السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

حكاية ليست للذكرى

10574_130538320487449_1251550361_n

خيوط الشمس تخترق بإصرارٍ عنيدٍ عينيَّ الناعستين . و تُسقِط حواجز الجفون التي تغطي عيوناً أنهكها السهر و الترقـُّب المصحوب بخوفٍ دفين و بحماسةِ شبابٍ يملؤهم توقٌ إلى بطولةٍ يَلِدها الخيال و تمجدها الأحلام

و تهدد فرحتها الأوهام …. أذكر هذه المشاعر في صورة لطالما عبَرت على دروبٍ سِرْتُها في عمري و ترَكَتْ آثارها على مركبة أيامي ، و كأنها إصرار الماضي على البقاء في وجه نسيان اليوم و تطلعات الغد .. هذه الصور أستقدمها من العام (1981) و أنا طالب في المرحلة الثانوية ، إذ كنّا – و لأننا أعضاء في اتحاد شبيبة الثورة مثل أغلب شباب ذاك الزمان – نقوم بمناوبات لحراسة مقر الرابطة في باب النهر في المكان الذي كان و عاد اسمه اليوم ” مفوضية الكشاف ” … تلك الليلة بقينا جميعاً ساهرين بسبب بلاغ غير أكيد بهجوم متوقع … الصورة التي لا أنساها و أنا على شرفة ” المفوضية ” و ناعورة المحمدية خلفي و مسلخ حماة القديم عن يميني و جسر طاحونة باب النهر عن يساري ..وأمامي من الشرق تتضح شيئاً فشيئاً صورة قطعان من الغنم يسوقها ” مَن يسوقها و لا أدري إن كانوا مالكيها أم أجراء .؟؟ ” و مع أعمدة خفيفة الكثافة من غبارٍ أظهرته أشعةُ الشمس سحائبَ من دخانٍ أبيض لكنه لا يعلن عن خبرٍ سار بل عن مسيرة أغنام نحو المسلخ .. نحو موتها .. نحو خاتمة محتمة لرحلة التسمين و الرعاية .. مع صورة الأغنام تتدافع لتسبق بعضها بعضا نحو النهاية ، مع التسابق كانت تصل إلى مسمعي أصواتٌ لا تشبه الثغاء و لا البكاء و لا الغناء … أصواتٌ أشعر أنّي أسمعها اليوم …. أدباً أقول : ” لا أدري لماذا حضرت هذه الحكاية .؟ ” … و لكن أنا أعلم و أنت تعلم و صاحب الفعل لا يعلم أو لا يهمه أن يعلم لماذا أستذكرها اليوم .
على باب المسلخ يحاول أحد الكباش أن يهرب فيمسكه أحد “عمّال الذبح ” بقوةٍ و استبسال و غضبٍ ممزوج بنشوةِ انتصارِ رجولته على هذا الخروف المتمرد أو تلك الشاة المرتعبة المتقاعسة عن التقدم وفق ما يُراد لها .. أسمعه يخاطبه مُزمجراً : ( وين رايح ولا .؟؟ شو مفكر حالك ..؟؟ مسكين ما عرفان حالك مع مين وقعت … إنتَ وقعت و ما حدا سمّى عليك ..بس أنا رح سمّي عليك .. ) ثم يرميه بشراسة إلى داخل المسلخ جاعلاً إياه عِبرةً لباقي الخراف حتى لا تجرؤ على التفكير بالمواجهة أو الهرب أو حتى إبداء الخوف و الانزعاج .. زئير عمّال المسلخ يتفوق على رائحة الدم الطازج في مجاري المسلخ و الروث المتناثر على بلاط المدخل .. إنّهم يؤدون مهمتهم النبيلة .. فلولا الذين ربّوا الخراف – بل ربّما كانوا سبب وجودهم أصلاً عبر عمليات تلقيح صناعي – و لولا الذين باعوا و اشتروا و لولا الذين يذبحون و يسلخون و .و.. لولاهم لما حضر اللحم على موائد الأغنياء و لا جادوا بالبواقي على الفقراء .. و لا حضر في الأفراح و لا في موائد العزاء .. و لا في أضاحي الأتقياء و لا في نذور النبلاء لتحقيق الأماني و رفع البلاء .. و لا حضر الصوف في المفارش و الطنافس و الملابس و..و..
ارتفع الصوت في داخلي يقاضيني و يحاكمني بالحجة و بالبرهان و بالدليل القانوني و الشرعي ، و تراكمت الأسئلة تنهال كسياطٍ بيد جلاّد يرى نفسه على حق بل يرى الحق كلَّه في نفسه و في كل ما يفعل أو يقول أو يفكر أو حتى بما يحلم : لماذا تستنكر دورهم و هم يقومون برسالة عظيمة و شريفة .؟؟!! .ألم يعطِنا الله سبحانه و تعالى سلطاناً على الأرض و الكائنات ..؟ هل تعارض شرع الله .؟ حاشا .. حاشا .. و إذا كنت تستهجن بشاعة الذبح أريد أن أذكـِّرَك بأنَّ كلَّ ما تعلمته في الطب البيطري من طرائق حضارية و ناعمة و صحية في الذبح من صعق و تخدير و تسكين و تحضير ليست إلاّ تجميلاً للفعل نفسه .. فلماذا هذا الإدّعاء ..؟؟ و لماذا تعيب على الغنم استسلامه و انتظار دوره في الموت واحداً تلو الآخر على طريقة أحجار الدومينو .. ربّما لدى كل خروف أو ثور مبرراته المقنعة .. ربّما يردُّ الجميل لمن أوجده و ربّاه .. و ربّما فكر بذلك الطفل الأشقر الذي سيفرح بلحمه اللذيذ في وجبة ” همبرغر ” أو شاورما ” ..؟؟ أعجَب منك وأنت تردد : ” إذا كان الطبيب البشري يخدم الإنسان فالطبيب البيطري يخدم الإنسانية ” كيف هذا بدون ذبح .؟؟؟؟ تأمّل في نتائج الذبح الرائعة على الإنسانية … يبدو أنت تفتش عن شكل لا يخدش مشاعرك المدجّنة ، و لكنَّك في الحقيقة تستفيد أنت و غيرك من هذه الحالة .. لماذا تـُنكِر الحق على عدد من المنتفعين و المستفيدين من هذه الأعمال ..؟؟؟ لماذا ..؟؟؟ حقاً .. حقاً .. لا أدري لماذا ..؟ لمَ لا تفهم سر صمت الأغنام و عظمة أعمال عمّال المسلخ الأجراء الذين يعتاش من ورائهم كثيرون ..؟؟؟ لمَ لا تفهم سر العجز في الفعل و لا سر الديباجة المنمّقة في القول و لا سرّ البكاء و لا الغناء و لا الإحباط و لا الرجاء …؟؟؟؟!!!!
أجابت الغصة في حلقي : نعم .. نعم لم أفهم كلَّ ما ذكرت . لم أفهم سر الصورة التي مرت على خاطري و لا رسالة الحكاية التي أرويها .. و حتى الآن لم أفهم حكمة الأغنام و مسيرتها نحو الهلاك برضا و سلام ..؟ بل إنّي لم أفهم حتى الآن كيف صار واحدٌ منها قادراً على كتابة هذه السطور أو نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي ..؟؟؟ حتى الآن لم أفهم .. فهل تساعدوني ..؟؟؟؟!!!!!! .
صباح 23-أيار – 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *