السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

العتال … حين يصير أسطورة

550260_387878451251519_1286880303_n

” أنا كاتب الكفاح و الفرح الإنسانيين , فالكفاح له فرحه , له سعادته , له لذته القصوى , عندما تعرف أنك تمنح حياتك فداء لحيوات الأخرين , هؤلاء الذين قد لا تعرف لبعضهم وجها , لكنك تؤمن في أعماقك أن إنقاذهم من براثن الخوف و المرض و الجوع و الذل , جدير بأن يُضحى في سبيله , ليس بالهناءة وحدها , بل بالمفاداة حتى الموت معها أيضاً .”

هكذا يعرف عن نفسه , و قبالة بحر اللاذقية كان مولد حنا مينة على طراحة فوق حصيرة في بيت فقير حد البؤس بعد ثلاث بنات , و كان على الوليد النحيل المريض أن يسافر مع العائلة إلى اسكندرونه و لأحكام الفقر لم ينل سوى الابتدائية , ليكون بعدها أجير الحلاق , هذا الفتى الوحيد الذي يفك الحرف في حي المستنقع يكتب الرسائل للجيران و العرائض للأهالي لترفع إلى الحكومة , وعنها كتب روايته “المستنقع ” فيما بعد , , ليكون بالفطرة باحثا عن عدالة اجتماعية لم يرها بعد , و مع دخول الجيش التركي للِّواء و اغتصابه كانت هجرة العرب و الأرمن إلى اللاذقية عبر كسب , عاشها و كتب عنها روايته ” الفم الكرزي ” و في مدينة المولد كان النضال ضد الاستعمار الفرنسي و العمل النقابي و العمل في الحزب الشيوعي السوري , هنا صار حنا مينا رب سجون , دخلها عدة مرات بسبب نضاله , حمل جريدة “صوت الشعب ” و باعها علنا في الشوارع ,و يروي أنه كانت هناك صعوبة في توزيع الجريدة بسبب مقاومة الإقطاعيين ,و ان أزلام الإقطاعيين لاحقوه و ضربوه بالخنجر ليلاً و ظنوا انه مات , و لم يذهب إلى المشفى خوفا من معاودة الاغتيال , عمل حلاقا عتالا في المينا و أجير صيدلي و مصلح درجات و صحفياً أحيانا , فكان بذلك يشبه أبطال رواياته من ” زكريا ” إلى ” فياض ” و غيرهم , كتب عن تلك الفترة روايته ” نهاية رجل شجاع “, و بعد الاستقلال استقر في دمشق حيث أصبح رئيس تحرير جريدة ” الإنشاء “و كانت أول رواياته ” المصابيح الزرق ” التي استغرق ثلاث سنوات في كتابتها , و أسس مع مجموعة من الكتاب اليساريين ” رابطة الكتاب السوريين” 1951 التي أصبحت فيما بعد “اتحاد الكتاب العرب “, و بسبب الفقر و النضال السياسي مات ابنه سليم في منتصف الخمسينيات , و كهدف لأجهزة ” عبد الحميد السراج ” أيام الوحدة فُرض عليه المنفى القصري و بقي خارج الوطن, تنقل بين أوربا و الصين , كان لهذه الفترة نصيبا في رواياته . عاد بعدها لدمشق 1967 ليتابع نشاطه و عمله الأدبي . في الأدب يقول حنا مينا :” لقد فكرت منذ قرأت عمر الفاخوري في الأربعينيات كيف يكون الاديب من لحم و دم و ليس من حبر و ورق .” و يُعرِّف نفسه بأنه كاتب الواقعة الاشتراكية و الواقعية عنده لاتقف عند تفسير الواقع بل تتجه نحو تغيره لغدٍ أفضل , فهو يرى في الفن ضرورة ,و أما عن إقحام السياسة في الفن فيقول ” إن لم تنبع من ذات الأديب فهي تفسد العمل الإبداعي ” , كان النضال في سبيل العدالة الاجتماعية محور أعماله و نذر نفسه لها , “بدونها تبقى البشرية معذبة , حافية , عارية , مجروحة الروح , مدماة القلب و المشاعر .”

و البحر عند مينا رجل و مكان و إله يشارك كما يشارك الأخرون في الرواية , و هو اول كاتب في أدب البحر بالعربية و تعد روايته ” الشراع و العاصفة ” الأولى في هذا المجال , أطلق النقاد عليها ” قصيدة البحر” أو ” ملحمة البحر ” , و تكاد لا تخلو رواية له تقريبا من شخصية واعية مثقفة قادرة على تزويد الشخوص الأخرى بالوعي كـ “كامل ” و ” محمد الحلبي “و “فياض “, و لا يغيب عنها مفهوم الرجولة بمعنييها المادي و المعنوي كـ ” خليل ” و زكريا ” , يستخدم شخوصه ليروي تاريخ بلده و بلدانا أخرى, و خاصة دول العالم الاشتراكي متجاوزا في فعله هذا الوطني إلى الأممي , كما أنه مغرم بأدب ” ناظم حكمت ” و قد قدم عنه ثلاث دراسات , بذلك حول حنا مينا تجاربه من حي المستنقع إلى الهجرة القسرية من اللواء و العمل الحزبي و النقابي و مقارعة المستعمر الفرنسي في اللاذقية حتى المنفى القسري و كل ما عرفه من تجارب و خبرات إلى شخوص تعرفنا عليها و كنا معها في سياق أدبي محقق لشروط الرواية و البساطة و الجمال دون تكلف في اللغة ” إن وعي الوجود عندي ترافق مع تحويل التجربة إلى وعي , و كانت التجربة الأولى في حي المستنقع في اسكندرونه , مثل التجربة الأخيرة حين أرحل عن هذه الدنيا , و مثل تجربة الكفاح لما بينهما , منذورة كلها لمنح الرؤية للناس لمساعدتهم عن الخلاص من حمأة الجهل , و السير بهم و معهم نحو المعرفة , و التي هي الخطوة الأولى في المسيرة الكبرى نحو الغد الأفضل. ”

أخيراً … سُؤل نجيب محفوظ : من يستحق جائزة نوبل بعدك من الروائيين العرب ؟ فأجاب : و قبلي حنا مينا . لكننا نعرف و يعرف حنا بانه لن ينال جائزة نوبل للآداب , لأنه… و بعد أن غيرت الأفاعي جلدها , بقي حنا كما كان ممسكاً بيد رفاقه ماضيا معهم نحو غذ أفضل , إذ يقول في روايته ” امرأة تجهل انها امرأة “2009 : “خرج إلى الشارع، توقف أمام باب الفندق، يذهب يميناً أم يساراً؟ ضحك في سره وقال: “أيها الشقي، أمضيت عمرك في اليسار، فهل يعقل، بعد كل هذا العمر، أن تذهب يميناً؟!”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *