السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

حوار مع الشاعر عمرالسراي

100221-feature3photo-650_416

عيداً عن أسلوب الإثارة الصــحفيّة والمقدَّمات الرنّانة سأقدّم ضيفي ببساطة سنبلة ؛ أن تحاوره فهذا يعني أن تـحاور وردةً حُبلى ببركانِ عطرٍ شعريّ طينيّ ؛ وأن تحاوره فهذا يعني – أيضاً – أن تكتــشفَ مدى موضوعيّتك بعد أن تُحبّه ! ؛ وأن تحاوره فهذا يعني أن تقلبَ الحوار إلى قصيدةٍ تُشبه الحوار! ؛ وأن تحاوره فهذا يعني حــوار “عُمْر” تُجريه مع شاعرٍ شاب يُحبّه الجميع ؛ مُبدعٌ ؛ نجمٌ ؛ إعلاميٌّ ؛ شاعر شعبي ؛ وقطعة من “طينٍ حُرّي” خرج لتوّه من رحم الأرض ؛ رُبَّما كانت مُجازفـة أن أحاوره لكن : حدث الحوار!

دخل إليه وآمن :علي وجيه
1-عمر السراي لنبدأ بداية غير معتادة…لماذا الشعر؟
– ربما أبادر الى اجابة غير معتادة كما دأبت أن افعل دائماً .. وأقول .. ( لا أدري لماذا ) .. وهذا فعلاً هو الجواب الذي يرفرف في داخلي .. دائماً .. لكني أعتقد وانا أختلي بالقصيدة متعبداً طقوس كتابتها .. بأن الشعر نوع من المرض الأليف الذي يصيب الإحساس فيوقد القيود التي تستحلي الكسر فيك .. وفجأة ترى نفسك متورطاً في حرب لم تكن تفكر فيها .. وفي صفقة خاسرة بالتأكيد .. مفادها أنك ستتعب ..
وسؤالك مهم خاصة بالنسبة لمثلي .. ممن تعودوا أن يمارسوا الحزن والتعب .. وان يستتروا بذاتٍ تنثّ عليهم حجراً .. وتقدم الألوان للآخرين .. لقد فكرت كثيراً من قبل .. لماذا .. لماذا .. أكتب بل وصل بي الأمر احيانا الى قمع نفسي من الإيغال في لعبة الكتابة .. وندمت كثيرا لأني اصبحت ُ شاعراً .. لكن التورط بالشعر يعني أن لا مجال امامك لتصبح شيئاً آخر .. فاكتفيت بأن لا أسأل نفسي ( لماذا ) ورحت ابحث عن جواب لــ ( ثم ماذا ) .. والى أن اجيب .. عن السؤال الأخير .. سأظل شاعرا بلا ( لماذا ) .
2
/ كيف اكتشفت هاجس الشعر لديك …وكيف راودت الحروف عمر السراي عن قلمه؟ .. ومن أين انطلقت بداياتك الشعرية ..؟
– لعلي الى الآن لم اكتشف هاجس الشعر في َّ .. ولم أسبر تفاصيله الدقيقة .. لأنه كبير .. اكبر مني ومن كل المساحات الشاسعة في بلد مخضر بالحمرة .. إلا أني اذكر مرة .. وفي مهرجان في كلية الآداب .. كنت استفتح قصيدتي بتصوري عن الشعر .. وكنت اقول ما معناه أن الشعر في مراحله الاولى كان محض بكاء .. وأن اشعر الشعراء هو طفل لجوج .. عندها تذكرت ُ امي التي اخبرتني بأنها وضعتني في الحياة والطائرات تقصف العراق بداية تكون الحرب .. وتذكرتها حين اخبرتني بأني كنت صغيرا كقنينة ( بيبسي كولا ) وأنها كانت تناديني بالسندباد لصغر حجمي .. واخبرتني عن بكائي المستمر كل .. ليلة .. عندها قلت لها : يا اماه لقد كنت اكتب الشعر وقتها بلغتي الاولى ( البكائية ) فاعذري شياطيني ..
ربما أجبتك عن السؤال .. وربما .. لا .. لكن هذه هي الحقيقة
– كتبت الشعر الفصيح بمختلف أشكاله والشعبي كذلك فضلا عن عملك بالصحافة وكتابة المقالات والمسرحية الشعرية ونحن نعلم أن الأنهار يصيبها الإنحسار حين تكثر فروعها…ببساطة..هل هذا هو تشتيت لابداعك؟

– يا حبيبي .. لعلك نسيت او لا تعلم بأني ارسم بالزيت واعزف .. واغني .. وارقص .. وكنت رياضياً قبلها .. ومارست التمثيل المسرحي ومازلت ابدع في فن الحب واصطياد النساء .. والألم .. والعديد من الاشياء التي لا اجيد القيام بها الا بتفان ٍ وابداع .. وكل هذه الاشياء افادتني شعريا .. لأني اعيش الحياة شعرا .. واتنفسها شعرا .. وأميل الى ابداع الكلمة اولا .. واستثمر كل شيء في سبيل ان اكون انسانا يبحث عن الجمال .. فهو الاهم .. وقد يكون هذا تشتيتا .. لكن المحصلة ستصب في نهري المكتظ بالعمل المستمر الى ان اموت .. او اساهم في موتي وعملية خلقه .. كما أشاء .. ليكون مبدعا .. وانسانيا حد َّ الحياة .
3- على ذكر الابداع هناك من يقول ان قريحة عمر السراي قد خلت من الشياطين الشعرية؟

– بالتأكيد هو مصيب جدا .. لأنه متأكد من أني أنا الشيطان الشعري الاكبر .. ولولا وجودي في قريحته لما تمكن هو من كتابة حرف واحد .. فهل يحتاج مثلي لشياطين او ملائكة .. وانا اخلق كل مايكرو ثانية فيالق الجان المجوقلة وامطرها بخطواتي التي تسير بأرضي .. دون اتجاوز على ارض غيري الذي لم تسعفه خطواته بالتحرك فيها .. فاتهم الآخرين بتهمة استباقه .. يا صديقي .. لكل منا خطاه وارجله وكائناته
وله ان يدور كما يشاء .. وله ان يبقى على ابواب ماضيه ويندب .
س / ما رأيك بالمنجز الشعري الحالي ؟ واين انت منه ؟
– العراق بلد حافل بالشعر .. ومنجزه الشعري جزء من عالم مليء بالجمال والابداع .. وطن ٌ مثخن بالزهور التي تكلل ابناءه المتساقطين كل يوم .. ومفعم بالندى .. لا يمكنه إلا أن يكون في طليعة الكون فيما ينتجه من شعر ..
أما عني .. فحسبي أني أحاول .. ابداعيا وانا اكتب اسمه قبل ان اكتب اسمي .. واعلق قرابين الجمال في جبهته الغضة .. وأحتفي بكل ما أوتيت ُ من قدرة بالجمال .. فالمهم جدا .. هو ان تكون انسانا يقدر الابداع كي تتسامى بنفسك الى ذروة الاشياء .. وتحاول كي لا تتقاعس ابدا .. وتزخرف الوجود .. ليصبح أكثر نصاعة .. وتأثيرا .
س / “تنوّعت الأشكال والشعر واحد” وهناك من يقول “أن الشعر سائل يأخذ شكل الإناء-الشكل ألذي يحويه” …بين كل هذه المقولات والتصوّرات والسجالات الصحفية أود أن اسألك عن ساحتك الكبرى التي أعرفك تعشق التجوال بها وهي القصيدة العمودية…هل القصيدة العمودية هي المعلم الوحيد في عالم الشعر .. وهل لقصيدة النثر وجه آخر ؟ وأيهما تؤيد ..؟
– احاول أن أنأى بنفسي عن شيعة العمود و خوارج النثر ومعتزلة التفعيلة دائما .. لأن الجميل في الابداع .. هو أنه لا يفرق إلا بين الجميل والقبيح وهذا هو الهدف الاول .. أما عن صراع الاشكال وازماته .. فأعتقد بأنه سلعة للمتفرغين له .. وعلينا كشعراء حاملين الدور الانقاذي والتبشيري لمجتمع ينتظر منا الافضل .. ان نساهم في ترميم ما تساقط سهوا او عمدا .. فأوحى للناس القطيعة ..انا لا أبرئ العمود من النظم .. ولا ابرئ النثر من الاستسهال .. ولا ابرئ التفعيلة من السقوط في العيبين .. لكني أطمح أن اكتب كما أعيش .. وليخرج النص كما يشاء .. لا أقمطه ولا اضغط عليه .. وبما أن روحي متنوعة الهوى .. وتحب ان تتجلى في كل جميل .. تجدني أكتب كل الاشكال وبأحساس متوازن وبقدرة متوازية .. ولا اقحم نفسي في كتابة اشكال لغرض استعراض العضلات او ارضاء للآخرين .. دعوا الشعر بعيدا عن ظلم الحياة .. الزائلة .. لأنه الباقي وبقوة ..
4- عامر عاصي يقول ان عمر السراي شاعر لم يصل الى الذروة فهل هو مصيب بنظر عمر السراي؟

– عامر عاصي يقول ( عمر السراي لم يصل الى ذروته بعد ) وهو مصيب .. بل مصيب جدا .. وهذا ما اسعى اليه واتمناه .. لأني لم أصل الى ذروتي وها انا على ما عليه .. فكيف بي عندما أصل .. ؟ ثم أن ذروة الاشياء تعني النهاية .. كما أن الكمال يعني النهاية .. وانا اتمنى أن لا انتهي .. كنت أقول دائما بأني طفل .. لأن الطفل هو الكائن الوحيد القادر على النمو بقوة ملحوظة .. لذا سأدافع عن كوني مازلت .. وأدافع عن نموي البكر دائما .
5– ما علاقتك بالمنصة؟
– بالتأكيد ان علاقتي بالمنصة ( شريفة ) رغم ذكوريتي .. وانثويتها .. لكني لا اخفيك .. بأنها تغريني دائما لأغادر عفتي أمامها .. كيف لا وهي تشعل روح الفارس أمامي وتدعوني لامتطائها بنشوة .. وازعم أني أجيد التعامل معها بدليل حبها لي .. ورغبتها ان اكون معها .. لكني ومن ناحية الشعر .. اعتقد بأن المكتوب والمسموع في غير ظرف المنصة اهم وابقى .. ومن ناحية التقديم .. هو نوع من حب داخلي لأن أحتفي بالناس المبدعين .. لأزيد سعة الجمال في الكون .. واصفع كل ماكياج العنف والقبح المحدق بنا .. وبقوة .. لا تفهمها الا محاولاتنا الوقحة لمحو السواد .
6- بعد فوزك بأكثر من جائزة وليس آخرها جائزة سعاد الصباح هل تعتبر نفسك صياد جوائز؟
– لا .. قد ينطبق علي تركيب ( صياد الهموم ) وهو عنوان لقصيدة الشاعر المبدع عريان السيد خلف .. قد ينطبق هذا الوصف اكثر .. لأني اعتبر الجائزة نوعا من الهم المباغت الذي يدعوك لاعادة النظر فيما فعلت .. ويدعوك نحو مسؤولية اخرى .. ومطاليب أخر .. وركض جديد .. ونحن لسنا في صدد سباق للخيل ( ريسز ) والابداع يحيط التنافس اهتماما واسعا .. لأنه يكبر منفردا ووحيدا .. لكن ( بيني وبينك ) انا اسعى دؤوبا لنيل اهم جائزة في الكون .. وهي وصول قصيدتي لجميع المتلقين على اختلاف مشاربهم ودرجات وعيهم .
7- في زمن المقاصل ومحاربة الأسماء المهمة كالجواهري ومظفر النواب وغيرهم..لك مغامرة اشبه بالجنون دعني أسأل..قصيدة في رثاء مظفر النواب وفي زمن النظام السابق هل كانت محاولة انتحار؟

– لا .. بل كانت محاولة للحياة التي اتمناها نزقة وعنفوانية .. ثم أها وبأقسى التهم لم تكن لتدعوني للموت .. لكني كتبت يوما قصيدة وكنت انوي ان اقرأها امام زبانية السلطان آنذاك .. لأنتحر بها بعد أن ضاقت الدنيا بعيني واحسست برغبة جارفة للموت .. لكن صديقي اخذها وخبأها ومنعني بقوة .. واشكره لانه فعل ذلك .. لأنه دفعني وبمشاركته ومشاركة اصدقائي الآخرين .. وشخصيات هي الآن اعضاء في مجلس النواب .. اتحفظ عن ذكر اسمائهم .. لكي لا يعتبر هذا تملقا .. لهم .. او حاجة لهم .. لأني متأكد بأني الواهب العام .. للحكومة او كل السياسيين .. وسيظلون يحتاجون ولو فتاتا مما نكتب .. دفعتني هذه الحادثة لكتابة مجموعة .. واصدارها زمن النظام السابق .. وكانت ملتهبة بالادانة للموت .. وعنوان مجموعتي كان ( ساعة في زمن واقف ) شجبت بها كل الظلم .. لكني لن ازاود واقول بأني كنت مناضلا بعملي هذا .. لأن النضال الحق – بنظري – كان يعني ان اموت قبل كل الابرياء الذين يقتطفون يوميا آنذاك .. وانا كانت نيتي ان اهرب بقصائدي واعيش الرخاء بعيدا .. وها هي الآن تتكرر نفس المأساة .. ونحن لا نقوى إلا على الجبن والكلمات التي اتمنى ان يكون صوتها كبيرا .. ويكون موقفنا له الاهمية أزاء كل ما يجري .
8- لو إنسلخ عمر السراي عن عمر السراي ونظر إليه بتمّعن ثم سئُل….”من هو عمر السراي”؟
– لقد سألتني عن شخص لا اعرفه .. لأنه منذ سنوات يتقمص اسمي .. ويعيش محلي .. ويمارس الحياة ويغيّبني بعيدا .. هذا النزق المترف بالأغاني الحزينة .. الذي كم أكرهه لأنه لم يتركني أحيا كما أشاء .. ونغص علي خلواتي المنعشة مع نفسي .. ودخل أحلامي .. وتلاعب بذكرياتي .. وأحبطني أمام من أحب .. وشطـّب رماني بالعزلة .. لكني لن استسلم له ابدا .. أتعرف بأني الان كلما يذكر اسمه أمامي امعن بالاستهزاء منه .. رغم اجباره لي بأن اكون صدى له .. ورغم ضعفي ودفاعي عنه كثيرا .. وعدم فهمي المطلق له .. وما يطلبه مني .. ولماذا .. ومتى سيغادرني .. وكيف سأنتزعه مني .. و…. و…. و….. تبا له .. حقا .. سأدمره يوما ما أعدك بذلك .
س /هناك من يصف الأدب والشعر بأنه “هاوية” لا أسألك عن رأيك بهذا الوصف …لكن من الذي وضع قدميّ عمر السراي على شفا قصيدة؟ومن هم اصحاب الفضل على عمر؟
– رغم اني اردد دائما بأني سأصنع حظي بيدي .. إلا أني لست ُ انكر فضل الحزن الجنوبي الذي علمني البوح .. ولا انكر .. مكتبة وجدتها ضاجة ً بالتراب في بيتنا العتيق .. ولاانكر وجودي وخلقي في وطن اينما التفت َ وجدت الصور والجثث الشعرية ملقاة ً على الارصفة .. ولم افعل شيئا إلا أني اصبحت ُ الناطق الرسمي باسم كل شيء .. فكان لهم الفضل .. وعلي البقاء .
كلمة اخيرة:
– بداخلي رغبة كبيرة لأن أسبـــّك بقوة .. وعمق .. وفحش .. لأنك أثرت اعجابي بأسئلتك المبدعة ..
لكني سأكون كلاسيكيا وأقول : ش …. ك ….. ر ….. ا ً ……

عن موقع الناس على هذا الرابط

http://www.alnaspaper.com/inp/view.as

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *