السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

شعر أسعد حبيب يوسف … المَطالع نموذجاً

chirrr_257184162

بين يديّ ثلاث مجموعات شعرية للشاعر اللاذقي أسعد حبيب يوسف (-2007م) صدرت الأولى والثانية منها سنة 2003 م وهما : (مرايا وظلال ) و (عزف منفرد ) وصدرت المجموعة الثالثة (شؤون وشجون ) سنة 2005 م .
رحت أبحث وأتساءل : هل كتب الشاعر مقدمةً لدواوينه أو لأحدها ؟ إذ قلما يفعل الشعراء ذلك، بل قد يتركون لغيرهم أن يقدّموا شعرهم إلى الناس ، مع أن الشاعر نفسه جدير بهذا التقديم ، لأنه يعرف عن شعره ما لايعرفه غيره . ولكن الشاعر أسعد آثر أن يكتب المقدمة بنفسه ، وحسناً فعل . وإن مقدمته لمجموعة «مرايا وظلال» تشتمل على محورين اثنين : المحور الأول : تحدث فيه عن الشعر الأصيل ورأيه فيه ، ودافع عن الخليل الفراهيدي واضع علم العروض . وفضل الخليل هو أنه ضبط قواعد هذا العلم فحسب ، ولا غرابة في ذلك، لأن الفن يعيش في الضوابط ، ويموت في حرية الفوضى . صحيح أن الشعر العربي ولد حراً وترعرع حراً ، لاضابط له إلا السليقة والملكة الشعرية حتى صيغت له القواعد . ولولا ما قام به الخليل لشاعت الفوضى في أوزان الشعر . وهنا يدافع شاعرنا عن الخليل أمام هجمات جيلٍ من شعراء العصر الأخير ـ ويعني بهم جيلَ الشباب ـ نظروا إلى عروض الخليل من خلال نظاراتهم الملوَّنة، وزجّوه في قفص الاتهام بدعوى أن تلك الأوزان تكبّل حركة الشعر وتخنُق حريته . ويرى الشاعر أسعد في هذا المحور أن أولئك المتأخرين استهدفوا الأصالة والفكرَ لقطع الصلة بين ماضي الأمة وحاضرها ، وطمسِ معالم قوميتها . ودافع من جهة أخرى، عن الفصحى التي لم تضق بالتنزيل العزيز وعن الشعر الأصيل الذي كان وما يزال يعبّر عن طموح الإنسان العربي وصبواته وأحاسيسه وحاجات مجتمعه . ويجعل المواهب الأصيلة من جيل الصاعد تَعُدُّ التراث حافزاً لها في انطلاقها نحو المستقبل حيث المثل الأعلى , ومع ذلك فإن شاعرنا يؤمن بالتطور إيماناً قوياً إذ ليس الخلْقُ والإبداع وقفاً على الماضي ولا على الحاضر ، ولامُلكاً للرومانسية أو الرمزية أو الكلاسيكية ، وإنما هو مُلكُ النبوغ والعبقرية في كل زمان ومكان . وهو يؤمن بأن تطوير القصيدة ما يزال آخذاً في الاتساع تبعاً للعوامل والظروف ، حتى شمل معانيها وألفاظَها وصورَها . وقانونُ الاصطفاء كفيل «بتصويل» العلائق وإزالة العوائق، ودفعِ عجلة الحياة نحو الأفضل . ويختتم آراءه الجميلة تلك بتعريف الشاعر الحقيقي : ـ فهو الذي يستطيع أن يهزّ العروش ويحطّم الأوثان . ـ وهو صنّاجة شعبه ، يغنّي آماله ويمسح آلامه ويبدّل يأسه أملاً . ـ وهو أول ترجمانٍ محلّف أتقن أبجدية الوجدان وترجم لغة الأرواح والقلوب . ـ وهو أول طبيب عالج أمراض مجتمعه . ـ وهو أخيراً رائد الفضاء الأول، والسفير الدائم بين الأرض والسماء . أما المحور الثاني من مقدمة الشاعر لديوانه (مرايا وظلال) فقد تحدث فيه الشاعر عن نفسه وعن شعره وعن بداياته الشعرية ، وبعضِ آرائه وأفكاره . وهو جانب مهمّ جداً ، ولابدّ منه في مقدمةٍ كهذه . يبدأ الشاعر فيذكر السبب في عزوفه عن نشر شعره بين الناس إلا بعد أن نيّف على الأربعين من عمره الأدبي . وكان طوال تلك السنين يؤثر طيّ ذلك الشعر على نشره لأنه يطمح إلى آفاق شعرية بعيدة تجعله يضيف إلى قيثارة الشعر وتراً جديداً ونغماً فريداً ، ويتحف العربية بملحمة جديدة . ولقد كان خلال تلك السنوات الفائتة حريصاً على استطلاع آراء النقاد في شعره ، لأنها المرآةُ الصقيلةُ التي يرى الشاعر من خلالها مِعراجه ومَسراه . وهذا يذكرنا بعبيد الشعر من شعرائنا القدامى الذين كانوا لايُخرجون شعرهم إلى الناس أو القصيدة من شعرهم إلا بعد حول من الزّمان . ويرى الشاعر أسعد أن ذلك الطيّ لشعره الذي التزمه طويلاً كانت له مسوّغاتُه الموضوعية ،وهو الخيار الأفضل عنده، بدلاً من التقحّم في مشروع النشر الذي سقط ضحيته عشراتُ الهواةِ . وقد صدق ، فلكّلٍ وجهةٌ هو مولّيها . تلك هي جملة الآراء التي ملكت على الشاعر نفسه، ويمكن أن نضيف إليها فكرةً أخرى مفردةً جاءت في نصّ الإهداء الذي صدّر به الشاعر ديوانه الأول . وهذه الفكرة تركّز على أن الموهبة الشاعرية هي كالماء والهواء، ليس لواحدٍ من أوصيائها أن يزعم لنفسه حق الاستئثار بها ، وهي خاضعة للتأميم تمشياً مع روح العصر، إذ لابدّ للشاعر أن يكون متفاعلاً مع محيطه الاجتماعي ، مستوحياً من أوابد وطنه ، ومستلهماً من تاريخ أمّته . وللشاعر أسعد الحقُّ ـ بعد هذا ـ فيما اختطّه لنفسه من طريقٍ سار عليه ، وبذلك تحَقَّقَ له الإبداعُ الذي يَنشُده ـ والإتقانُ الذي يسعى إليه، فكان شعرهُ صدىً لأحاسيسه وحاجات مجتمعه، وتطلعات أمته، وتفاؤلِه بالمستقبل المشرق للأمة والوطن , وفي ذلك يقول : لاتذكري المحنة إني على تصُّور المِحنة لا أصبرُ إن مع الفتح على موعدٍ يومَ يهبُّ الوطنُ الأكبر ومن الطريف أنه يرى لغةَ الحجارة أفصحَ من لغة الشعر، وأفعلَ في النفوس، والشعرُ وحده لايكفي لخوض الوغى وغشيانِ المعامع. يقول : والشعرُ لايكفي لخوض الوغى وليس يكفي طرفُكِ الأحوَرُ إن الفدائيين في صمتهم منّا ومن آبائِنا أشعر والناظر في شعر اسعد حبيب يوسف يرى فيه تنوّع المضامين، ما بين الوطن والمجتمع، والأمة والشعب، والمناسبات المختلفة بجزئيات ذلك وكليّاته، فضلاً عن الابتكار في الصور والمعاني والأخيلة على اختلاف مستوياتها، إلى جانب النظرات التأمّلية الفلسفية، والفهم الدقيق لمعنى الوجود والحياة والمصير والعناية القوّية بالأصالة الممزوجة بالحداثة التي تلائم تلك الأصالة ، ولاتخرج عن سِربها . وإن الوقوف عند هذا كله من شعر شاعرنا لهو في هذا المقام من المُحال . على أني سأقف عند ظاهرة فنية بلاغية تسود في شعره . تلك هي عنايته بمطالع قصائده عامة، وحرصهُ على براعة الاستهلال في مجمل شعره . وهذا الاستهلال له أهميته وأثره في نفس السامع أو القارئ ، ومنه يلِجُ إلى عالم الشاعر في جوّ موسيقي موقَّع، بعيدٍ عن الجمود، يمهّد للمتلقّي سبيلَ الفهم والاستيعاب، ويتلاءم وأساليبَ البيان التي تجعل الكلام مطابقاً لمقتضى الحال . فمن ذلك أن الشاعر يحرِصُ في كثير من الأحيان على المبادرة العَجلى في إطلالةٍ قوية تضع المتلقي في بؤرة الهاجس الذي يهيمنُ على الشاعر، والهمِ الذي يشغَل بالَه ونفسَه .. ويختم القصيدة بنهاية مناسبة قوية لتكون محبوكة الطرفين : المطلعِ والخاتمة . آية ذلك قصيدتُه «على قمة التاريخ موعدنا» التي يبدؤها بمطلعٍ مُدَوّ ، قويّ الإيقاع ، مناسبٍ للموضوع : ملاحم الفتح في تاريخ ماضينا أم نشوةُ النصر هزّت عُجْب شادينا؟ هذّبتُ شعريَ أجلوه وأُنشِده ما أطيبَ الشعر إنشاداً وتلحينا ويختم القصيدة بقوله : غداً على قِمةَّ التاريخ موعدنا نهتمّ بالوحدة الكبرى فتهدينا غداً سنعلنُها واللهُ نسأله «لناصر» العُرب نصراً منه، آمينا لكنه في قصيدة «عُرس الشجرة» لايلتفت إلى التمهيد في الاستهلال ، بل يقرع السمع فُجاءةً الحضّ لى غرس الشجرة : اغرسوها فهي أمُّ الثمراتِ واعقِدوا التاج لذات الطبقات واملؤوا الأرض غِراساً ، إنها بهجةُ الَعين وكنزُ الثرواتِ ويختِم القصيِدة بقوله : يا لها من كائناتٍ حيّةٍ تمنح النُّعمى لكل الكائناتِ أنا أهواها لأني شاعر أَنشُد الخير لأبناء الحياة ومن الظواهر الفنيّة المتصلة بموضوع الاستهلال مجيءُ البيت الأول من القصيدة مصرَّعاً، تتفق عروضه وضربُه وزناً وتقفيةً وإعراباً، وهو تقليد فنّي أصيل في شعرنا العربي الموروث ، وذو صلةٍ وشيجةٍ بالإيقاع الموسيقي للشعر العربي ، ومن شواهد ذلك قولُه في مطلع قصيدةٍ له بعنوان : «أكرمُ مَن في الدنيا»: يارمالاً كنتِ ظمأى فاشربي من جراح دمُها لم ينضُبِ إلا أن شاعرنا لايتمسك دائماً بالتصريع في المطالع بل قد يُعرض عنه أحياناً ، مع أن المَقام له ومن حقّه . ومن ذلك مثلاً قصيدته «عطلة قضائية» التي يبدؤها بمطلع مفاجئ غيرِ مصرَّع ، فيظنه السامع أحد أبيات مطاوي القصيدة يقول مباشرةً : القصر يرفُل بالمنى نشوى ، ويعبَقُ بالعطورِ دنيا تغارُ بها الضرائرُ – والضريرُ من البصيرِ وبعد : فهذه وقَفات عَجلى عند بعض جوانب شعر الشاعر أسعد حبيب يوسف ، من حيث آراؤه الأدبية ، وأفكارُه النقدية ، ومطالعُ قصائده النابضةُ بالحياة ، وما في ذلك من تحبيرٍ وتجويد . وفي مطاوي ذلك الشعر تبدو شخصيةُ صاحبه المتألقةُ التي تهوى الانطلاقَ والتحرّر المتّزنَ الأصيل ، حتى ليبدُو شعره منجماً غنياً بألوان التجديد في المعاني والصورِ والبناء ، وجمالِ الإيقاعِ، وسهولةِ الألفاظ ، مع قوةٍ وجزالة .‏
الخميس 12-7-2012
عن جريدةالجماهير الحلبية
ـــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *