السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

الارتجال في المسرح

454الات

 

العرب من أبرع الأمم في الارتجال الدال على سرعة البديهة، والحضور الذهني، والتمكن الثقافي. فأشعارنا، وخطبنا، وسردنا، وطربنا، وموسيقانا، وفنوننا الشعبية، المحكية والتشكيلية، تعتمد عليه. لكن ماذا عن الارتجال في المسرح.. ما له وما عليه؟.

بدأ المسرح بالارتجال الفطري المتسم بالعفوية، والتلقائية، والفنون الاحتفالية الشعبية. ولقد أبدع البشر الفرجة الارتجالية التي يختلط فيها اللعب بالرقص، والكلام بالغناء. لكن (الكوميديا المرتجلة) Commedia dell arte كانت من أهم أشكال الارتجال حضوراً في إيطاليا وفرنسا (بين القرن الرابع عشر والسادس عشر). حيث كان الارتجال شكلاً من أشكال التأليف المسرحي، ولم يكن إضافة لنص سابق كامل. فيتفق الفريق الفني على سيناريو أو خط درامي رئيس يبنون عليه أحداث العرض. ومن ثم يرتجلون الحوار، والحركات، والتعبيرات المختلفة. وحجتهم في ذلك هي أن النصوص المكتوبة سلفاً منبتة الصلة بالواقع، ولا تلبي حاجات المجتمع، وتطلعات النظارة. كما أنها مكتوبة بأسلوب يصعب تقبله من المشاهد العادي. لذلك لجأوا إلى معالجة قضايا تمس الحياة اليومية للناس. واستعملوا حواراً اعتيادياً، بلهجات مختلفة تناسب شخوص المسرحيات المنحدرين من أقاليم مختلفة.

ثم مضى على هذه (الكوميديا الارتجالية) حين من الدهر غربت فيه شمسها. إلى أن أعادها من جديد، وطور منظومتها (قسطنطين ستانسلافسكي) K. Stanislavski

(1836-1938) بداية القرن العشرين. فاستخدم الارتجال أداة للتدريب على ابتكار أفعال مستجدة. وسمح للممثل بحرية التعبير عن ذاته مقارنة بسلوك الشخصية لموقف مشابه. وأطر (ستاسلافسكي) لهذه الارتجالية مبادئ منها: المعايشة الصادقة للدور، وتشغيل الذاكرة الانفعالية، والعيش في نفس الظروف القائمة فعلاً، واعتماد المشابهة في استذكار الأحداث والمواقف المسرحية. وسارت على النسق دورات الارتجال بتمارين لإزالة التوتر من الفريق المسرحي. كي يشرع أفرادها في العمل معاً بتركيز، وتوافق، وبروح الفريق الواحد (Team work). ومن ثم، تكرس التجربة الارتجالية (المتراكمة) لكل ممثل في أداء الفعل المنصوص عليه.

وقد اتجه المسرح الغربي نحو هذا الأسلوب في بناء عروضه تفتيشاً عن أشكال جديدة. بعد أن تخاذلت القديمة عن تقديم ما هو (إنساني) يعالج القضايا والمشكلات المجتمعية، وما آل إليه مصير البشرية. فهو عند المسرح الأوروبي حالة من حالات (الضعف والعجز). وليس نتيجة (التجريب) الحي الذي يفتح الطريق أمام ابتكار ما يعبر عن قوة الإنسان في مواجهة مشكلاته. وقد أطلق الأوروبيون على هذه (الحالة العاجزة) اسم (الارتجال) على طريقة (تكفين الأموات بالثياب الزاهية).

على أي حال.. يعد الارتجال Improvisation: (شكلاً عريقاً من أشكال التمثيل، وإنجازاً عفوياً، مبتكراً لفكرة/ نص/ حركة لم تكن مهيئة أو متقفاً عليه من قبل). كما أنه: (إتيان بجديد، وبحث عما لم يوجد/ يتصور من قبل). وبالتالي هو يحدث قطيعة فنية وجمالية مع باقي المشاهد المعتادة. ويشير ضمن ما يشير، إلى الرفض والتجاوز لما هو تقليدي. ومن ثم يستحضر التأليف الفوري، وعمليات الإضافة، والاستطراد، والتعديل، والتغيير، والخروج على النص، وإعادة صياغته. وإطلاق العنان لخيال الممثل لتنامي قدرته على الأخذ والعطاء مع زملائه وعلى تمثيل أفعال بطريقة تلقائية. ويكون الارتجال، أيضاً، بحوارات – فردية أو جماعية – هادفة لتنشيط الفرجة بشكل تلقائي. حيث يبدأ الممثل بطرح فكرة، فيكملها الثاني، ثم يحبكها الثالث، ويوسعها الرابع إلى آخره. ويشارك الجميع بالتناوب والتسلسل والتضمين.. اتساقاً وانسجاماً.

لكن قبل فعل الارتجال، ينبغي عليهم جميعاً الاتفاق على (الموضوع) قصد وضع تصورات قبلية حولها، ووحدته الدلالية، ومشاهده الدرامية. وبناء على هذا الفهم المسبق للعمل، واستيعاب أحداثه بطريقة كلية، يتم توزيع الأدوار على الشخصيات. لتدخل فيما بعد في تفاعلات تواصلية وتشابك حواري ضمن سياقات تبادلية مختلفة. ويكون الارتجال على صعيد الأفكار، والإخراج، والحوار، والمنولوجات، والحركات، والإيماءات، والرقصات، والأغاني، والتدريب الإحمائي، والتأثيث السينوغرافي الخ.

نحن والارتجال المسرحي

تم تأسيس أول فرقة مسرحية للعمل الارتجالي المحترف في بيروت 2008 من قبل المخرج اللبناني (لوسيان بورجيلي) ومن ثم قدم (بورجيلي) العمل الارتجالي التفاعلي (متلنا متلك)، في بيروت وعمان. وكان بمثابة (الشرارة الأولى) للمسرح الارتجالي العربي. منذ ذلك الحين بدأ المسرح الارتجالي العربي بالتحرك والتفاعل، ولو ببطء. لكن كثيراً من المعاهد المسرحية العربية تتبني الارتجال كمنهج تدريبي في بناء العرض المسرحي. وفيها يكون على المخرج دفع الممثل أثناء التدريبات ليقدم اقتراحاته لدوره ولفهمه للشخصية من خلال السياق العام للمسرحية وضرورة الانسجام مع شريكه. ويطلب من الممثل أن (يتمرد) على (نمطية) فهم (الشخصية) أو الأفعال التي يرسمها لها. بغية أن يقدم ما هو أجمل وأعمق وأكثر انسجاماً مع فكرة المسرحية. وهذه الطريقة تحول الممثلين من (أدوات) تنفيذ لفكرة ورؤية المخرج إلى (مبدعين) لها، ومشاركين فاعلين فيها. لكن هذا الأسلوب في الإخراج شاق عسير قد يهرب منه المخرجون كونه يطيل أمد التدريبات من ناحية. وقد لا يتوافر بين أيديهم الممثل ذو المخيلة الواسعة الذي يأتي كل يوم باقتراح جديد لدوره.

وقد يعد المخرج (تمرد) الممثل عليه في فهمه للدور نوعاً من (الخروج على الهدف الأعلى الذي يبغيه). وعلى المخرج أن يتلقى الاقتراحات والتمردات ليخضعها للهدف الأعلى الذي وضعه للمسرحية. وبهذا يتبنى الممثلون نص المسرحية ويبتكرون في أساليب أدائه. فإذا انتهى فريق العمل المسرحي إلى صيغة نهائية للعرض فلا مجال للابتكار والارتجال إلا في أضيق الحدود

لكن المتابع للحالة المسرحية العربية يجد كثرة مظاهر الارتجال، و(شيوع) خروج الممثل العربي عن نص الكاتب/ رؤية المخرج بإضافة أشياء وإقحام أحداث غير متوقعة من الممثلين الآخرين، حتى أنهم يتفاجؤون بها، وبعد لحظات.. سرعان ما يتم استيعاب الموقف وتملك ناصية العرض من جديد. ولا ينجح في هذا الأمر إلا الممثل السريع البديهة، الحاضر النكتة، الخفيف الظل الذي يلتقط حركة من زميله، أو من أحد المتفرجين، فـ(يغزل) عليها قولاً أو فعلاً مثيراً للضحك. كما نلقى ذلك عند ممثلين مصريين كـ(أحمد بدير)، و(سمير غانم)، و(محمد صبحي)، و(سهير البابلي)، و(عادل إمام) وغيرهم. وذلك في كثير من مسرحياتهم الكوميدية التي يخرجون فيها عن النص الأصلي، فيرتجلون كلاماً مضحكاً يسعد الجمهور، ويربك أفق النظارة. فلا تحلو مثل هذه الحالات الفكاهية المسرحية من غير ارتجال يقبل عليه الجمهور ويتفاعل – إيجابياً – معه. وتعد هذه العروض أفضل مجال للارتجال. كون لغتها، غالباً، عامية، وذات موضوع خفيف يقصد منه التفكه، والإضحاك، والإمتاع. وجذب المزيد من المتفرجين لقضاء سهرة لطيفة مضحكة. فلا أهمية فيها لبناء الشخصية الدرامية أو تطور الحبكة المسرحية.

وفي حالات كثيرة، وبخاصة في المسرح التجاري.. تخطى الارتجال الفوري إلى تعديل النص، مهما كانت قيمته الأدبية والدرامية. ومهما كان قدر كاتبه، بما يحقق نجومية الممثل البطل، حتى ولو أدت هذه التعديلات إلى إفساد النص وتشويهه. حتى إن كثيراً من هذه التعديلات قد حولت النص إلى منولوج للبطل، تحوطه وتتخلله بعض عبارات من الممثلين، وكثيراً ما كانت هذه العبارات مجرد حافز للبطل على التوغل والتعاظم. وبات بعض المسرحيين – مخرجين، وممثلين – يستعمل مصطلح (الارتجال) بالفخر. ويحرصون عليه كـ (موضة) سارية في الوسط المسرحي العربي.

أما عروض الكوميديا فهي ليست موضعاً للارتجال، لأن الكوميديا ذات علاقة بكشف شخصيات مبنية بناء صارماً، وبتسلسل فكرة معينة ذات عمق فكري واجتماعي. ولا يتحقق هذا النوع في مستواه الأعلى إلا إذا كانت الفصحى لغة العمل المسرحي. فإذا كانت العامية لغتها فسيضعف البناء المتماسك العميق للجانبين: الإنساني والفكري. وعروض الكوميديا ذات اللغة العامية قد تصلح للارتجال، لكنها لن تخرج عن دائرة العروض المصابة بـ(وباء الارتجال). وينتج عن هذا تحول الارتجال الدرامي إلى اسكتشات فكاهية ومشاهد هزلية لا تترك أثراً جمالياً راسخاً على الراصد المتتبع.

إيجابيات وسلبيات

الارتجال تقنية درامية من الصعب التحكم فيها.. فنياً وجمالياً وإخراجياً. إلا إذا أوتي الممثل والمخرج كفاءة كبيرة، وخبرة جيدة بفن المسرح الشامل. ومن ثم، فالارتجال له إيجابياته، وسلبياته، فوائده ومضاره. فمن فوائده: إقامة اتصال مباشر بين الممثلين، وبين نبض المسرحية التي تغدو – بالارتجال – أكثر حيوية، و(مكسوة باللحم تماماً). وبهذه التقنية يزداد الممثل إتقاناً لدوره يوماً بعد يوم، ويزداد إحساساً بإنسانية الشخصية ويحافظ على ألق العرض الأول. فمن المعروف أن أكثر العروض المسرحية تتحول إلى (أداء روتيني آلي) بعد مضي أيام من التقديم. أما هذه الطريقة التي يندفع الممثل إليها باستمرار، فهي التي تحافظ على حيوية العرض وتألقه حتى لو قدم مئة مرة.

والتغلب على الخطأ في العرض المسرحي واحد من أبرز فوائد الارتجال. حيث يبتكر الممثل ما يخفي خطأ وقع فيه زميله. وهذا الابتكار يكون في الحوار والفعل وبناء المشهد كله، وتبدو أهمية هذا النوع من الارتجال إذا علم أن كثيراً من الممثلين (يشمتون) بزملائهم إذا أخطأوا. في حين أن (الأداء الروتيني) للدور يجعل ذهن الممثل مشغولاً عن مجريات العرض بحيث لا ينتبه إذا ما وقع منه خطأ ما. فإذا كان الخطأ صغيراً فلن يترك أثراً على العرض، ولا ينتبه إليه أحد من المتفرجين. أما إذا كان بالغاً فسيبدو واضحاً أمامهم. والارتجال الصادر عن ممثل يمتاز أداؤه بالحيوية وبالإحساس الكامل بالشخصية والدور هو الجوهرة الثمينة التي يجب على المخرج أن يحافظ عليها ملتمعة لدى فريق العمل المسرحي، وهي التي تنقذ العرض حين وقوع الخطأ.

وعلى الرغم من كون المسرح اليوم يقوم على ضبط النص وحفظ الأدوار حفظاً دقيقاً، إلا أن للارتجال مكانة مهمة ومعتبرة في المسرح المعاصر سواء في مسرح الكبار أم في مسرح الصغار. لما له من أهمية كبرى في تكوين الممثل وتدريبه وتأطيره، وإثارة المتلقي ذهنياً، واستفزازه وجدانياً، وإرباكه حركياً، وجذبه للمشاركة في بناء الفرجة بشكل تشاركي. وضمن دراما الأطفال.. يكون المسرح الناجح هو الذي يكتبه الأطفال نصاً ارتجالياً، ويتدربون عليه ارتجالاً، ويخرجونه ارتجالاً، ويشاركهم فيه الجمهور ارتجالاً. وتبقى غاية الارتجال تحري مواضيع مهمة وجادة، والبحث عن الجديد واللامتوقع والغريب من المشاهد والأحداث، بدلاً من تناول المواضيع الاجتماعية المعروفة التي تتسم بالرتابة والتكرار والاجترار العقيم.

أما سلبيات هذه التقنية فيكمن في أنها تقنية دقيقة ومسؤولية كبيرة تقع على عاتق الممثل والمخرج معاً. فكثيراً ما يكون سبب الارتجال رغبة الممثل في (الظهور/ إظهار نفسه) على حساب زملائه، مما يولد سلبيات في عمل الفريق. كما فيه يشعر الممثلون بالافتقار إلى (الأمن النصي، والقالب الشكلي) الذي يواصلون العمل على هداه. كما أن محاولة (إقحامه) على العروض الدرامية التي تقوم على نص قوي، وبناء متماسك متصاعد النمو والتطور، ومحبوك حبكاً محكماً، إنما هو قاتل له. فإذا (ارتجل) الممثل ما يظنه هو شيئاً جميلاً وضرورياً، فيهز الموقف أو المشهد كله. ويوقع المشاركين له في ورطة، وجب على المخرج إيقاف هذا بسرعة. وبما أن المسرح فن محضر مصنوع من قبل يبدو كأنه يحدث الآن، فمن الواجب أن يسير العرض المسرحي على هذه الحيلة دون خلل أو خروج عن النسق. والارتجال يربك هذه الحيلة، ويشوهها. ولذلك فإن الارتجال في المسرح ضار يهز خصيصة الجمال، والفكر، والحالة الإنسانية فيه، وهو أمر يتجنبه الممثلون كما يتجنبون (الداء) الذي يصيب الجسد.

صفوة القول: الارتجال فن مسرحي قديم، ظهر مع بدايات تعبير الإنسان عن حاجياته الذهنية والوجدانية والحركية. عبر إبداع فرجات ارتجالية تلقائية تعبر عن مدى حريته الفطرية. لكنه تطور مع مدارس المسرح ومذاهبه الفنية والجمالية، وكذلك مع طرائق الإخراج المعاصر الذي أعطى أهمية كبيرة له. لكونه المعيار الحقيقي لتكوين الممثل، وتأطيره عقلياً ووجدانياً وحركياً، وبناء شخصيته الفنية. كما أصبح الارتجال طريقة لتحقيق (التواصل الفعال) بين الممثل والمشاهد. إن الارتجال في كل مجالاته ابتكار آنٍ، ابن اللحظة التي لم تكن من قبل، ولن تكون من بعد. وكل ما يخرج عن ذلك فصناعة مسبقة. ويبقي الارتجال في المسرح، كالارتجال في أي صنف أدبي أو فني آخر.. جميل، وخطير في آن.

 

عن مجلة المجلة العربية – الرياض العدد444

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *