الأحد 20 كانون الثاني 2019 : صدر العدد السنوي 2019 ضمن سلسلة اصدارات موقع مجلة كفربو الثقافية , فأهلا وسهلا بكم في موقعكم لتصفح المواد الثقافية المميزة ..  * 

مقاهي مدينة حماة قديماً وحديثاً 

تُعَدُ المقاهي ملتقى العامة من أبناء البلد وكذلك الغرباء عنها أيضاً، يقصدها الناس هرباً من البيوت والمنازل طلباً لاستراحة أرواحهم المتعبة بعد شقاء يوم عمل والاسترخاء والتحادث في لقاء حميمي مع الأصدقاء يلعبون فيها النرد أو الورق ويستمتعون بتدخين نفس نارجيلة وتناول مشروب ساخن او بارد، فالمقهى في مفهومه يقوم على المعايشة الحياتية.

شهدت في طفولتي كيف كان المقهى مفعماً بالحيوية مولعاً بالبهجة يفيض بالناس. كانت أكثر كراسي المقاهي من الخشب والألياف النباتية ومنها الصغير والكبير ومن المقاهي قديما ما كان يسمى مقهى “الحكواتي” يرتاده الناس للاستماع إلى قصة عنتر بن شداد والزير سالم وابو زيد الهلالي، وكان يقوم في الأحياء الشعبية قرب جامع الأحدب وهو مقهى شعبي يصعب جلوس المثقف فيه فقد يصيبه احتراق نفسي لأنه يبدو غريبا بين جلاسه البسطاء في رقي فهمه وسمو تفكيره. وقد تحول فيما بعد الى مقهى “الحميماتية” حيث كان يجتمع فيها كل من يهتم بتربية وكش الحمام، وكانوا يبيعون فيها ويشترون ويفضون النزاعات في خلافات الحمام الأسير وقبلا كان مسرحا لخيال الظل “كراكوز وعيواظ”.

في عشرينات القرن الماضي كان هناك في مدخل سوق الطويل من بدايته شمالاً قهوة البرهانية ويذكر انه قد غنى فيها محمد عبد الوهاب ومنيرة المهدية وغيرهم من مشاهير مطربي مصر. ثم كانت هناك أيضا مقهى “العادليه” ذات الثلاث واجهات البلورية الأنيقة والجميلة وكان لهذا المقهى اثر اجتماعي كبير على البلدة فقد كان بمثابة مدرسه ثقافيه أنجبت شعراء وفكراً وورقاً وحبراً، وجامعه شعبية تخرج منها أدباء وفصحاء وضباط ووزراء وأكاديميين.

ثم كان مقهى “عبود” الذي كائنا أمام مركز الموقع، ولعبود هذا حكاية فقد كان رجلاً وطنياً كان محله في فتحه وإغلاقه مؤشرا على الوضع الأمني بالبلد في عهد الانتداب الفرنسي فإن فتح أبوابه فتحت محلات السوق وتبعتها البلد، وإن ظل مغلقا بقيت أبواب المحلات مغلقه في إشارة أن اليوم إضراب، ومن طريف ما ذكر عنه أنه ذات مرة اشتكل عليه الأمر بين فتح وغلق وكان زعيم حماه المرحوم د. توفيق الشيشكلي في سجن “الشرفه” الثكنه سابقا موقع “البرناوي” فما كان من عبود ألا أن طلب مقابلته وتمت المقابلة لكن من بعيد دون مواجه مباشرة ومن دون كلام مشافهة بينهما بالإشارة فقط وبحضور فرنسي وانتهت وعاد عبود بعدها وفتح محله وفتح السوق، ولما سأله الناس وكيف عرفت من الزعيم ان نفتح محلاتنا ؟ أجاب بيني وبينه لغز الجاكيت فإن فتح أزراره فالوضع فتح محلات وان زرها فإضراب.

ثم كان مقهى “ناصيف” في أول سوق الطويل المنفتح على ساحة باب البلد. ثم كان هناك مقهى “الفرا” في الدباغة مقابل باب جامع السلطان الشرقي، وكان كبيراً وشتوياً فقط. ومقهى “الصالون” على امتداد مقهى “الروضه” وتليه سينما “الصالون” التي تحول اسمها إلى سينما “دنيا”.

ثم كان مقهى “أبي الفداء” في فسحة فندق ابي الفداء “الذي بني في العشرينات” وكان شتويا وصيفيا وفي جناح منه كان مقهى يسمى”المنتدى الأدبي” يجلس فيه المثقفون و الشعراء. وقد شغل الحزب كل البناء لفترة ثم انتقل لبنائه الحديث الحالي, ولا أنسى أنوار المقهى المتلألئة وخاصة في فصل الصيف واكتظاظ رواده وصوت النادل يلعلع “قهوة، شاي، ناره، اركيله عجمي” يطلبها من البوفيه ومشيته البهلوانية وهو يحمل الطلب في صينية.
كانت طاولات المقهى رخامية واباريق الماء نحاسية وكاسات الشاي مخصورة عراقيه، وساقي القهوة المرة في لباسه الشعبي والشال ولفة الرأس العجميه وطرطقة الفناجين بايقاع راقص والشوارب المفتوله لوحة رسم لاأنساها. كنت تسمع زقزقة العصافير على الشجر الملتف لكأنها مقهى للعصافير في اجتماعها الغريب مماثلا لمقهى البشر.

ثم كان هناك مقهى “الغزالة” عند جسر المراكب في إطلالته البديعة على العاصي وناعورة المأمورية وحجريتها وقناطرها العاليه ثم ناعورة الجسرية في منظر بهي أخاذ قل نظيره في العالم بأسره فأنت تجلس في حضن التاريخ وحضرة جمال وسحر الطبيعة. 
ثم كان هناك في الخمسينات مقاه صيفيه مثل مقهى “النصر” وكان يقع على سطح بناء المصرف العقاري سابقا الذي كان كائنا في شارع القوتلي. ومثله كذلك مقهى “الأمير” على سطح امتداد بناء سينما “الأمير” عند بداية شارع القوتلي وكان احيانا صالة صيفية لعرض الأفلام السينمائية.

وفي منطقة الحاضر من المدينة نلاحظ قلة المقاهي لابتعادها عن سحر النهر وجمال الطبيعة لكن نذكر منها مقهى “جلالة” ومقهى “زبابو”، ثم قهوة “المراح” في منطقة الحاضر “الجب الارتوازي” التي ازدهرت في بداية ستينات القرن الماضي وكانت مقصد أهالي حماه في الصيف لهوائه الطلق وملقى الغرباء القاصدين حماه لشرب ماء الارتوازي، وفي هذه الفترة من حياه حماه نشطت الفنادق بكثرة حتى أن شققا سكنية في منطقه الحاضر أحالها أهلوها إلى فندق ولكنها انتهت تماما وعادت لسابق عهدها دورا للسكن بانطفاء ظاهرة الجب الارتوازي.

وحماه كنز من فتنة الطبيعة وعبق التاريخ وكانت مقصدا للأغراب للنزهة والترويح عن النفس فقد كانت المقاهي تحف بضفتي النهر وتكثر قبالة النواعير لمنظرها الأخاذ فمقهى “الروضة” قد انشىء قديماً عند جسر المراكب يقصده الناس للجلوس ثم لركوب المراكب في رحلة نهرية حتى نواعير “البشريات” ثم العودة وتكثر هذه في عيد الربيع والأعياد الدينية ثم كان يلي مقهى “الروضة” من الشارع المؤدي إلى شارع “أبي الفداء” وفي مدخل حي “الطوافره” سينما “الدنيا” وكان قبلا اسمها سينما “الصالون” واليوم هي مقهى تحت اسم مقهى “المأمورية” تشرف على الناعورة.

في فترة ثمانينات القرن الماضي احدث مطعم ومقهى “السلطان” لصاحبه من آل الحمود في مكان بيمارستان النوري يشرف على “الكيلانية” وجسرها ونواعيرها لكنه أغلق كما أغلق مقهى وتيراس افاميا في الجهة ألمقابله تحت فندق افاميا والمشرف على منظر ساحر بديع جمع بين منظر جامع النوري وناعورة الجعبرية والكيلانية والصاهونيه ومنتزه القلعة.
وكما أسلفنا امتدت المقاهي على ضفاف العاصي فهناك مقهى ومطعم المقصف “الأربع نواعير” وقد بني في نهاية خمسينات القرن الماضي والمشرف على ناعورة البشريات وقبله مقصف “البستان” قبالة نقابة المعلمين.

ثم كان هناك مقهى صغيرا في منتصف الخمسينات الماضية اذكر انه كان يقدم السمك الطازج المقلي يقطعه امام الزبون من سمكه كبيره فراتيه كان يعلقها كلحم الجمل عند القصاب ثم كان يقدم أيضا سمك العاصي وسللور الغاب وكان مقهى يسمى “مقهى الشيخ وز” وصاحبه بالأصل نجار نواعير. ثم إذا تابعنا السير باتجاه الغرب صادفنا مقهى “الأطلال” قبالة البلدية قديما ورئاسة جامعه حماه اليوم. ولو تابعنا سيرنا حتى منطقه المدينة لصادفنا مقهى “بتراس جميل” عند ناعورة الدهشة بإطلالة حلوة على جامع ابي الفداء الأثري “تيراس الطله”. 
ثم نتابع حتى ناعورة المحمدية اكبر نواعير حماه وهناك تستريح الروح وتحلق في روعه المنظر الرائع فأنت فوق مقهى “الجزيرة الخضراء” يحيط بك النهر وفي بعض من مساره يشكل شلال ماء يتدفق وأمامك منظر البرناوي وكهوف محفورة في الصخر تدلل على وجود إنسان سكن حماه منذ العصور الحجرية وعلى طرف المنظر القلعة الرابضة كعين ساهرة تطل على حماه من عل. انه المنظر الذي لاينساه ابن حماه فيثير به الحنين شوقا الى بلده ان كان قد خطفته الغربة وابتعد عنها.

وتتابع حماه اللحاق بتحويل البيوت القديمة في الحارات العتيقة الى مقاصف ومطاعم وفنادق كمقهى ومطعم “اسبازيا” في الطوافره ومقهى ومقصف “بيت الشرق” في باب طرابلس، وهناك مقهى ومقصف “المحطة” في منطقة بناء محطة القطار. ودرجت تقليعة مقاهي الرصيف أمام محلات بيع البوظة والكاتو كما في منطقة الأندلس وعند القلعة ثم ما يشبه المقهى بتأجير كراسي وتقديم مشروب مرطبات او ساخن في أماكن الإطلالة من حماه كما في إطلالة البرناوي والشريعة حيث المتعة البصرية في فضاء رحب من الخضرة والسهول والأشجار والبساتين.

ونذكر المقاصف التي أحدثت على طريق حمص مثل “سيزر” و”مركز العائلة قيطاز و”أمانوس” و”الضيعة” و”طريق الحرير” وكلها مطاعم ومقاهي ومنتجعات سياحية وفي البعض منها مسابح ومكيفه ومجهزة بفرش وثير وملاعب اطفال. والجدير بالذكر أن بعضا مما ذكرناه من المقاهي وخاصة في سوق الطويل وفي بعض أماكن من المدينة قد انقضى عهدها ومر عليها الزمان فصارت من الذاكرة.

كانت بدعة جلوس المقاهي للرجال فقط فتعدتها اليوم إلى النساء أيضا، فهي قد صادفت هوى في نفوس بعضهم بل قل أكثرهم، فانتشرت كما في بعض من البلدان حتى قيل في كثرتها انك تجد بين المقهى والمقهى مقهى ثالثاً. وبات الجلوس على المقاهي سنَّة لا ينقطع عنها بالليل ولا بالنهار. لكن آخرين صرحوا وقد ادر كتهم الشيخوخة بأنهم لم يجلسوا في مقهى قط بل ويستنكرون الجلوس فيها ويجيبون وهل ضاقت بنا البيوت لنجلس في المقهى ؟!

ساهمت المدنية الحديثة بشكل كبير في جعل المقهى ينسلخ عن قيمته، فقد أصبح الآن للتجارة. واللافت للنظر بدعة ظهور مقاهي “الانترنت” حيث أن معظم مرتاديها تقل أعمارهم عن العشرين سنة فغالبيتهم من فئة عمرية حرجة وعلى الرغم من أهمية هذا النوع من المقاهي في مساعدة الشباب على فهم تكنولوجيا المعلومات، فإن لها سلبيات خطيرة عليهم لاسيما الاستخدام السيئ لهذه التكنولوجيا من خلال الدردشة، أو الدخول إلى المواقع الجنسية أو كسر برامج حجب المواقع الممنوعة.

كانت المقاهي قديماً بحق حقول خصبة للنقاشات، ومهد لولادة الأفكار والنصوص، وزاد المعارف، ففي لقاءاتها تصحيح للكثير من الأفكار والنصوص، عدا عذوبة اللقاء الشخصي والإنساني للجميع ومعرفة أصدقاء جدد، ومعارف جديدة تثمر نقاشاً وحوارات فكرية جدية أو تخلق حراكا ثقافياً. ونسأل ونحن في أتون أوجاع الحياة وشقاوة العمر وابتلاء المحن هل سنستعيد صورة من صور الزمن الجميل الذي مضى .. ؟! واليوم لا يمكن أن يقدم المقهى رافعة روحية لظاهرة التردي في سلوكيات مجتمع حيث في أكثرها قد اضاعت القيم واجتاحته محن الواقع الأليم وأوجاع الحياة وما أكثرها، فكل شيء يدعوا الناس باتجاه عزلة الجدران آو الاعتزال امام وسائل الاتصال .. ولا حول ولا قوة الا بالله.

*بالصورة المرفقة يظهر مقهى الصالون الذي تحدثنا عنه.

خاص لصفحة:
حماة ناشونال جيوغرافيك – National Geographic Hama

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *