الأحد 20 كانون الثاني 2019 : صدر العدد السنوي 2019 ضمن سلسلة اصدارات موقع مجلة كفربو الثقافية , فأهلا وسهلا بكم في موقعكم لتصفح المواد الثقافية المميزة ..  * 

بغمضة عين

 

 

 

ينبغي ألا يكون للصندوق أكثر من مفتاح واحد!».

هذا قانون حياتي الذي لن أحيد عنه ما حييت.

هو منبع أستمد منه شعوري بالأمان.. ربما.

أو هو رغبة مني في تحصين نفسي ضد الغدر والخيانة.. ربما.

وربما..

هو حب التملك والسيطرة، وغريزة جامحة في أن أكون دائماً سيد الموقف!.

عندما اخترت تخصصي الدراسي.. حرصت على أن يكون في مجال لم يدخله أحد من أسرتي!.

قد لا ترون رابطاً بين هذا وبين قانون حياتي الذي أؤمن به.. ولكنني أخالفكم الرأي.. لأن دخولي في تخصص منفرد عنهم يجعلني متميزاً بينهم.. يفتح لي باباً خاصاً بي، لايعلم تفاصيله غيري.

عندما تصادفهم مسألة تتعلق باختصاصي.. يتجهون لي.. يقصدونني للمشورة.. فتتضخم ذاتي.. ويتعملق رأسي.

وحدي الذي يملك مفتاح هذا الموضوع في الأسرة!. 

لم أعط سري -في يوم- لأحد.. لا صديق ولا قريب!.

كل أسراري ألقيها في بئري العميقة القرار، وأغلق فوهته بمفتاحي الأوحد.

لا أحب نشر غسيلي النظيف، ولا الوسخ، أمام الناس، لأنه من خصوصياتي، من شؤوني الحميمة المحفوظة في صناديق نفسي، والمخزنة في دهاليز ذاتي المعتمة!. 

أدير عملي بمفردي.. لم أضع لي مديراً ولا نائباً!.

ولماذا أسلم مفتاح عملي لإنسان غيري؟

لماذا أجعل كل العيون الفضولية تقتات أخبار عملي وصفقاتي، فتحرقني بحسدها، وتكيد لي، وتحاربني من حيث أدري ولا أدري؟!.

حتى سيارتي.. رفضت أن يكون لها مفتاح بديل!.

مع أنني -ذات يوم- نسيت مفتاحي بداخلها.. ووجدت نفسي في موقف لا أحسد عليه، وتعرضت لمطر من سهام اللوم والتقريع ممن حولي.

لكن رأسي الصخري بقي على عناده.. تمسك بقانونه كمن يتشبث بطوق نجاة في خضم بحر هائج!.

وحين انتهى بناء منزلي الخاص.. تأكدت من وجود المفاتيح الأصلية لكل باب.. وضممتها إلى سلسلة مفاتيحي.

ليس هناك من ينافسني في عدد المفاتيح التي أحملها في سلسلتي.. ولهذا.. لا تستغربوا أن رأيتم اسمي -يوماً ما- منقوشاً في كتاب (جينيس) للأرقام القياسية!.

لولا إلحاح أهلي.. ولولا أنها سنة الحياة..  لما فكرت في الزواج مطلقاً!.

لذلك.. كانت لي شروطي:

– أريد امرأة لا يملك مفتاحها غيري!.

رأسي الصخري، الذي أعرفه جيداً، انتصب جبلاً في وجه أعاصير التساؤلات التي أثيرت في محيط الأسرة:

– أي مفتاح يا مجنون.. أنت تتكلم عن بشر من لحم ودم، وليس عن صندوق خردة؟!.

لم يستطيعوا أن يفهموا أن للبشر مفاتيحهم أيضاً!.

بعد مداولات ساخنة.. ومشاورات حادة.. 

وفي جو تحوم في سمائه دبابير السخرية، وذباب الغيظ والحنق.. وافق الجميع على تزويجي بمن أريد..  

كانت طفلة في الرابعة عشرة من عمرها!. 

قطعة من صلصال خام.. لم تفتح قلبها نسمة.. ولا فتحت عقلها فكرة!.

كل مفاتيحها في يدي.. ولكي أريح بالي من ناحيتها.. أبقيت قلبها وعقلها مغلقين، ووضعت مفتاحيهما في سلسلتي.. ونمت مطمئناً!.

بالغت في اطمئناني تجاه بيتي.. 

فلم ألاحظ زوجتي -الطفلة- وهي توزع ببراءتها تفاصيل منزلي، وأسرار مجلسي، ومخدعي، ومطبخي، وكل خزائني.. 

تنثرها على الأهل والجيران.. كقطع الحلوى!. 

أرضية بيتي أحسها تعوم فوق بحيرة مضطربة.

وجدرانه زجاجية شفافة.. وأبوابه ونوافذه مشرعة تصفق فيها ريح عاتية..

وأوراقي الخاصة تتطاير أمام ناظري مثل العصافير.. 

في كل الجهات!.

أصبح لكل مفتاح.. عشرات النسخ!.

تفتت الأمان في صدري وهرب كفئران مذعورة.

انفرطت سلسلتي.. وبغمضة عين.. ضاعت من يدي كل المفاتيح!.

 ( عن المجلة العربية – الرياض العدد( 428 ) – أغسطس 2012م)(اختار المادة الإبداعية رئيس التحرير

التعليقات: 1

  • يقول tone:

    نور جديد يطل في صفحات مجلتنا ومرحبا” بالكلمات الراقية التي تحمل الرقي الفكري الذي نفخر به وبرونقه الجميل ..

    مرحبا” بالكاتبة هيام وتحية غالية لطلتك معنا ونأمل أن نشاهد دائما” بصمات قلمك متمنين لك دوام النجاح والتقدم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *