السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

حين يمضي من نحب ….ولغة مجبولة بالأسى والحزن

مرة أخرى يقع بين يدي الكتاب الذي يضم أشعار الإعلامية الراحلة فريال نصر الصالح المعنون بـ” حين يمضي من نحب ” أقرأ ما فيه بشغف من يبحث عن سر الدمعة وتلك المساحات من الحزن في عيني إنسانة عشقت الحياة بكل شغبها الطفولي لكن الحياة خانتها وسرقت منها عمراً كان يمكن أن يكون مليئاً بالعمل والكتابة والإبداع ..

ولأنها عشقت العمل فقد قاومت مرضها طويلاً وتحدته لكنها في النهاية لم تستطع الانتصار عليه تقول في مقطوعة شعرية لها عنوانها ” عندما قررت أن أموت ” :

لن أموت وفي الزمن الجديد شتاء أجمل وعواصف أنقى

لن أموت إلا إذا كان احتضاري بداية جديدة ..

لن أموت وفي قلبي اتساعات الفرح في العيون العاشقة

لن أموت وفي البراري الواسعة..

متسع للخيال الحزين

لن أموت وفي مشاتل القلب

ياسمين لم يتفتح بعد..

ويبدو أن الغربة التي أثقلت عليها في سنوات دراستها في روسيا البيضاء ، والحنين الذي كان يضج بداخلها إلى الأهل والوطن جعلها تعيش في وحدتها تائهة حزينة لا تعرف درباً للوصول إلى السعادة لذلك نراها تحاور وحدتها بقلب مجروح وشريان نازف :

اعذرني لأني بحجم الأرض حزينة

اعذرني لأني بحجم السماء .. تائهة

اعذرني

لأني بحجم المحيط .. أحمل في عيني دمعاً

اعذرني

لأني بحجم كلمات الحب في كراريس العالم كله

أحاور وحدتي .. وحدتي

وأعانق غربتي

مازلت من سنوات وحيدة

ولأنها مجبولة بالحزن والفراق على وطن تركت فيه كل من تحب نراها دائماً تتشوق للقائه وتهفو روحها لأرض ضمت طفولتها وفرحها ولعبها لهذا تنادي ولا نعرف من تنادي لتقول :

كوني بلادي

كوني مطراً

سماء

شمساً أو ريحاً ..

كوني فيّ ..مني

إلي.. تعالي .. اشهدي

معي خطو غيابي

.. لحن رجوعي ..

وتعيش فريال نصر الصالح قلقها وأوجاعها وخوفها ” حين يمضي من نحب ” تشعر بقسوة الرحيل .. تفلسف ذلك بلغة من يعيش تلك اللحظات القاتلة التي تطبق على الروح وتحولها إلى ارض خاوية :

حين يمضي من نحب

يصبح للأوقات لون واحد

وللصبح لون الظهيرة

وللظهيرة لون الفراق

يهرب الجمال من العيون .. ويتوسد المرء أحزانه ليطرح في مخيلته ألف سؤال وسؤال :

حين يمضي من نحب

يتوقف الجمال عن التدفق

مع ماء النهر

ويصبح العالم كله سؤالاً

مملاً حجراً قبيحاً

لا وحي .. لا إلهام .. لا ألم !

وفي ” مينسك ” المدينة التي درست فيها فريال الصالح السنة الأولى في بيلاروسيا نراها تعيش الوقت الذي يمضي بكل شحوبه وضبابيته إذ لا ذكريات في هذه المدينة .. وكل اللحظات التي تمضي ببطء أو بسرعة هي شبيهة نفسها إذ لا حلم يضيء في الذاكرة سوى الحبر الذي تتنفس من خلاله وتكتب على الورق ما يدور بداخلها من أفكار وهواجس:

الوقت يمضي ويزداد شحوباً

لا مطر .. أبدي الهطول

في غير .. أعماقي

.. لا ذكرى تخلق الموسيقا

تحت الأقدام

سوى تلك الشجرة الضخمة في مينسك

أيتها اللحظات الراكضة

أيتها اللحظات البطيئة

كم تتشابهين

مع تلك اللحظات القادمة

فلا حلم في غير الحبر

بقي أن نذكر أن فريال نصر الصالح التي غادرت الحياة باكراً كانت في أحاسيسها كفراشة صغيرة تعشق الحقول وتكره أن تغادرها لأنها تحب كل الفصول وتخشى من صقيع الموت أن يسكن خلاياها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *