السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

الفن المسيحي والبيزنطي المبكر في رافينا

صثقصثصص

لقد سبق أن أقام الإمبراطور اوغستس, مركز القيادة لأسطول روما الادرياتيكي, في ميناء كلاسيس, الفعل الذي كان من شأنه, أنه رفع مكانة وازدهار رافينا المجاورة, كانت رافينا في القرن الخامس, الموطن الأول لإمبراطورين, وتمتعت بمكانة تعادل مكانة عاصمة, تثبتت بعد غزو جوستنيان عام /540/ عندما جعلها قائده بيليزاروس, مركز قيادة (لإكسارشات) مثل بيزنطة, في الغرب يُظهر كلّ من الفن والعمارة في رافينا, خليطاً من تأثير إيطالي وبيزنطي, وأياً كانت الأهمية النسبية للتقليدين, فالنتيجة هي مجموعة فنية من أبنية رائعة, تبدو مزينة بعظمة هادئة.

لقد تسنى لأعمال الفسيفساء, أن تشكل التزيين الرئيس للكنائس الشرقية, لما يقرب من ألف سنة, في رافينا القرنين الخامس والسادس, أخذ التقليد شكله ووجدت كثير من المشاكل, التي تتعلق بالمشهدية (الايكونوغرافيا), والتقانة, حلولاً لها, تعود أعمال فسيفساء الأرضيات بأصولها, إلى أرض الإغريق, وغدت بالغة الشيوع, في العصور الهيلينستية) والرومانية , على كل حال, يبدو أنه نادراً ما استعملت الفسيفساء لغرض تزيين الجدران, فمع نقص الدليل ـ تبقى الأرضيات, بحالة أفضل من الجدران ـ يصعب تشكيل حكم أكيد, حيث تشير الدلائل المتوافرة إلى أن أعمال التصوير الجداري (الفريسك), بقيت الشكل المفضل لتزيين جداري, استعملت الفسيفساء في القرن الرابع, في نصب, وأعمال تذكارية, كما سبق لنا أن رأينا أيضاً, في الرواق كنيسة القديسة كوستانزا, في روما, تماثل أعمال فسيفساء الرواق هناك, بشكل وثيق, أرصفة معاصرة لها, على الرغم من أنه بعد ذلك , بزمن قصير, وربما قبل ذلك, في بعض الأماكن, بدأ استعمال مكعبات زجاجية, بدل الرخام لم يكن هذا النوع مناسباً للأرضيات, لكونه أكثر قابلية, من الرخام, للتكسر, لكنه كان مرضياً, بشكل تام, لأعمال الفسيفساء الجدارية, أخلت الخلفيات الحجرية البيضاء مكانها, للون الأزرق والذهبي (من الزجاج), كما هو الحال, في الفسيفساء للإمبراطورة ثيودورا, ووصيفاتها, لقد اكتسبت الكنائس, في رافينا, وفيما بعد في بيزنطة, تألقاً, مطلقاً, لم يحصل من قبل, جدران, محاريب, قباب وعقود, خلقت فرصاً معقدة, ومتحدية أمام المزينين, واجهوها بخيال واسع, ومهارة. لم تكن العناصر الفنية (الموتيفات) دائماً جديدة, لقد سبق لحركة الأشخاص على شكل موكب متتابع, أن عرفت منذ الآشوريين والمصريين, كانت في البداية موكباً عسكرياً, وفيما بعد موكب نصر, يقود إلى إله أو ملك معتل عرشاً, كما في إفريز البارثينون . لقد استعمل تقليد الموكب هذا, بتأثير متألق, في كنيسة القديس ابولينير, في كلاس, في رافينا, تتحرك فيه صفوف القديسين, أو المخلّصين عبر الجدران, فوق أقواس الأعمدة, على طول البناء, من البوابة, وصولاً إلى المذبح, حيث يقدمون تيجانهم, إلى شخصي المسيح والعذراء, في الأعلى, في الفراغات بين النوافذ, للقسم العلوي من جدار الكنيسة, يوجد أشخاص قديسيون هم في وضع أشبه بوضع لتماثيل في محاريب, بينما فوق النوافذ, هناك مشاهد عن معاناة وموت المسيح يبدي الترتيب بمجمله, محاولة لإعادة إنتاج, تزيين نحتي بارز من خلال بعدين, حيث اعتبر البيزنطيون النحت, على العموم, كفن أدنى درجة, ذلك أن الصورة المحفورة كانت ممنوعة على القبر, في الفن الديني, حتى بعدئذ لزمن قصير نسبياً.‏

لقد مكن الارتفاع للعقد من إتباع نسق تزيني كلي, فيه وظفت الفسيفساء لتشكل توحيداً قوي التأثير, لداخل البناء, مع الأطر التي تحيط بالأقواس والنوافذ والأعمدة والعناصر المجسمة, متحدة في كل متألق, تفقد الأشخاص, بعض الأحيان, هويتها بين أوراق نبات مذهبة, بينما يعطي أشخاص آخرون انطباعاً سطحياً أكثر إفصاحاً عن التفاصيل, لقاء نظرة أكثر قرباً مع الاهتمام بإظهار هوية الشخص الإنساني, حصلت تطورات هامة تتعلق باهتمام بالتصوير الوجهي للشخص الإنساني, حيث بشكل واضح, تشير إلى هذا المقارنة بين الموكب الذي يتقدم للقديسين والمخلصين, في كنيسة القديس ابولونير, منذ القرن الخامس. لقد أظهر الفنان, تنميطاً في الأقمشة, لكنه أبقى على الوجوه, كتصاوير وجهية شخصية, مع تظليل حساس, وشدات إضاءة. لقد تطور, في القرن السادس, أسلوب جديد, يرتبط بأفكار جديدة, في تمثيل الأقمشة, يختفي التجسيم, وتظليل اللون, ليحل محله, لعب خطوط بسيط, حيث لم تختف الطبات كلياً, إنما تم التعبير عنها, بطريقة اتجهت أكثر فأكثر نحو سرعة التخطيط.‏

لقد مثلوا في كنيسة القديس أبولونير, في كلاس, العباءات الجليلة من ثياب القديسين, على الجدار الشمالي, كأسطح حمراء, بينما حافظوا على بروز معين للمخلصين, على الرغم من بساطة رسم الطيّات لعباءاتهم. يعود السبب, فيما تضفيه أعمال الفسيفساء المشهورة, في قسمي المنشدين, لكنيسة القديس فيتال في برافينا عهد جوستنيان وثيودورا , من تأثير قوي إلى هذا التأكيد على مساحات اللون المسطحة من شأن انطباع السطح الملون, الترجمة لثياب البلاط, كحزم ألوان متلألئة, إنه يشكل الانطباع العام. بالتأكيد تحمل وجوه كل من الإمبراطورة والوصيفات, بعض آثار تصوير وجهي عقلاني, لكن الأجسام, بشكل أساسي, هي عناصر من نموذج براقٍ. لا يتسبب كل من, جمود أوضاع الأشخاص, أماميتها المميزة, حقيقة, أن هذا هو أيضاً, موكب يتقدم للأشخاص, حيث تتقدم الأشخاص نحو المسيح, في نهاية المحراب (وهو في النهاية الشرقية من الكنيسة), كما تصنع الوجوه نفسها, في النهاية, أقوى تأثير لها.‏

لقد جعلت الوجوه منمطة, حيث يشكل الأنف, خط فصل بسيط, في كل وجه, العينان كبيرتان محدقتان, يؤكدهما حاجبان ثقيلان, حيث يسهل علينا أن نرى هنا, كيف تطورت الأيقونات. لكن الوجوه تحتفظ بشخصيتها: يتمتع شخص الإمبراطورة, الأكثر أهمية بين الشخصيات, في هذه الحالة, بفرادة شخصية, أكثر مما هو, في وجوه وصيفاتها, اللائي ترجمت وجوههن, بآلية أكبر.‏

لم يكن الوضع الأمامي للأجسام الإنسانية, الذي أملته التناظرية وضعاً أمامياً تاماً, رغم أن المخلصين, في كنيسة القديس أبولونير نوفو, هم في وضع, في أغلبه أمامي, فقد اكتسبوا, بوضوح, انطباع مشي, عن طريق, انحراف لحاشية عباءاتهم.‏

لقد شكلت المساهمة الشرقية في رافينا, غلالة على التقاليد الغربية, الأمر الذي يعطيها تميزها الخاص, لكن من الواضح أننا ذهبنا بعيداً, عن فن العالم الروماني. لقد تم خلق جمالية جديدة, تتراجع فيها الواقعية, يسجل اللون أسبقية على الشكل, وتحل ثنائية البعد, محل العناية القديمة بالتجسيم. تقابل أجسام الرسل والقديسين والمخلصين, حشد المصلين, بعيونها التي لا ترف, ناقلة الحس ما فوق الواقعي, كما لا يوجد ما هو نذير شرٍ, في الفن في رافينا, لاشيء من المخيف والغريب, الذي سيتجلى , بدرجة بالغة السيطرة, في الفن القوطي. ليس هناك مشاهد, لشياطين ذات ذيول شوكية, ولا تصورات, لكائن مدان, مرمي في الجحيم الأبدي, حيث ليس هناك من ظلال, إنما مجرد تألق هادئ. يسجل هذا الفن , النصر للمسيح, ويتطلع إلى دخول الإنسان الحنة. أي أمل, وأي ثقة قد غمر المصلين, وهم يواجهون المشهد المصور في المحراب, لكنيسة القديس أبولونير, في كلاس من القرن السادس, حيث يقدم المسيح بركته بذراعين مفتوحين, وسط مشهد ساحر, لحيوانات, وأشجار فاكهة فردوسية, وتنضم أرواح المخلصين, التي تمثلها الخراف, إلى ميراثهم. ليس هناك, في الواقع, ما يشبه هذا الفن الغربي.‏

عن جريدة الفداء الحموية الثلاثاء: 23-7-2013

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *