السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

بركات عرجة…يرسم بقلبه عذاباتنا وحيرتنا وأحلامنا المكسورة

CIMG1133 [640x480]

تتبدى تجربة الفنان بركات عرجة في رسوخها منحازة نحو خصوصية الدفق اللوني وخصوبته متكئاً على عبثية الخط في مساره المحكم الانفلات وصرامته الفاعلة ورغبه واضحة في التحرر من كل تأثيرات دخيلة في سبيل الاقتراب أكثر من المحيط والمكان بجمالياته وإيقاعاته وهمومه وأيضاً الدنو من الذات والانكفاء الى جوانياتها بما تحمله من بوح وهواجس وتداعيات ورؤى ليأخذنا في نهاية المطاف إلى عوالم عجائبية مدهشة موحية تنضح بالأسئلة وتنبىء عن مدى قدرته اللونية والتجريبية الحوارية وتعاطفه وتلاصقه بالإنسان والبحث في جوانبه المصيرية وأبعاده الروحية وإذا كان للإنسان الحظوة الأساس في أعمال الفنان عرجة ومحورها فان للمكان فيها مقاماً لا يستهان به نتلمسه بشكل بارز في معظم أعماله فاعتماد الفنان على ذاكرته الأولى عن الأمكنة الأولى التي احتضنته وتعايشت معه عايشها في إلفة وتفاعل حميمي شكل لديه استعداداً وحافزاً لحمايتها والدفاع عنها وبالتالي استلهامه من مفرداتها وجمالياتها صياغات لونية معاصرة فيها روح المكان وظلاله المتبقية والكثير من الفضاء الأبيض النبيل الذي طليت به جدران الأمكنة وفاضت به رغبات الطفولة وانتشت لتشف فيما بعد ألوان وخطوط ومساحات تتموسق بالحركة والنغم والشعر وتعلن حالات من الوجد الآسر.

2

3
اللون يترك له العنان حراً على سطح اللوحة يسرح دون رقيب يلجم عبثه أويكبح فوضى تناسقه يتوضع في أحيان طبقات متتالية رقيقة شفافة تظهر بعضها البعض بتدرجاتها وغنائيتها. تبدو وشوشاته وحكاياه وسخطه وتعابيره وحيويته شلالات تتدفق بانسياب وارتياح آمن على مساحة القماش رغم الانفعال والتنوع الحركي وفي أشد تبدلات اللون هذه تبدو السكينة مخيمة فالتباين بين القاتم والكاشف في اللون لاينم عن صراع أو تنافر بينهما بقدر مايظهر تناغماً وانسجاماً وارتباطاً وثيقاً، وكذلك في علاقته مع العناصر والمفردات وتداخلاتها معه إذ نجد حوارية وعمقاً فكرياً ذا دلالات تذهب في سبر أغوار النفس البشرية والغوص في المرموز والمعنى. 4
مسيحُه وحيد دون تلاميذه هائماً على وجهه في أرجاء لوحته ( العشاء الأخير) التي هي بداية محاولة مغرية للخوض في غمار عالم الأيقونة مستفيداً من طقوسها وشخوصها وتأويلاتها المتعددة وفق الغير مألوف الذي ينتهجه الفنان في أسلوبه.5
إنسانه محاصر منفي ومهمش، ملامحه غائصة غائبة في ألوانه وقد طافت فوقها أما وجوهه فصامته متألمة لكنها تنبض وتتحفز ضمن أجواء من الصوفية والقداسة يزيد منها تلك الضبابية والتعتيق اللوني الجميل ولكن فيما لو اجتاحت الخطوط اللوحة وعبثت في فضائها الفسيح متقدمة على اللون يصير آنذاك إنسانه عنيفاً مشاكساً ومقاوماً وبمعنى آخر إنسانه اللوني في حالة توحد وتفاعل وتماهي مع الأمكنة والأشياء حتى يكاد يغيب فيها.
ربما يكون طغيان اللون في اللوحة والغوص في التجريد جعلنا نرى شخوص مستكينة مهمشة وأقل فعالية بينما إنسانه الخطير متمرداً محتجاً وأكثر تأثيراً.6

7
يبرز الخط كقيمة تشكيلية خالصة ويأخذ مساره الصحيح دون حياد مؤثراً ومتأثراً ليقدم لنا حلولاً وصياغات وعلاقات رمزية وبصرية ورمزية تعبيرية تحقق غاياتها أمام تنحي اللون قليلاً أو تقشفه. بركات عرجة يرسم بقلبه ويلون بروحه يرسم عذاباتنا وحيرتنا وأحلامنا المكسورة وسط أجواء لونية متفردة مشحونة بألم التمرد الخفي ليدعونا بصمته المشتعل بالتعبير الى التأمل أكثر في لوحته ومن حولنا وهذا التأمل يكسبنا تأنياً وهو مطلوب لفهم خصائص هذه اللوحة ومعانيها التي قد نحبها دون أن نفهمها أو نعلم لماذا؟
وربما مطلوب منا أن نلج أعماق ذواتنا لنراها ونفهمها أكثر. أغمضوا أعينكم دائما حين تهمون لرؤيتها واستعدوا للتحليق بجناحين من خيال وفكر إذ تبدؤون بقراءتها.

غيث العبداللهالسقيلبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *