السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

في محراب القصة القصيرة

 

إذا كانت القصة على حد تعريف الدكتور محمد يوسف نجم هي مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب، وتتناول حادثة واحدة أو حوادث عدة تتعلق بشخصيات إنسانية مختلفة تتباين أساليب عيشها وتصرفها في الحياة على غرار ما تتباين حياة الناس على وجه الأرض، وإذا كانت القصة تجربة من تجارب الحياة يسوقها الكاتب إلى القراء ليسترشدوا بها ويستفيدوا منها فإنه ليس من المؤكد أن كل تجربة إنسانية تصلح لأن تكون قصة وليس كل مجموعة من الأحداث يرويها صاحبها يمكن أن نطلق عليها قصة، إذ إن الفن القصصي فن بالغ الحساسية له أسلوبه وهيكله المتماسك الذي يتطلب من القاص أو الكاتب تكون لديه المقدرة على نقل القارئ إلى أجواء الأحداث وجذبه بحيث يتابع مجريات القصة حتى النقطة الأخيرة، ويحدث ذلك فيما لو استطاع القاص أن يحبك أحداث قصته حبكا متماسكا وأن ينقلها إلى القارئ وكأنها تحدث على أرض الواقع وذلك لكيلا يعزف القارئ عن المتابعة.

وبالتأكيد فإن ذلك يعني أن القصة ليست مجرد عرض لكتب التاريخ أو أداة للوعظ والإرشاد، كما أنها ليست مجرد تلخيص لبعض أفلام الميلودراما، بل هي أسمى من ذلك وأكثر دقة.وإذا كانت القصة فنا بالغ الحساسية فهي في الوقت نفسه لوحة ملونة تتآزر فيها العديد من العناصر، فالقاص يأخذ مقدارا معينا من كل جانب، فهو قد غاص في بحور اللغة الشعرية المستخدمة في القصيدة، وأخذ من المقال منطقية السرد ودقته، ومن لحظات الرواية استل لحظة درس نبضاتها وأبعادها، وأصغى إلى الموسيقى فأضفى منها على قصته لمسة من الإيقاع اللاهث، ومن علم النفسر انتقى شخصياتها المتفردة الوحيدة دوما، ومن المسرح أخذ الحوار ودقة اللفظ، وبعد دراسة هذه الجوانب في القصص التي تقدم بها كتابها إلى مسابقة “العربي” والتي نافت على الثلاثة آلاف وستمائة قصة تم الانتقاء، وإلا كانت كتابة القصة سلعة في متناول الجميع وليست من اختصاص كتاب يشار إليهم بالبنان إعجابا بموهبتهم.

ولو توقفنا مع القصص التي يحتويها هذا الكتاب وهي القصص العشرون التي تمخضت عنها مسابقة “العربي” للقصة القصيرة التي أعلن عنها في يناير الماضي لتجلى لنا جانب إيجابي كشفت عنه هذه المسابقة وهو أن جذوة الإبداع العربي لاتزال تتوقد وتتلألأ، فقد أكدت هذه القصصي أن هناك محاولة عجيبة من الكتاب للخروج عن الأطر المألوفة والتوق إلى الحرية والانطلاق والتجريب.

ففي قصة الكاتب السوري وليد معماري “أولاد العنزة” يقدم الكاتب أشخاص قصته غير المعروفين ضمن حبكة تعتبر هي الإطار العام للقصة التي يدور الغلام في فلك حل لغزها، وهذا ما جعل الكاتب يرصد عادات وأشكال شخصيات قصته التي سردها بلغة بسيطة وأسرة وكأنها إيقاع شعري، وقد اعتمدت القصة على خلفية صلبة ركيزتها الأحداث التاريخية في التاريخ السوري المعاصر، وهذه الخلفية مع الحبكة المحكمة للحدث تزيد في انتشار القصة بين المثقفين.

وإذا كانت القصة الأولى اعتمدت على بعض الأحداث التاريخية في سوريا كخلفية فإن “المزلقان” للكاتب المصري سعدي أمين حسن هي القصة الثانية بأبطالها الهامشيين في صعيد مصر وسط الواقع الذي يعاني من هجمة التطرف والعنف التي تعكر صفو صفحة الحياة، وإلى جانب تتابع الأحداث العادية في القصة فإن الكاتب يحاول الانطلاق والبوح دون قيود، وبعيدا عن الأطر والحدود.

وفي القصة الثالثة “أثناء شرب الشاي” استطاع كاتبها الليبي عمر أبو القاسم شليق وبلغة عذبة ومناسبة أن يعبر عن آلام شرائح عريضة من أبناء مجتمعاتنا العربية، وفي الوقت ذاته وبعد أن أطلق الصوت أسمعنا الصدى، واللافت للنظر أن الرؤية التي قدمتها القصة للواقع لم تكن طويلة زمنياً فهي لم تستغرق زمن شرب كوب من الشاي، وهذه بحد ذاتها سمة فنية جيدة.

ولكي نعطي هذا الفن القصصي بالغ الحساسية حقه، ولأن كل قصة من هذه القصص العشرين تقدم رؤية جديدة وشيئا طازجاً في مجرى الإبداع العربي فقد قدمنا القصص إلى الأستاذ أبو المعاطي أبو النجا وهو واحد من زملائنا الكبار المعروفين بمنزلتهم في نطاق كتابة القصة القصيرة والكتابة عنها وعهدنا إليه بكتابة دراسة نقدية تقرن متعة قراءة القصص بتنوع موضوعاتها بالفائدة، وهذا ما نسعى إليه دائما ..

 

8- الرميحي ,محمد مقدمة كتاب (في محراب القصة القصيرة ) كتاب ربع سنوي يصدر كملحق لمجلة العربي تصدره وزارة الإعلام بدولة الكويت العدد/31/ عام 1998م.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *