السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

حوار مع الروائية هالة البدري

1000923_10202922727326148_1165379266_n

عالم الأشياء البسيطة هو المنطقة الساحرة في معظم كتابات الكاتبة المصرية هالة البدري، وعلى الرغم من ان هذه المنطقة تبدو مراوغة ـ أحيانا ـ على السطح، إلا أنها تظل مشحونة في الأعماق بدلالات ورؤى متنوعة، تحتفي بالانسان في كينونته واسطورته التلقائية، وسعيه الدائب الى الحرية في ماضيه وحاضره ومستقبله.. عن رحلتها مع الكتابة، هذا حوار معها:

* بالرغم من وقوفك نقديا ضد ما يسمى بكتابة الجسد، الا ان بعض النقاد اعتبروا روايتك الأخيرة «امرأة ما» كتابة جسد، فما رأيك؟
ـ هناك خلط، أنا ضد الكتابة التي تستخدم وبلا ضرورة الجسد كمدخل للكتابة، وعموما أنا ضد أي كتابة تستخدم أي شيء بلا ضرورة سواء كان هذا الشيء «كتابة جسد» أو كتابة سياسة أو شعرية، انا ضد أي شيء لا ضرورة له. وفي روايتي «امرأة ما» لم أكتب بهدف الجسد، حتى وأنا معتقدة أن معرفة الجسد ضرورة. مثل بقية الأشياء لكن بشرط أن يكون هناك احتياج فني لهذا في سياق النص. وكنت من خلال الرواية أحاول أن أناقش اشكالية ازدواجية المثقف في العلاقة بين ما يؤمن به حقيقة ولا يستطيع اعلانه، وبين ما يمارسه فعلا ويستطيع اعلانه ولا يؤمن به، وذلك من خلال قصة حب بين رجل وامرأة يحاولان ان يقتربا من بعضهما، ولذلك فسر البعض العلاقة بينهما على انها كتابة جسد، مع انها بعيدة عن ذلك، ولقد نوهت الى ان الروح متصلة بالجسد في الرواية.

* تحدثت عن أزمة «وليمة لأعشاب البحر» وما ترتب عليها في سياق روايتك «امرأة ما»، ألا ترين ان هذا الحديث جاء تقريريا؟
ـ أزمة الوليمة حدثت اثناء كتابة الرواية، وأنا أكتب في صفحتها الأخيرة في المسودة النهائية، لأني أكتب الرواية في ثلاث أو أربع سنين، وكنت مشغولة بسؤال بطل الرواية، هل يخضع ويكتب رواياته بالصيغة المطلوب منه الكتابة بها، أم يكتب ما يريده، ما يشعر به، ما يحسه، ما يود التعبير به عن مكنونات نفسه بغض النظر عن امكانية نشر هذه الرواية من عدمه، فبطل الرواية كان في رحلة بحث عن اجابة لهذا السؤال الجوهري، وحين حدثت أزمة الوليمة وجدتها مرتبطة بشكل كبير بما يفكر فيه ويشغله وهو أن الكتابة حريته بالفعل.

* هل يعني هذا أنك تخضعين للمؤثرات الخارجية اثناء كتابتك اعمالك، بمعنى هل لو حدث حادث طارئ تدخلينه في سياق النص؟
ـ بالتأكيد. لأن المبدع لا ينفصل عن مجتمعه، ولا عن المؤثرات الخارجية التي تحيط به، لأنه كائن يعيش في محيط يؤثر ويتأثر ويستخدم الذين حوله، فما المانع اذا اعطيت الدلالات التي أريد توصيلها من خلال اشارة الى حدث كهذا، أنا أسأل نفسي، وهذه الأحداث تعطيني الاجابات التي أريد أن اعرفها، وأن أقدمها الى القارئ.

* اعتبر البعض روايتك «امرأة ما» رواية نفسية، تستند الى التحليل النفسي أكثر من استنادها الى سرد وقائع وأحداث فما رأيك؟
ـ اعتقد ان الرواية خليط بين اشياء كثيرة، بحيث يصعب القول ان هذه رواية نفسية، وهذه رواية دراما، وهذه رواية الغربة، وأنا قد أكون استند الى التحليل النفسي في هذه الرواية، لأن هناك بالفعل في الرواية شخصيات تتأمل نفسها في محاولة للوصول الى إجابات يطرحها النص، لكن هذا التحليل النفسي هو أحد روافد الرواية وليس كل روافدها، لذا يمكن القول ان الرواية تستند الى أشياء أخرى كثيرة غير التحليل النفسي.

* ناقشت أيضا من خلال الرواية ازدواجية المثقف، الى أي مدى ترين أن هذه الازدواجية موجودة في الواقع الثقافي المصري؟
ـ هي موجودة بكثرة، وقليل من المثقفين تمكنوا من الافلات من هذا الصراع، بين ما يجب ان نعلن عنه، وبين ما يجب ان نخفيه. هناك حالة من التواطؤ السري يجعل العلاقة بين الحالتين رمادية، وكلنا فينا هذا الداء، وأنا قد أكون تواطأت في مرحلة ما على السكوت وأعتقد ان ازدواجية المثقف هي أكبر داء يواجه الثقافة بوجه عام.

* لو انتقلنا الى بداياتك، قدم لك يوسف ادريس روايتك الأولى «السباحة في قاع قمقم»، وقال ان هالة البدري صعدت الى المسرح لتبقى بطلة. ماذا كان يمثل لك هذا في ذلك الحين؟
ـ قبل صدور روايتي «السباحة في قاع قمقم» كنت قد أصدرت ثلاثة كتب في موضوعات عامة منها كتاب عن تجربة الفلاحين المصريين في تملك أراضي عراقية في العراق في قرية الخالصة، وكنت مراسلة وقتها لمجلة «روز اليوسف» في العراق ولم أكن قد أصدرت كتبا أدبية، وكنت خائفة أصلا من الاقدام على تجربة اصدار أول عمل ابداعي لي، ولم أكن أتصور ان تصدر رواية لي، ولكن حدث أن أخذ أحد أصدقائي روايتي الأولى «السباحة في قاع قمقم» وقدمها الى دار الغد ليقرأها الشاعر كمال عبد الحليم الذي أعجبته وسارع بالاتصال بالروائي الراحل يوسف ادريس ليقرأها، الذي أعجبته وكتب لها المقدمة، وكانت مفاجأة بالنسبة لي لأني لم أكن أتصور اصلا ان ينشر عمل لي، فما بالك أن ينشر هذا العمل وبمقدمة لروائي كبير أحبه جدا، وأحب اعماله المتميزة، وهو يوسف ادريس الذي لم أكن أتصور ان يقدم لي أول عمل اكتبه، وأعتقد ان أي كاتب في بداية حياته يحتاج الى دفعة كهذه، من كاتب كبير.

* بالرغم من احتفاء يوسف ادريس بهذه الرواية وتقديمه لها، الا ان هذه الرواية لم تلق نجاحا نقديا، إلام يعود هذا في اعتقادك؟
ـ في الحقيقة كتب عنها بعض النقاد، لكن الذي حدث انه لم يكن أحد يعرفني من النقاد، في ذلك الحين، بالاضافة الى اني لم أرسل الرواية اليهم، ولم ينشر أي أخبار عنها، وأعتقد ان الكاتب في بداية حياته يحتاج الى معرفة النقاد به، وان يتابع رواياته بنشر أخبار عنها في الصحف والدوريات، وأدركت هذا في العمل الثالث لي، وعموما ستصدر الرواية مرة أخرى قريبا في طبعة ثانية، وآمل أن تلقى الاهتمام النقدي الذي لم تحظ به في طبعتها الأولى.

* ألاحظ اهتمامك بالتشكيل اللغوي في النص خاصة في مجموعتك القصصية «رقصة الشمس والغيم» عبر استخدام ادوات البلاغة من مجاز، وصور شعرية، وخلافه. أريد أن أسأل عن أهمية اللغة بالنسبة لك كروائية؟
ـ الأدب عموما يتعامل مع أرفع مستويات اللغة، وأنا اتعامل مع اللغة من هذا المنطلق، وقد يعود استخدامي لمفردات شعرية الى أني بدأت بكتابة الشعر، ولكن أحاول ألا أثقل في كتابة الرواية من هذه الصور، حتى لا تختل لأن اهتمام الرواية الأول بالسرد، وحتى لا تصبح كتابة في الفراغ لكن هذا لا ينكر ان اهتمامي الاساسي في كتابتي باللغة، وأحب اللغة لذاتها ولا أتركها، مع ذلك تسيطر على المواقف لأن الكتابة الدرامية تستلزم الدقة بجوار الشعرية، والرواية تضم كل الأنواع.

* في رأيك هل يمكن أن تعتبر روايتاك «منتهى» و«ليس الآن» كتابة تاريخية؟
ـ نوعا ما. فهذه الكتابة تستند الى التاريخ، بمعنى انها تنظر الى حقبة معينة مع مناقشة العوامل المؤثرة على البشر في هذه الحقبة، والبعض اعتبر الرواية رواية اجتماعية، والبعض اعتبرها رواية واقعية سحرية، وأنا لا توجد عندي أية مشكلة في تصنيف النقاد لكتاباتي، وربما هم صنفوها على انها رواية تاريخية لأن ابطالها عاشوا في فترة أثرت فيها الظروف التاريخية والسياسية على مجرى حياتهم، فكان هذا واضحا في مسارات حياتهم.

* تناولت في «منتهى» فترة الخمسينيات والستينيات، هذه الفترة التي قتلت كتابها، ماذا أضفت اليها؟
ـ ربما لا استطيع ان أحدد بالضبط ماذا أضفت لها، فهذه مهمة النقاد ولكن ما يمكنني قوله، انني كتبت الرواية، لأحاول ان أفهم ما الذي حدث في الريف المصري، وما هي التطورات التي حدثت وحول حياة الانسان وتوجهاته الى الاتجاه المضاد، أردت ان أفهم ما الذي حدث عبر نصف قرن من الصراع العربي الاسرائيلي من وجهة نظر ضابط جيش يحضر حربا طويلة تنتهي كما لا يشتهي، واعتقد أنني عبرت عن هذا الصراع الذي دار بداخلي في محاولة الفهم على صفحات الرواية.

* هل يعني هذا انك اخترت فترة الستينيات للكتابة، قبل تكون الفكرة المحورية للرواية؟
ـ أنا أعمل وفقا لمشاريع عامة، بمعنى أني بدأت مشروعا لمحاولة الفهم ما الذي حدث لنا كمصريين، وكيف وصلنا الى هذه الحالة، ومحاولة للاجابة عن الاسئلة التي تفجرت داخلي في نفس الوقت، أكتب لأحاول ان أفهم مع القارئ اسئلة تنمو حولنا يوما بعد يوم وتحيط بطريقنا، بالاضافة الى أني أبدو مشغولة بالانسان المصري اثناء تطوره مع الزمن على مستوى الجماعة والفرد، وأنتقي الشخصيات بحيث تكون قريبة مني في قوتها.

* وهل يبرر اهتمامك بتاريخ الانسان المصري على مر العصور، انشغالك بالمهمشين في «ليس الآن»؟
ـ لست مشغولة بالمهمشين، لأنه لا يوجد انسان غير مهمش، نحن كمثقفين مثلا أصبحنا فئة مهمشة، وعموما أنا أهتم بأبطالي، بنموذجي في الكتابة بغض النظر عن الهدف في أن يكون هذا النموذج مهمشا، أو غير مهمش، انما احاول ان أفهم من خلال هذه النماذج الظروف السياسية التي مرت بالبلد، فالكتابة عندي كتابة ودراسة، في نفس الوقت أحاول أن أدرس الشخصيات الاجتماعية والتاريخية والسياسية حتى أصل لأحكام ترضيني، أنا أكتب لأني أحاول ان أفهم ما يدور حولي بغض النظر عن ان الشخصيات التي أطرحها مهمشة أو غير مهمشة.

* هل يسوؤك أن يصنفك النقاد على أنك «كاتبة ريف»، وما رأيك في تقسيم الأدب الى أدب ريف أو مدينة، أو ما أشبه؟
ـ لا يسوؤني هذا، مع أنني لست كاتبة ريف، ولا يزعجني اطلاقا، أن يصنفني النقاد على هذا الاساس، مع اني لم أكتب سوى روايتين فقط عن أجواء الريف، وبعض القصص، وفي تصوري ان هذا التقسيم كلام فارغ، ولا يعني شيئا، لأن لي مطلق الحرية في أن اختار المكان الذي أريده، والزمان الذي أحب الكتابه عنه، وابطالي كما أود وأنا كتبت عن الريف لأني أحب الريف، مع اني من مواليد القاهرة، لكن الريف ظل في ذهني صورة حميمية لجدي الذي كنت أذهب اليه في القرية، وربما كتبت عن الريف لأن الانسان بطبيعته يجب أن يعود الى الأصول لكي يفهم، والمدينة لا تعطي ما يعطيه الريف عن الشعبيين، ولأنني لم أختلط بالأحياء الشعبية في القاهرة، ولذلك عبرت في روايتي الأولى عن أبناء الطبقة الوسطى، ثم عدت الى محاولة فهم التحول الذي حدث في الريف كمحاولة لفهم ما يحدث حولي، لأن الريف متكاتف أكثر من المدينة بكل طبقاته.

* كتبت عن الريف في «منتهى» و«ليس الآن» من منظور فولكلوري، وسؤالي هل دراسة الفولكلور والعادات والتقاليد والطقوس، تكفي لكتابة رواية ناجحة عن الريف المصري؟
ـ لا طبعا، لكن بالضرورة القراءة عن الفلاح وعن ملامح تحوله مهمة، ودراسة حياته وموروثه الشعبي جزء مهم من فلسفته في الحياة. وحين قررت الكتابة أدركت أني لا بد أن أعرف ميراثه الفلسفي، ودوافعه للتعرف حتى أتمكن من الكتابة عنه، وهذا موجود في تقاليده وعاداته فتوصلت الى خلطة استخدمت فيها الواقعية السحرية التي كانت قبل رواية منتهى بعيدة جدا عن العالم العربي.

* وهل لهذا السبب سعيت الى أن تكون بعض الشخصيات اسطورية مثل «محمود» الذي أرضعته كل نساء القرية؟
ـ أنا كتبت من منطلق الاسطورة التي صنعها الفلاح المصري، والتي جعلته يعيش كل هذا القهر على مدار سنوات طويلة، وحافظ في نفس الوقت على عبق الحياة، كان لا بد أن أفهم من أين جاء حبه للحياة رغم الفقر والظلم الذي تعرض له. كان لا بد أن أقترب منه عبر اقترابي من اسطورته، وشخصية «محمود» لو تلفت حولك ستجد الملايين مثله دخلوا الحرب، وعاشوا حياتهم كلها لصد عدوان عن أرضهم، وشكلتهم الحياة. «محمود» ليس اسطوريا، بل هو موجود بكثرة، رغم كل محاولات اخفائه ومسح ذاكرته بالقوة، وأنا أحاول أن استعيد اسطورته بالكتابة عنه، ان اعيد ذاكرته باستخدام اسطورته، بالكتابة التي هي محاولة لبناء الذاكرة.

* صدر لها في الأدب:
ـ السباحة في قاع قمقم «رواية» دار الغد 1988.
ـ رقصة الشمس والغيم «قصص» دار الغد 1989.
ـ أجنحة الحصان «قصص» هيئة الكتاب 1993.
ـ منتهى «رواية» هيئة الكتاب 1995.
ـ ليس الآن «رواية» هيئة الكتاب 1995.
ـ امرأة ما «رواية» روايات الهلال 2002 (ترجمت الى الانجليزية ضمن مشروع ترجمة الأدب العربي بالجامعة الاميركية بالقاهرة).

* كتب أخرى:
ـ حكايات من الخالصة، مكتب روز اليوسف في بغداد 1976.
ـ المرأة العراقية، بغداد 1980

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *