السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

ما زال العاصي يعزف على قيثارة الذاكرة الشعبية

ما زال العاصي يعزف على قيثارة الذاكرة الشعبية

العاصي في التراث الثقافي العربي

الصوفي

نهر العاصي من أهم أنهار بلاد الشام جمع بين مدن سورية الوسطى برابطة قوية ( حمص وحماة وجسر الشغور وإنطاكية ) بقيت هذه الروابط محل أخذ وتجاذب وخلاف واتفاق وحوادث ونوادر لا تنتهي ما بقيت مياه العاصي تجري بينها.
وقد ساهم المؤرخون والرحالة العرب في تحديد معالم هذه الروابط وصياغة مواقفها ونتائجها المختلفة فمنهم من عد نهر العاصي نهراً لمدينة حمص ومنهم عده نهرا لمدينة حماة ومنهم قال إنه نهر لإنطاكية فعملت هذه التوصيفات على تأجيج الخلافات والمنافسات على الاستفادة من مياه العاصي وخاصة بين الجارتين مدينتي حمص وحماة …
نهر العاصي جمع مدن سورية الوسطى برابطة قوية وخاصة مدينتي ( حمص وحماة ) بقيت هذه الروابط محل أخذ وتجاذب وخلاف واتفاق وحوادث ونوادر لا تنتهي ما بقيت مياه العاصي تجري بينها
ورغم أن نهر العاصي أقل شهرة بين أنهار العالم إلا أنه أكثرها إثارة، وغرائبية بدءاً من الأساطير التي رويت عن مسمياته، ومروراً باتجاهه من الجنوب إلى الشمال الذي يخالف أنهار العالم، وانتهاءً بحضوره القوي في التراث والذاكرة الشعبية.
والمنازعات الشديدة بين مدينتي حمص وحماة على مياه نهر العاصي أضفى على النهر ظلالاً طريفة، ومثيرة ومشوقة في الوقت ذاته، فاشتهرت أخبار الصراع الحمصي الحموي على النهر في كتب الرحالة والمؤرخين مترافقة مع أخبار وفكاهات الجدبة الحمصية الذائعة الصيت.
ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان عن نهر العاصي بقوله: ” العاصي بالصاد المهملة وهو ضد الطائع، وهو اسم نهر حمص وحماه، ويصب في البحر قرب إنطاكية، وقيل سمي بالعاصي لأن أكثر الأنهار تتجه نحو الجنوب وهو يتجه نحو الشمال …”
وقال: ” وسمي بالعاصي لأن ضفافه أعلى منه فيأبى أن يرويها إلاّ بالاحتيال عليه، والحمويون احتالوا على النهر بالنواعير التي تدور فيه، وهي تغني له فتسرق منه المياه وتسقي بها الضفاف دون أن يدري فقال فيه الشاعر:
عصى فلم يسق أرضاً من حدائقهم إلاّ بحيلة وسواس النواعير
وذكر التلمساني عن الأديب أبو جعفر الألبيري قوله في حمص:
حمصٌ لمن أضحى بها جنّةٌ يدنو لديها الأمل القاصي
حلّ بها العاصي ألا فاعجبوا من جنّةٍ حلّ بها العاصي
المؤرخون يوزعون تسميات العاصي بين كونه نهر حمص أو نهر حماة، وغيرهم يقول نهر إنطاكية وآخرون يجمعون بين كونه نهرا لحمص وحماة في الوقت ذاته ويتفق الجميع على تسميته بالأرنط لأنه يجري بعكس باقي الأنهر من الجنوب إلى الشمال، ويبدو أن تسميات العاصي كانت تختلف حسب المنطقة التي يقع فيها من منبعه إلى مصبه …
ولم تخلو مسميات العاصي من حكايات وأساطير غرائبية كثيرة أشهرهاذكر بعضها الخوري أسعد في تاريخ حمص فقال:
قيل سمي العاصي ( مرسيّا ) ويروى عن هذا الاسم أسطورة تقول: إن مرسيّا اسم فتى جميلاً وسيماً كان يجيد العزف على الشبّابة ( المزمار ) وكان يجلس على ضفة النهر ويعزف ألحاناً ساحرة، فغضبت منه الآلهة ( أبولو ) وقبضت عليه وذبحته وسلخت جلده وعلقته على شجرة على ضفة النهر فسمي النهر باسمه (مرسيّا).
ويذكر أن النهر كان يسمي ( طيفون ) وهو اسم ينسب تنين ضخم كان يسير في الأرض في وادي العاصي، فتعرّض للصواعق، فخاف منها وحفر الأرض ليختبىء فيها، فتفجر ينبوعاً جرى ماؤه وشكل نهراً سمي بـ( طيفون ).
وقيل سمي ( أورانتس ) نسبة إلى جبّار هندي هزم جيش الإله ديونيس فقبض عليه الإله وأغرقه في النهر فسمي باسمه.
لقد شكل نهر العاصي تراثاً ثقافيا وحضاريا واجتماعيا مهما لمدن وادي العاصي كان أهما وأكثرها إثارة واشتهاراً الروابط التاريخية والسياسية والاجتماعية والشعبية التي جمعت بين مدينتي حمص وحماة والتي تعود جذورها إلى ما قبل الفتح الإسلامي واستمرت وتطورت وأخذت منحى متغيراً وأكثر وإثارة بعد الفتح الإسلامي.

حرب النواعير

لم قتصر الأمور على مياه العاصي ذاته بل تجاوزتها إلى التنافس على إقامة النواعير على النهر فقد ذكر أوليا جلبي عن النواعير على العاصي في رحلته كما نقل عنه وصفي زكريا في كتابه ( رحلة أثرية )، قال: ” في حماة نواعير عظيمة يسمع أنينها من بعيد أعظمها المسمّاة المحمّدية تمدّ المدينة بالمياه، ويتعلق الغلمان بها ثم يلقون بأنفسهم ويغوصون في الماء…”
وقال عن ناعورة حمص: ” يأتي الماء إلى حمص بساقية شقت من العاصي وفيها مدارس وكتاتيب وخانات وحمام واحد يأتي إليه الماء من ناعورة ركبت على العاصي …”
وتذكر الذاكرة الشعبية أسباب عديدة لإقامة ناعورة حمص وسط المدينة في القرن الثامن عشر ثم هدمها في منتصف القرن العشرين منها ما يقال إنه بعد غفلة طويلة انتبه الحمصيون من غفوتهم وسمعوا عنين النواعير الحموية، وشغل بالهم عنينها وشجوها الذي تغنّى فيه الشعراء، فاشتعلت في قلوبهم غيرة حمصية شديدة من نواعير الحموية فقرروا أن ينافسوها، ويصنعوا ناعورة خاصة تعنّ لهم وتشدوا لمدينتهم الألحان الجميلة، فأقام الحمصيون ناعورة كبيرة على ساقية المدينة واستغلوا المياه بشكل جيد لتزويد المساجد، والكنائس والحمامات والسكان بالمياه الصالحة للشرب. ويقال أيضاً إن أهل حمص اغتاظوا من وجود النواعير وسط مدينة حماه التي تسرق لهم مياه العاصي، فقرّروا صنع ناعورة كبيرة نصبوها وسط مدينة حمص ، وجروا إليها المياه من العاصي فأخذت تدور وتعن وتسرق مياه العاصي كما تفعل ناعورة حماه. لكن أجيال حمص الجديدة لم يتحملوا عنين الناعورة طويلاً فملّوا منها، وأزالوها في بداية القرن الماضي عام 1946 …
وكانوا يعتقدون أن الحموية ستقلدهم كالعادة وتهدم نواعيرها لكنهم خذلوهم وحافظوا على نواعيرهم وبقيت تعمل حتى الآن وتشدوا لمدينتهم الألحان الجميلة ما عدا أيام انقطاع مياه العاصي عنهم بفعل الطبيعة وليس بفعل أهل حمص.
ورغم أن الصراع والتنافس بينهما مازال باقياً وسيبقى مادامت مياه نهر العاصي تجري بين البلدين لكنه اتخذ أشكالاً ومجالات جديدة آخرها وأجملها كان ساحة السخرية والفكاهة بالنكت والمقالب وبالأدب.
ـ ومن طريف وعجيب ما ذكر وفي تأثير مياه العاصي على أهل حمص وحماة ما ذكره فتح الله الصائغ في رحلته إلى بادية الشام وصحارى العراق والعجم والجزيرة حيث قال: ” وصلنا حمص فأقمنا فيها ثلاثين يوماً وعرفنا عنهم أن أهلها كرام أصحاء الأجسام أنقياء الدم حمر الوجوه. نساؤهم جميلات وكذلك الرجال إلا أنهم غشماء خلافاً لأهل حماه مع المسافة بين البلدين لا تزيد على اثني عشر ساعة، وهذا الفارق في الطباع ناتج عن الماء مع أن أهل البلدين يشربون من العاصي إلا أن الماء تتغير بمرورها في الأراضي لذا فإن الماء الداخلة إلى حماة زرقاء صافية بينما مياه حمص بيضاء مثل الحليب فعرفنا أن الفرق بين سكان البلدين ناتج عن هذه الحركة “. فتأمل كيف تختلف مياه العاصي بين حمص وحماة فتشكل كل منهما في اتجاه …؟؟؟
ويحكي الحمصيون:
إن وفداً من وجهاء الحموية جاء إلى حمص لبحث موضوع النزاع على حصة كل مدينة من مياه النهر، وبعد مباحثات مضنية بينهما اتفق الجانبان على حل طريف وهو وضع حبل في وسط العاصي يقسم مياه النهر مناصفة بينهما، فتكون مياه الجانب الشرقي من الحبل للحمصيين ومياه الجانب الغربي للحموية؛ ومضى الحموية إلى مدينتهم راضين مطمئنين باتفاقهم مع خصومهم أهل حمص، لكن الحمصيون تشاطروا وفكروا بسرقة حصة الحموية من المياه دون أن ينتبه أهل حماة لذلك، فتجمعوا في منتصف الليل ونزلوا إلى العاصي وأخذوا يغرفون الماء من جهة الحموية ويصبونه في جهتهم، وهم يضحكون فرحين من غفلة الحموية عن حماية حصتهم من المياه.
وبقي العاصي موضوع النزاع الأساسي حتى الآن بين أهل المدينتين وربما لن ينتهي ما دام العاصي يجري بينهما، لكن تمحور النزاع بين الطرفين حول العاصي أضفى على هذه المشاحنات والمنازعات طابعاً فكاهياً جميلاً يستغله كل من الجانبين لمصلحته ويحاول فيه النيل من الآخر وتلعب الثقافة الشعبية دوراً مهماً في تأطير هذا النزاع بين مدينتي حمص وحماة عموماً وعلى مياه نهر العاصي خصوصاً فنسمع قصصاً طريفة وغريبة ومثيرة ترددها الذاكرة الشعبية من كلا الطرفين وتصبح موضوعاً للمسامرات وفكاهة للسهرات في الليالي المقمرة ……

مصطفى محمد علي الصوفي
سورية ـ حمص
بريد الكتروني mohmads953@gmail.com

ناعورة حمص 1945 ناعورة حمتة 1905

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *