السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

حوار ساخن مع الشاعر حسان عربش

 

150162_2014_05_24_05_40_52.image2

 

 

عربش: مدينة حماة يحبها قلبي وأنا لا سلطة لي على قلبي.
عربش: أعتبر قبيلة العذريين مجانين.
عربش: إننا في زمن يبيع ضميره فيه الأديب…

اليوم سيكون معنا شاعر وصفوه بشاعر الجمال ، شاعر أحب حماة فاختالت محبوبته عروساً كللها الياسمين والريحان بين حروف كلماته ، إنه عاشق حماة أمير مملكة البنفسج الشاعر حسان عربش.
ولد في مدينة حماة حي المرابط ونشأة في أسرة متوسطة الحال وحصل على دبلوم معهد صناعي من حلب 1979وتقدم إلى الجامعة بعد حصوله على الثانوية قسم التاريخ لكنه لم يعجبه فالتاريخ يكتبه السياسيون كما يريدون لذا انسحب من الجامعة.
كتب الشعر في المرحلة الإعدادية ونشر أول قصيدة عام1974.
لديه ثلاث مجموعات شعرية هي السمراء والعاصي عام 1998،اعتراف عام2001
عائلة الريحان عام2003.

• هذه المقدمة دفعتني لأبدأ لقائي بالسؤال التالي:
قلت : التاريخ يكتبه السياسيون كما يريدون ، الآن تدوي قصيدة اعتراف بقوة في فكري :
يبدو أنك لا تميل إلى السياسة ، ما السبب وراء ذلك ، هل هو خيبة أمل كبيرة بدت واضحة في قصيدتك؟
ليس جبناً إنه الواقع هناك شرطي يعيش في رؤوسنا وأنا لا أريد أن أغامر بحياتي ،أنا أحب بلدي وأنتمي لعشقها ،لذا لنتفق على حب البلد ودعينا من الفساد والفاسدين .في السياسة عبرت عن رأيي ففي قصيدتي نخوة الأقصى ذكرت بجلاء عما يدور في فلسطين وكذلك قصيدتي عن بغداد سيدة المدائن فانا أكتب عما يجري دون التوغل في التفاصيل كما أنني لا أحب المديح و شعر المناسبات.
أستاذ حسان جميعنا متفقون على حب الوطن وكل من يعمل لصالح هذا الوطن.

• الشعر .. ما هو تعريفك الخاص له و لرسالته ،وهل هذه الرسالة مقتصرة على قول: ((الفن لأجل الفن))؟
إنني أؤمن بالشعر هادياً ومبشراً ونذيراً،فالشعر الذي يأكل من بيت الطاعة ويشرب من بيت الطاعة سيموت في بيت الطاعة.في هذا العصر كل شيء يسير في الاتجاه الإجباري ماعدا الرقص فهو يسير في كل الاتجاهات .الشاعر وجدان الشعب يخطف القصيدة من أفواههم
يحسّ بآلامهم وأفراحهم ،وللشاعر دور في بناء الإحساس بالوطن والتصدي لكل ما هو عفن وسلبي ،والشعراء الذين استحبوا العمى على الهدى سيلفظهم التاريخ،وأعتقد أن الشعراء سيحكمون العالم في يوم من الأيام.
حين اقترفت كتابة الشعر منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً ظننت أني سأغير العالم بقصائدي
لكني وجدت أن الوسط الشعري موحل وأن سوق القصائد كاسدة.
الفن ليس لأجل الفن ،الشعر لون القهر والثورة،انه المبدأ والموقف ،الشعر تلك التهمة التي يتفاخر بها المتهمون وهم يتقدمون إلى ساحة حتفهم .

• قلت:)) حين اقترفت كتابة الشعر منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما ((
تتكلم عن كتابتك الشعر وكأنك اقترفت ذنباً تندم عليه ومع ذلك تعود وتقول:
((الشعر لون القهر والثورة،انه المبدأ والموقف ،الشعر تلك التهمة التي يتفاخر بها المتهمون وهم يتقدمون إلى ساحة حتفهم )).
اليوم .. هل تشعر بثقل الشعر على كاهلك أم هو الفخر؟أم أنك تحاول أن تمنح أدبك وشعرك طابعاً متميزاً؟
الشعر هم ّ ومسؤولية وأمانة،واقترفَ الشعر لا تعني أنه ارتكب معصيةً برغم التصاق الكلمة بالإثم .الشعر عصفور ينقر على شباك القلب بلا استئذان فهو لا يكن ّ احتراماً لأحد،وحين يعتريني لا أرى أو أسمع أحداً.هناك صوت واحد يخفق في ضلوعي إنه صوت القصيدة،إنه الشعر يجري في دمي ولا أدري فقد يكون الله قد أرسلني إليكم بالشعر والحب والحرية.
• تكتب القصيدة الجريئة.. كونك ابن المجتمع العربي المحافظ بشكل عام والحموي بشكل خاص فهل تعرضت بعض قصائدك الجريئة للمحاربة والرفض ؟
هناك كثير من القصائد أوجّعت رأسي وخصوصا قصائد الغزل.الغزل عندنا في حماة يجب أن يكون محتشما عذرياً وأنا أعتبر قبيلة العذريين (مجانين).الشاعر ليس واعظاً دينياً ويجب الفصل بين الفن والأخلاق،القصيدة هي ابنة الدهشة والانفعال والحب.
• بعض النقاد يجعلون من شكل القصيدة مقياساً تقاس عليه جودتها ، فالجاحظ يرى أن الأفكار موجودة على الطرقات ، والبعض الآخر يهتم بالمضمون من فكرة ومعنى حيث يرى ابن رشيق في كتاب العمدة أن ساكن بيت الشعر هو المعنى.ما هي رؤيتك حول هذا الموضوع؟
أحاول عند كتابة القصيدة أن ألبس الفكرة ثوباً جديداً وجميلاً من اللغة،أكتب للإبهار،فالمهم هو الإدهاش بعيداً عن الغرابة.المعاني ليست على الطرقات، مازال في اللغة جذوة بحاجة لمن يوقظها،المهم أن يلتزم الشاعر بأصول الشعر،وأنا لست مع الشعر العمودي فأغلب قصائدنا العمودية محنطة ،وأغلب القصائد الحديثة مفعمة بالفجاجة الفكرية.أنا مع الشعر،ففي عصر الكمبيوتر يطبقون القوانين التي تلاءم العصر ،وأنا أحب أن أطبق القوانين التي في رأسي
باحثاً عن الصورة التي لم يأت بها أحد.
• ما رأيك بدخول الرمز إلى الشعر،وما مكانه في شعرك،وهل ترى أن هناك علاقة تربط بين الرمز والمرأة والأسطورة؟
الرمز، هناك فرق كبير بينه وبين الإبهام فالرمز الموجود في الشعر العربي اليوم أغلبه نتيجة الانبهار بالنظريات الغربية وتطبيقها بشكل آلي على الشعر،علماً بأن للشعر العربي خصوصيته وهي لا توائم الشعر الأجنبي ،والنظريات التي درج عليها النقاد كالبنوية والتفكيكيه وغيرها هي أقرب إلى الموضة منها إلى الموضوعية،والشعر الحديث الغامض الغارق في رمزيته وقع في خطأ تطبيق النظرية الغربية لأنه لم يتعرف إلى جذورها الفلسفية،فالشعر الحديث المبهم فقد اجتماعية العلاقة والترابط مع القارئ فهو نص محدود الاستقبال،وأعتقد أن أغلب شعراء الحداثة نتج شعرهم عن خواء فكري ،أما عن وجود الرمز في شعري فأنا لا أضع ذلك في حسباني عند كتابة القصيدة لكني أحب توظيف الموروث الديني والتاريخي في الشعر ربما يكون ذلك ناجماً عن كوني ابن البيئة الحموية المحافظة.كما أنني أقرأ لشعراء الحداثة الكبار وأحب شعرهم،فالشعر شعر بأي ثوب أتى.
• قد نرمز للخير والحياة بالمطر،وبالمرأة للوطن،وبالطهر والنقاء للياسمين،وبرموز كثيرة وعديدة…الرمز بعيداً عن الإبهام وقريباً من الإبهار ،كتبت عن حماة عائلة الريحان وقلت:
وحماة عائلة من الريحان أم الياسمين/وكل ما قالوه عن أشواكها كذب
ولا أنسى أيضاً قصيدة حماة مملكة البنفسج وما تحمله هي من رمز لطيف يرسم صوراً تدهش المتلقي بجمالها الهادئ،أيضاً قصيدة أليس في بلاد العجائب فالعنوان لوحده يرمز للكثير وإن اعتبرنا قصة أليس نوعاً من الأسطورة ، فسنجد توليفاً للأسطورة في شعرك.
هنا أعود لسؤالي:
هل ترى أن هناك علاقة تربط بين الرمز والمرأة والأسطورة؟
أيضاً قلت أنك تحب توظيف الموروث الديني والتاريخي في الشعر،من خلال هذا التوظيف هل نستطيع القول أن هناك تناص مع الموروث الديني والتاريخي في شعرك ،هنا أحب أن أذكر المقطع التالي من قصيدة حماة مملكة البنفسج :
هـزَّت بجزع القلب فاســـاقطتُ شعرا بالأناقــةِ مفعـــما

من الصعب توصيف دقيق للرمز،فالحمامة ترمز إلى السلام والميزان إلى العدالة واللون الأسود إلى الحداد،فالرمز يوحي إلى فكرة ومعنى بعيد،وأنا لا أضع في حسباني عند كتابتي للقصيدة أن يكون فيها رمز أو لا يكون،هذا يعود إلى لا شعور الشاعر وما يختزنه من معلومات تنضج ساعة ولادة القصيدة،وأنا بطبعي لا أميل إلى الغموض، أحب النص الذي يعطي نفسه بعد مماطلة على أن لا يصل إلى درجة التعقيد والتعمية وإرهاق الذهن دون جدوى،وليس الرمز من أجل الرمز فحشر صور جمة في جملة واحدة متوارية عن الفهم هو مأزق الشعر الحديث.
ربما كانت قصيدتي أليس في بلاد العجائب اختصرت ما أردت قوله في القصيدة،فالفكرة راقت لي لأننا في بلاد المتناقضات والازدواجية ،وقد حاولت أن أكسر رتابة البيت الخليلي بتنوع التفعيلات وأعتبر ذلك من الحداثة التي سبقني إليها الكثير من الشعراء مثل السياب ونازك الملائكة ونزار قباني وغيرهم، كما أنني لا أحب الكلمات الخشنة في الشعر وأدع ذلك للقواميس
و أتجنب القصيدة الطويلة فالبلاغة في الإيجاز وأتجنب النص الساذج المبتذل.
• كتبت عن حماة قصائد عديدة فكانت عاصمة للربيع ومملكة للبنفسج وعائلة من الريحان وقد أمتعتنا بصورك الشعرية وبرمز لطيف معطر بياسمين حماة.لاحظت أن المكان يشغل حيزاً أساسياً ومهماً في معمارك الشعري. أي خصوصية يكتسب المكان كمفهوم وكواقع لديك؟
حماة تستيقظ بي نهراً جميلاً وصفصافاً وأعلاماً ومساجداً وشعراً وعطراً،قد يزعجني بعض أشخاصها وعاداتها،لكن سرعان ما أعود إلى مصالحتها، لا يمكن للإنسان أن يعادي نهراً ورجالاً تملؤهم النخوة العربية ونساءً جميلات ،مدينة حماة يحبها قلبي وأنا لا سلطة لي على قلبي.
• الآن أجد أن الوقت قد حان للحديث عن المسابقات التي شاركت فيهاوالجوائز التي حصلت عليها.
المسابقات ليست جواز شعري يمنح للإنسان ليصبح شاعرا ففيها الكثير من المحسوبيات. لقد فزت بجائزة عكاظ وجائزة ربيعة الرقي وشاركت في مسابقة شاعر العرب وقد ظلمت فيها كثيراً وأخيرا الجائزة الثالثة في مسابقة وجيه البارودي وهناك جائزة لم أعد اذكرها على كل حال ليست الجوائز ما أعوّل عليه ،الشعر هو الذي يقدم صاحبه.
• في حديثك عن الجوائز نوع من عدم الرضا ، فالمسابقات فيها الكثير من المحسوبيات .
إذاً هل من الممكن أن نقول أن المحسوبيات قد غزت الوسط الثقافي و الأدبي أيضاً؟!..
نعم إننا في زمن يبيع ضميره فيه الأديب ،زمن يتقاسم الشاعر الفائز ولجنة التحكيم الجائزة
للأسف.
• حدثنا عن الصداقة في حياتك بشكل عام،وفي الوسط الأدبي والثقافي بشكل خاص،وهل ترى ارتباطاً ما بين الصداقة والغيرة في عالم الأدب؟
أصدقائي هم أثمن ما جنيت في هذا العمر،لم أتخل عن واحد منهم في جميع أحوالهم،وإذا كانت هناك عداوة (الكار) كما يقولون فأنا أعتقد أن المنابر تتسع للجميع وإذا لم ننهض ببعضنا نحن أبناء الجيل لن يأتي أحد من خارج المحافظة وينهض بنا.
• الشعر والأدب ابن عصره وزمانه..الشعر والأدب الحموي إلى أين وصل برأيك؟

حماة قلعة الشعر الأصيل بلا منازع وهذا ليس غلو في التقييم ،لكن هذا لا يكفي فشعراؤنا الأفاضل لا يقرؤون ولا يواكبون عصر الحداثة الشعرية بما تكنزه من انزياح دلالي وبعد إيحائي للغة فالنمط التقليدي يسيطر على قصائدنا العمودية بالمجمل،القصيدة تحتاج لعناية أكبر لا يجيدها شعراؤنا رغم امتلاكهم ناصية الصنعة الشعرية،فإذا لم يخفق قلب الشاعر في ضلوع القصيدة فليس ما يكتبه شعراً،والفردية تغلب علينا،لا نقرأ لبعضنا بعضاً رغم أن جميع شعرائنا طيبون وبسيطون،والحالة الثقافية مزرية ومحبطة ومخيبة وأغلب الحضور الثقافي يكون من كبار السن فالشباب لا وجود له مع أن راقصة من الدرجة العاشرة تستطيع أن تجمع من الجماهير ما لايجمعه المتنبي لو عاد حياً وأنا أعزو ذلك إلى النفاق الذي يمارسه الشاعر وازدواجيته بين ما يقوله وبين ما يؤمن به ،والغزل في شعرنا الحموي خجول وربما يعود ذلك إلى كوننا نعيش في غرفة ضيقة اسمها حماة حيث يسير الذئب إلى جانب الغزالة ولا يجرؤ أن يلتفت إليها.

• قلت:((حيث يسير الذئب إلى جانب الغزالة ولا يجرؤ أن يلتفت إليها))هنا نختلف في الرأي
فالذئب لا عهد له أو ذمة ينتظر لحظة غدر لينقض فيها على فريسته.الغزالة كائن لطيف جميل رقيق لكنه مسالم بطبعه وضعيف أمام الذئاب ومختلف أنواع الوحوش الأخرى.
الغزالة صورة من صور المرأة الكثيرة ولكنها لا تمثل صورتها الكاملة،وفي حالة العشق يتساوى الرجل والمرأة في القوة والضعف ويعبر الفنان عبر فنه مهما اختلف نوع هذا الفن والشاعر كما تقول:يكتب القصيدة بعينيه ويرسم دقات قلبه على الأوراق.

الأديبة لما لقد ذهبت بعيدا في تفسيرك للذئب والغزالة فانا قصدت الفكرة وهي أن الشاعر الحموي محروم وصوته مخنوق إن الأنثى هي محور الحياة والشاعر في حماة يقنص هذه اللحظات قنصاً،والذئب يوصف بالجرأة والإقدام،يقول شاعرنا وجيه البارودي:
سميتني ذئبا فيا فرحي
كل القطيع أُحلَّ للذئب

لما عبدالله كربجها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *