار بالغربة اذ أنه قرار مفصلي و منفتح على الفشل و على النجاح و بنفس الاحتمالية فالدنيا و كما يعلمنا الآباء والأجداد صعبة و يزيدها صعوبة بناء الآمال من دخان و الاعتقاد أن الأشياء قد تأتي بسهولة في أي بقعة من بقاع العالم دون استثناء و خاصة أننا في زمن الأزمات الاقتصادية التي تجتاح العالم و خاصة الدول التي طالما حلمنا بالهجرة اليها…
في النهاية أقول أن الوطن يبقى الحضن الحنون الذي لن ترتاح بغيره أينما ذهبت و أخص بالذكر وطننا الحبيب الذي فيه من الجمال و الخيرات و الفصول و العادات و التقاليد الجميلة -التي هي حصيلة آلاف السنين و عشرات الحضارات- ما تسرح فيه العيون و تصفو به الأذهان و تطرب له الروح و تسكن اليه النفوس, وان اضطرتك الأيام و الظروف للرحيل فحذار أن تقطع حبال الوصال و حذار الرحيل دون عودة فالانسان من دون وطن هو روح ضالة و نفس شقية.

http://www.kairo.diplo.de/Vertretung/kairo/ar/2012/seite__statistik.html

motabea000@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *