السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

قصة تجربة قاسية تنشد إشراق الحياة

تجربة قاسية تنشد إشراق الحياة
……………………………..
اليوسف:الحزن واﻷلم حفرا عميقاً في قلبي وروحي واحتلا مكاناً من الصعب جداً تحريره.
اليوسف:عواطف الإنسان التي فطر عليها لابد أن تغلب على العقل..
……………………………..
……………………………..

غاية الإنسان وهدفه في الحياة أطفاله، فهو في سعي دائم لتقديم اﻷفضل لهم، فمن سعادتهم تشرق له الحياة، ومن آﻻمهم تخلق آﻻمه العظيمة، أمام حرمانهم من أي أمر مادي أو معنوي يصنع المعجزات، ولكنه أمام قضاء الله وقدره يقف عاجزاً مسلماً لحكمته الإلهية.
عبر الحوار التالي يحدثنا اﻷستاذ حسان يوسف عن تجربته القاسية عندما رزقه الله طفلتين مكفوفتين تشرق لهما القلوب بما عوضهما به من ذكاء وتفاعل مع المجتمع وكان بداية حوارنا بالسؤال التالي :
……………………..
1 – أستاذ حسان ديما طفلتك وأول فرحة في حياتك و حياة العائلة، كيف عشتم اﻷيام اﻷولى لصدمة اكتشافكم حرمانها من حاسة البصر؟
……………………..
* كانت أصعب أربعين يوما مرت علينا تلك الأيام الأولى التي تلت قدوم ديما إلى الحياة..
انجلت الحقيقة التي باتت واضحة لا شك فيها،أيام كنت فيها أنا الكفيف بصرا و عقلا و قلباً، ورغم إيماني بقضاء الله و قدره وتسليمي بذلك، إلا أن عواطف الإنسان التي فطر عليها لابد أن تغلب على العقل وعلى كل شيء كانت تدور ضمن فلكه حياتنا من أبسط اﻷمور إلى أعقدها..
……………..

11297465_1617983801750487_2130238004_o

2 – بدأت الصدمة القاسية بقصة ديما وامتدت مع طفلتك الثانية رهف، ماذا تحدثنا عن ذلك؟
………………………
* ولدت رهف بعد مايقارب العامين و النصف على وﻻدة ديما، وقد كانت الصدمة أقل ، حيث امتصت الصدمة الأولى كل الصدمات اللاحقة..
أضحى بيتنا أسود الجدران ، غائم السقف من غير مطر ، عواطف الناس كانت تقتلنا أنا وزوجتي بدلا من أن تقوينا..نظراتنا إلى الأطفال الأصحاء كانت تحرقنا ألما وحزنا على طفلتينا أمام شعورنا القاهر بالعجز…
…………..

11303837_1617983788417155_927882264_o

3 – هل هذا يعني أنك استسلمت بشكل كامل للحزن واليأس واﻷلم؟
…………………..
* الحزن واﻷلم حفرا عميقاً في قلبي وروحي واحتلا مكاناً من الصعب جداً تحريره، إﻻ أنني رفضت اليأس وقررت أن أبدأ بتعليم الفتاتين معنى الحياة منذ الصغر و بدأت بتحفيظهما آيات من القرآن الكريم ومعلومات عامة ومفيدة.
بدأت خيوط الحياة تتفرع من عقليهما و بدأتا تعرفان المجتمع بعد معاناة كبيرة في ألفة الناس و رهبتهما من كل غريب عن أسرتنا الصغيرة.
ثم ألحقتهما بروضة بسيطة في حارتنا بغية دمجهما بالمجتمع مع الأصحاء قبل أن أعرف بوجود مصطلح الدمج الذي تفاجأت بوجوده لاحقا من خلال جمعية المكفوفين في حماة.
…………..

11330480_1617983905083810_184018706_n

4 – كيف كان تجاوب الفتاتين مع ذلك؟
……………………..
* كان تفاعلهما ممتازا حيث نالتا إعجاب المدرسة و حب الاطفال في الروضة.
……………

11311854_1617983918417142_1575336028_n

5 – ماذا عن حالة زوجتك النفسية وموقفها أمام هذه التجربة القاسية؟
………………………
* في البداية فقدت زوجتي كل رغبة لديها في الحياة ولكن بعد أن رزقنا الله طفلنا مراد بعينين بصيرتين استعادت حبها للحياة بالإضافة إلى تجاوب الفتاتين مع الحياة الاجتماعية والعلمية في الروضة مما ساعدها وساعدني للبدء بتجاوز صدمة الخبر الذي جثم على قلوبنا سبع سنوات كانت من أقسى سنوات حياتنا.
…………….

11355363_1617983765083824_214464478_n

6 – كما أخبرتني انتقلت ديما ورهف بعد ذلك من روضة الحي المتواضعة إلى جهة مختصة بحالتيهما وهي جمعية المكفوفين في حماة، كيف بدأ هذا اﻷمر؟ وما التغيرات التي طرأت على الفتاتين من خلاله؟ وكيف كان التفاعل بينهما وبين الكادر التربوي والتعليمي في الجمعية؟
……………………..

11355482_1617983898417144_509790231_n

* بعد تحسن الاوضاع الأمنية في مدينة حماة قررنا إرسالهما إلى الجمعية الخيرية لرعاية المكفوفين و ذلك بعد التواصل مع كادر الجمعية ومعرفة كل التفاصيل والإلمام بها،وبدأت الحكاية التي لم يمض عليها أكثر من 8 أشهر، منذ اليوم الأول في الجمعية بدا أن الفتاتين ستتغيران،لم لا.. قراءة و كتابة و رسم و موسيقا و رياضة، علاقات اجتماعية وأصدقاء من نفس الشريحة، وبدأت الفتاتان تجذبان الأنظار في الجمعية و المجتمع و بدأ الدرس والتدريس و الاندماج و التكيف والتعايش مع الوضع الجديد .
وقد لمسنا إرادة قوية من جميع المدرسات لتكون ديما و رهف وجميع أطفال الجمعية من المتميزين والمتساوين مع نظرائهم الأصحاء.
بعدها بدأت قصة تعلم القراءة بواسطة الأحرف النافرة -لغة برايل- وتعلم الأغاني العربية و الانكليزية وحفظهما السريع لكل شئ واستيعابهما الأسرع للغة برايل بفضل و مساعدة الجمعية من خلال المدرسات بالإضافة إلى تأمين آلة برايل لتكون خاصة لديما و رهف في المنزل على سبيل الأمانة بعد تعذر تأمينها حتى من خارج القطر، علماً أنها كانت ستكلف 400 ألف ليرة سورية لو أمكن تأمينها.
ومن خلال ذلك نستطيع أن نجزم بنشوء علاقة أسرية بين ديما ورهف وجميع عناصر الجمعية من مدرسات و أطفال حيث أصبحت الجمعية بيتهما الثاني إن لم يكن بيتهما الأول.
……………
7 – هل مرت حياة الفتاتين ضمن الجمعية بمراحل مميزة ساهمت بصقل وبلورة شخصيتهما؟
……………………..
* نعم.. وقد كان الحدث الأبرز في حياة ديما ورهف بل في حياة والديهما المشاركة في الحفل السنوي الذي تقيمه الجمعية للمكفوفين و الصم و البكم، حيث كانت ديما و رهف مميزتان في أداء البروفات للفقرات بشهادة القائمين على الحفل، إﻻ أننا اصطدمنا بمطب صغير و هو حكاية خوف ديما من الأصوات العالية للإذاعة وأصبحت مشكلة كبيرة بالنسبة لنا، حيث بات حلم ديما بالمشاركة في الحفل مهددا، ولذلك عملنا منذ لحظتها على إخراج ديما من هذه الحالة و تعاون معنا الجميع في الجمعية من خلال احتواء ديما بوضعها الجديد و من خلال التواصل مع جمعية عيون حالمة للدعم النفسي، اللذين بدورهم حضروا جزء من البروفات، وبفضل الجميع تمكنت ديما تجاوز أزمتها ولكن ضيق الوقت و عدم جهوزية الملابس لم يسمحا بمشاركتها إلا بفقرة واحدة من أصل أربع فقرات كانت مقررة.
أما رهف فقد كانت على المسرح حديث الجميع بأدائها و حركاتها العفوية رغم صغر سنها. وقد كان هذا الحفل مبعث فخرا واعتزاز لنا حضره معظم أصدقائنا رغبة بمشاهدة ديما و رهف على المسرح .
…………….
8 – حديثك يجعلني أستشف دورا عظيماً للجمعية في حياة العائلة بشكل عام.. حبذا لو تحدثنا عن هذا الدور.
………………………..
* بعد دخول الفتاتين إلى الجمعية أنشأت صفحة خاصة على الفيس بوك تدور أحداثها حول نشاطات وإبداعات الفتاتين أسميتها ((يوميات ديما ورهف في جمعية المكفوفين)) كنوع من التوثيق والذكرى للمستقبل وأيضاً كي يرى العالم أن المكفوفين هم جزء فاعل في المجتمع ويمكنهم الإبداع في كافة المجالات وذلك انطلاقاً من الدور البارز للجمعية في قلب حياة ديما و رهف رأساً على عقب إن لم أقل حياة والديهما أيضاً حيث أصبحت الجمعية جزء من حياة الأسرة بأكملها وغدت الفتاتان أكثر وعيا و فهما للمجتمع و لمختلف نواحي الحياة، صار مفهوماً لديهما معنى النجاح و الفشل و معنى الثواب و العقاب و معنى الاجتهاد و الكسل و معنى علامة العشرة و حتى ال 9,5.
صار مفهوماً لديهما أيضاً معنى كلمة أستاذ وأنسة وما يلف هذا المعنى من مودة مقدسة.
أيضاً عملت الجمعية جاهدة لافتتاح الصف الأول لأول مرة بداية من العام الدراسي المقبل حيث ستقضي ديما و رهف عاما آخر في الجمعية قبل الاندماج في المدارس العادية و هذا برأي افضل للمكفوفين في هذا السن.
كذلك سيكون للجمعية دور اجتماعي في العطلة الصيفية حيث أبلغونا عن وجود رحلات ترفيهية كل أسبوع مبدئيا لمن يرغب، و هذا دور عظيم لايمكن نكرانه و هو دور موازي لدورهم التعليمي.
………………
9 – هذه المرحلة القاسية في حياتك كانت بداية رحلتك مع الكتابة ودخولك لعالم القصة. ماذا تحدثنا حول هذه التجربة؟
……………………….
* من معاناة قاسية كتبت قصة قصيرة كانت كلماتها نابعة من أعماق الألم في داخلي، وقد كان لهذا الألم دور في ترتيب أحرفها، هي تجربة صغيرة و تكاد تكون الوحيدة، تجربة مؤثرة، شاهدت دموع الكثيرين عند سماعها، بل أدمعت عيناي لدى قراءتي لها للمرة الألف، لكنني في نفس الوقت لا أعتبر نفسي دخلت عالم القصة فهي تجربه وحيدة لا أكثر.
…………………..
10 – هل تفكر بالاستمرار ضمن هذه التجربة وإن كان من خلال كتابة قصص بمثابة مذكرات لمراحل حياة ديما ورهف كونك أنشأت صفحة خاصة بهما على الفيس تتحدث من خلالها عن يومياتهما؟
…………………….
* لمشاغل الحياة دور كبير في تقصيري عن الكتابة ومع ذلك قد تكون هذه التجربة حافزاً لتجارب أخرى، وقد تمر مواقف مؤثرة ستجعلني أكتب حتماً، فالكتابة ترتبط بما يشبه الوحي المرتبط بحادثة أو موقف، وقدكتبت شيئاً ما عند تفوقهما و حيازتهما على تقدير من إدارة الجمعية.
…………….
11 – كلمة أخيرة :
……………………..
* بنهاية الحديث لابد من توجيه كامل الشكر والامتنان لجميع مفاصل الجمعية:
د . غزوان مرعي رئيس الجمعية
أ.سميرة الحنيش مديرة المدرسة
أ.بسمة قرة محمد صاحبة الفضل الأكبر و هي المدرسة المسؤولة مباشرة عن ديما و رهف.
المشرفة فضيلة البني.
المدرسات: روعة الابراهيم، أميرة باشوري، رويدة العطار،نعمة النعسان، علا شاكر، منى الصباغ.
والشكر الأعظم لوالدتهما المعلمة الأولى والأخيرة و صاحبة الفضل الكبير في وصول ديما و رهف إلى هذه المرحلة…
…………………………..
* رغبة مني بالإلمام بالموضوع من كافة الجوانب سألت اﻷنسة بسمة قره محمد المدرسة المباشرة للفتاتين عن وضعهما وتفاعلهما بشكل عام واحتياجات المكفوفين اﻷساسية والضرورية فقالت لي:
…………………..
– خلال عملي كمعلمة في الصف الأول التحضيري للمكفوفين
أجد دائماً كمثيلاتي من المعلمات طالباً ذكياً يجذب اهتمامي
يملك بداخله شعلة من حب الفضول والاكتشاف والتعطش لتعلم المزيد سابقاً بذلك أقرانه.
هذا العام كان لدي الأختين رهف وديمة اللتان جذبتاني بعفويتهما وذكائهما العالي والقدرة العجيبة على التقاط المعلومة عدا عن اتقانهما البارع للغة برايل
وبالإضافة إلى عبد الهادي أبو العنز الذي أظهر تفوقه في في مادة الرياضيات لدرجة البراعة.
أما لاحتياجات المكفوفين فأهمها:
قلة توافر آلات برايل وصعوبة الحصول عليها والسبب الأول العائق المادي لذلك نحن بحاجة للأيدي الخيرة البيضاء، وبحاجة لمتطوعين لكتابة وتسجيل المناهج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *