السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

حوار مع الأديب الناقد محمد غازي التدمري

محمد غازي التدمري

لم أجرؤ على نشر نص شعري واحد لقناعتي بأن تجربتي الشعرية فاشلة
في الجزء الأول من الحوار الذي أجريناه مع الأديب و الباحث الناقد محمد غازي التدمري و نشرناه في العدد الماضي من صفحتنا الثقافية , كناقد تعرفنا الى أهم المؤثرات التي أسهمت في تأطير الكتابة لديه , إضافة الى القصة القصيرة جداً , و موضعها بين الأجناس الأدبية المعاصرة و مشكلاتها على المستوى الفني و الابداعي .‏
واليوم نتابع حوارنا مع الأديب التدمري لنستكمل ما جاء في الجزء الأول .‏
* من الملاحظ أن كثيراً من كتاب القصة دخلوا عالم هذا الجنس الأدبي – أعني القصة القصيرة جداً- فهل هو هروب من القصة القصيرة و اللجوء الى الاسهل أم هو حالة ابداعية خاصة ?‏
** بدت القصة القصيرة جداً لعدد من الكتاب نوعاً من التجريب الذي أغرى عداً من كتاب القصة لأن يمارسوا كتابة هذا الجنس و لا أعتقد أنه هروب من الصعب الى السهل , لأن كتابة قصة قصيرة جداً متميزة أصعب بكثير من كتابة القصة العادية التي تفسح للكاتب أن يتحرك على مساحة أوسع لا سيما أن القص الحديث مفتوح على مستويات متعددة من السرد القصصي , الذي يتجاوز الكتابة الكلاسيكية للقصة . إن مستويات السرد الحديثة و تعدديتها في القصة جعلت كتابتها أسهل بكثير من كتابة أردأ قصة قصيرة جداً .‏
* محمد غازي التدمري باحث و ناقد و قاص و شاعر و اليوم يكتب للأطفال فهل هذا نزوع الى الكاتب الشامل , أم هو مجرد تجريب , أم وراء الأكمة ما وراءها ?‏
**أولاً الكتابة للأطفال هوس قديم يلاحقني منذ أن كنت معلماً و مشاركاً في ملتقيات الأطفال الإبداعية , و هذا فتح أمامي أبواباً لدخول هذا العالم الذي لم أجده في عالم الكبار و لذلك عندما دفعني الاستاذ عبد الجبار الجندلي صاحب دار الارشاد الى الكتابة للأطفال , لم يكن نوعاً من التجريب و إنما الخروج من التحدي الذي وجدت نفسي فيه … تحدي الخبرة التربوية و الثقافية الطفلية , و النزوع الداخلي الى صياغة نص طفلي مشغول و متماسك .‏
ثانياً : الابداع نوع من الاحتراق الوجداني يتطلب منك قدرات خاصة إما أن تساعدك في كتابة ذلك النص الذي تسعى إليه , أو تخذلك فتعود بخفي حنين .‏
هذه الحالة يمكن أن تقود الى ضفاف الشعر لأنها ترتاح على إيقاعه , أو تدفعك الى القصة لأنها تمنحك فرصة أكبر للثرثرة , أو تدخلك عالم الرواية حيث المجال أوسع و أنا و إن كنت أكتب القصة و الدراسة و الشعر فهذا لا يعني أني كاتب شامل , و إنما هي نزوع الى ممارسة الكتابة تحت ضغط الحالة , و أنا لا أقدم تجاربي إذا لم أكن مقتنعاً بها , لذلك لم أجرؤ على نشر نص شعري واحد لأني على قناعة بأن تجربتي الشعرية فاشلة لا تحقق طموحي .‏
فأنا أشتغل على نصوصي باهتمام و أعيد كتابتها أكثر من مرة , و إن لم أقتنع بما أكتب أرميه في سلة المهملات دون أسف ما .‏
ثالثاً : أنا أسعى منذ أن نشرت أول مقالة عام 1964 حتى آخر مقالة نشرتها منذ أيام , ومنذ أول كتاب أصدرته عام 1967 الى آخر كتاب صدر عام 2007 , لم أسع الى حضور زائف أو تألق مزيف يضعه المطبلون و المزمرون , إن كل ما أسعى إليه هو أن أقدم مبدعي مدينتي , و أن أجد نفسي في كل ما أكتب و إن كان وراء الاكمة ما وراءها فهو تأثري بما يكتبه المتطفلون على الأطفال و أدبهم , هذا النتاج الذي لا يحمل في شكله و مضمونه أية قيمة تربوية , أو فكرية قادرة أن تؤسس لأدب طفلي يملك مؤهلاته و يحمل مقوماته , و يشير إلى منظومة قيمه الفنية و الانسانية و الوطنية .‏
* و مع هذا فإن عالم الطفل يحتاج الى كاتب من نوع خاص يحمل في داخله طفلاً صغيراً , كما يحتاج الى نوع خاص من الكتابة , فهل استطعت أن تحقق تلك المستويات فيما كتبت من قصص الأطفال ?‏
** مما لا شك فيه أن الكتابة للأطفال تحتاج الى كاتب متخصص بعلم التربية و نفس الطفل , إضافة الى موهبة خاصة في هذا الفن بالذات و بدوري كمرب عاشرت الأطفال أكثر من عشرين عاماً , عرفتهم خلالها عن قرب …. عرفت حاجاتهم , و نمط تفكيرهم , و ما يمكن أن يقبلوه أو يرفضوه من نصوص أدبية , و بالتالي فإن خبرتي بالتربية , و متابعتي لمدارس التربية الحديثة و استيعابي لمنظومة قيم أدب الطفل و مشاركتي في حلقات بحث الطلائع و ملتقياتهم الابداعية , وضع بين مجموعة من الدوافع التي دفعتني الى دخول عالم الطفولة و الكتابة فيما يخص الطفل . و أنا عندما أحاول الكتابة الى الطفل أضع في مخيلتي تلك المرجعيات الضرورية و أشتغل على نصوص إبداعية طفلية أرجو أن تحقق معيار أصول الكتابة الطفلية القائمة على منهج واضح و محدد .‏
* كيف تدخل الى عالم الطفل -أعني ما وسائلك المستخدمة- , و كيف تستطيع إيصال أفكارك الطفلية الى الطفل نفسه ?
** وسائل الدخول الى عالم الطفل , تبدأ من ذلك الطفل الكامن في أعماق كل واحد منا , هذا الطفل تشاهدينه مع زملاء الرياضة الصباحية أصحاب المراتب العلمية العالية و هم »يتعربشون« على أشجار التوت ليس من أجل التوت و إنما ليمارسوا طفولتهم الكامنة في أعماق كل واحد منهم رغم مناصبهم و أعمارهم , إضافة الى ذلك تأتي الخبرة التربوية و معرفة عالم الطفل عن قرب , أما عن وسائل إيصال الأفكار الى الطفل فهي تقوم على :‏
1- الممارسة 2- معرفة ما يحتاجه الطفل 3- الخبرة التربوية 4- النص المشوق الذي يملك ما يؤهله لجذب انتباه الاطفال إليه 5- اللغة الطفلية الخاصة بالطفل و هي المرتكز الأهم في معمار أي نص يوجه للأطفال‏
* أرّختَ للحركة الأدبية في مدينة حمص من خلال أعلامها و صحافتها و مسرحها و أدبها فما رؤيتك لهذه المدينة التي كثر مؤلفوها ?‏
** حمص مدينة الابداع و المبدعين , و تسميتها بعاصمة الثقافة السورية لم يأت من فراغ , بل من واقع ملموس و مدروس, فالأجيال الابداعية تتوالد باستمرار و تدفع عملية التطور الابداعي الى الأمام , و أنا عندما اشتغلت على تأريخ الحركة الأدبية في حمص , إنما أردت أن أكشف عن موقع المدينة في خارطة الثقافة العربية المعاصرة .‏
و وفرة المؤرخين في المدينة حالة صحية و إن ينهض بعضها على التأريخ غير الموثق الذي لا يخدم غير مصالح المؤرخ مادياً إلا أن الآخرين يعملون بجد من أجل توثيق موثق للحركة الثقافية في المدينة , و إن كنت أتمنى أن يتفق مؤرخو المدينة على مشروع توثيقي تاريخي كبير يتناول المدينة في مختلف أنشطتها , فيتعاونون كل حسب اختصاصه لتحقيق هذا المشروع المتكامل بدل أن تكون جهودهم مجرد محاولات متفاوته و متفرقة يسير معظمها في دروب متعثرة .‏
إن المدينة بتراثها العريق و موروثها الأصيل و ما تفرزه في حاضرها من ثقافة إبداعية في مختلف الأجناس الأدبية و الفنون الأخرى تستحق أن يتعاون مؤرخو المدينة و دارسوها و نقادها أن يشتغلوا متعاونين على مشروع تأريخي توثيقي يخدم المدينة و مبدعيها و يبرز ما اختبأ و تناثر في يومياتها الثقافية القديمة و المعاصرة , فيكون مرجعاً مهماً للأجيال القادمة التي سترى في أوراق هذا المشروع الصورة المشرقة لمدينة الابداع و المبدعين‏
* ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *