السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

أدباء الأطفال كيف يتعاملون مع التراث ؟ (1-2)

555555

 

يخطئ من يظن أن التراث هو كل ما يمت إلى الماضي بصلة، ويخطئ من يتصور أن مفرزات الأمس بنوعيها السلبي والإيجابي، تستحق التشبث أو الاحتضان أو العض عليها بالنواجذ.
فالمتتبع لحوادث التاريخ، والممحص لفقراته.. يعلم حق العلم أن ظروفاً قد أحاطت بهذه الأمة، بعضها مقبول وبعضها غير مقبول، وكلا النوعين المقبول وغير المقبول، دخل التاريخ من بابه العريض.‏
ولكن … ليس كل ما يدخل التاريخ يحمل بطاقة توصية إلى قلوب الأطفال وعقولهم، وليس كل ما يدخل التاريخ يرفع راية المنطق ويمسك بلواء الحكمة.‏
الطفل يقرأ التاريخ فعلاً… يقرأ جميع فقراته ويتابع كل أخباره، ولكن عليه أن لا يقول عن كل ما جرى: إنه الصواب بعينه.‏
فهناك الأبيض الناصع وهناك الأسود الحالك… هناك الطيب والخبيث، هناك السمو والسقوط هناك الالتزام والتلون هناك النظام والفوضى، هناك الموقف الجماعي وهناك أيضاً التفرد الشخصي.‏
أبداً … لا تستحق كل فقرات التاريخ أن يتمسك بها الطفل!!‏
ولعل الأديب الراحل الدكتور عبد الرزاق جعفر، له وجهة نظر خاصة في هذا الموضوع، فهو يقول: (نحن لا نزعم أن قصص التراث صالحة للناشئة، ولكننا نشير إليها على أنها من تراثنا، وأننا يمكن أن نأخذ من هذه التراث ما نراه صالحاً لأبنائنا فنتناوله بالغربلة والتصفية ونأخذ منه جوانبه الإيجابية فنكتبها بلغة حديثة وبروح حديثة، تجعل الأطفال يفهمون تاريخهم من جهة ويفخرون به من جهة أخرى، وتوجههم نحو تمجيد العمل الجماعي بدلاً من تمجيد العمل الفردي).‏
إذاً.. أدباء الأطفال بحاجة إلى غربلة دقيقة لذلك القادم من الماضي….‏
قريباً كان أم بعيداً، هم بحاجة إلى فصل حقيقي بين الزبد وما ينفع الناس.‏
ليس الهام أن يطالبوا الطفل بالحفاظ على التراث، بل الهام أن يبينوا له ما هو التراث الذي عليه أن يحافظ عليه.‏
ففي التاريخ أشياء يجب أن تبتر وإن لم تبتر فعليها أن تبقى للعبرة فقط، وعندما يصل الطفل إلى الأصالة في كل شيء، يكون فعلاً قد وصل إلى التراث الحقيقي الذي يستحق أن يعض عليه بالنواجذ.‏
من هنا تبدو المهمة التي يتصدى لها أدباء الأطفال… صعبة ومعقدة.. إنهم مطالبون قبل غيرهم بالتحري والتفتيش هنا وهناك.. إنهم مطالبون بتقليب الصفحات الصفراء، وإخراج ما هو صادق، وحقيقي، ومناسب لتفكير الطفل وعقلية الطفل، ولغة الطفل.‏
ليست مهمتهم النقل فقط، بل مهمتهم التمحيص والانتقاء والغربلة، والتبسيط، إذ ليس كل ما يملأ المكتبات هو تراث حقيقي، فقد يكون مشوهاً أو مزوراً أو منحازاً، أو منحرفاً…‏
وأدباء الأطفال الحقيقيون، هم الذين ينتقون الأدب الحقيقي والتراث الحقيقي.‏
ويعبر الأديب الدكتور سمر روحي الفيصل عن هذه الفكرة بقوله: (إن تقديم التاريخ للطفل شيء مهم وعسير في الوقت نفسه، وإن التعبير عن التاريخ من خلال شخصياته أمر أكثر أهمية وعسراً، وفي يقيني أن استدعاء الشخصيات التاريخية المهمة يسد فراغاً في مكتبة الطفل العربي، ويسهم في بعث التراث العربي وتربية الطفل على الاتصال به خدمة للحاضر وتهيئة للمستقبل، وما من شك في أن كتابة السيرة القصصية فن يحتاج إلى موهبة قصصية وقدرة على التتبع التاريخي وعلى فهم الطفل المتلقي.)‏
ونؤكد مرة ثانية وثالثة ورابعة.. على أن المسؤولية الملقاة على عاتق أدباء الأطفال مسؤولية جسيمة، والمهمة التي يضطلعون بها في إطار التوجه للطفل العربي على جانب كبير من الأهمية، أما توظيفهم للتراث وانتقاؤه ميداناً رحباً يجول ويصول إبداعهم في ساحته، فعمل يحتاج إلى اطلاع واسع ومراجعة متأنية وانتقاء دقيق.. ولقد قام أدباء الأطفال في الماضي البعيد والحاضر القريب بمحاولات عديدة في هذا المجال، عكفوا على كتب التراث يشبعونها بحثاً وتنقيباً، وعمدوا إلى صفحاتهم البيضاء يسودونها بحبر القصة والقصيدة والمقالة، وكلها مستلهمة من حكايات وروايات جرت على ألسنة الآباء والأجداد، تناقلها الرواة وتلقفتها الأجيال المتعاقبة، جيلاً إثر جيل.‏
وربما أصاب الأديب الدكتور عبد الله أبو هيف عين الحقيقة حين قال:‏
(التراث أقدر على المخاطبة من مصادر مبتدعة تحتاج إلى هامش مضاعف من التربية أو التثقيف، لكي يكون بمقدور المتلقي ولا سيما الطفل أن يتفاعل معها، إن الثقافة الوطنية أو الشعبية تيسر سبل الاتصال بالتراث، وتمكن الجمهور من اعتماله المؤثر بالخطاب الموجه إليه، وهي مزية جاهزة يفتقر إليها الأدب المبتدع بعيداً عن التراث. )‏
ولعل الرواد الأوائل الذين توغلوا في أعماق هذا العمل المضني وأسهموا في تلك التجارب المعقدة والمتشابكة، قد تركوا لنا آثاراً جديرة بالدراسة والاهتمام، آثاراً يجدر بنا أن نقف أمامها وقفة الباحث المتحمص، آثاراً يمكن أن نسير على هديها، أو ننفض غباراً أفقدها بعض رونقها وبهائها‏
أو نزيح شوائب شوشت أسلوبها وشوهت مضمونها… لعلنا نصل في النهاية إلى الأسلوب الأمثل والمضمون الأكمل والتوجه الأفضل , لعلنا نصل إلى قراءة جديدة لتراث قديم، ورؤية معاصرة لتاريخ قد أحنت ظهره العقود والقرون، فلا خير في أطفال لا يعرفون شيئاً عن تراث أمتهم، ولا خير في أطفال لا يميزون بين الغث والثمين في التاريخ الذي يقرؤون..!‏
وضمن هذا المجال يقول الأديب الأستاذ محمد قرانيا: ( إن من شأن التراث أن يبعد السموم عن الطفل العربي، ويمده بذخيرة عربية وروحية لا تنفد وتقدم إليه زاداً لا ينتهي، تمثل فيه جميع القيم المرجوة، إضافة إلى أنه مصدر غني من مصادر ثقافة الطفل العربي، لا تقل موضوعاته أهمية، إن لم تكن تتفوق على الموضوعات المعاصرة، بشخصياتها وأحداثها، فالشخصيات التراثية، شخصيات خارقة إلى حدّ ما، تتمثل فيها العصامية والمثالية والنبل الإنساني، ويمكن أن تتفوق على الشخصيات المعاصرة التي يصوغها الحاسوب وغيره من وسائل التقنية الحديثة، والتي تبدو على جانب من الجفاف والجفاء، والبعد عن الروح الأربعاء: 15-1-2014
عن جريدة الفداء الحموية . )‏
يتبع‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *