السبت 4 كانون الثاني 2020: موقع مجلة كفربو الثقافية يطلق العدد السنوي 2020م ضمن سلسلةاصداراته وكل عام وأنتم بخير...  * 

شعرية قصيدة النثر! تصور مغاير لطبيعة الايقاع في الشعر العربي

45455455445

شكل كتاب /سوزان برنار/ في مجال قصيدة النثر سلطةً نظرية ومرجعية كبرى في كتابات كثير من الشعراء والنقاد، بحيث تم الاعتماد عليه بشكل حرفي أحياناً في التنظير لقصيدة النثر العربي، وفي تحديد خصائصها ومميزاتها الشكلية والدلالية، رغم أن الخصائص التي حددتها برنار هي خصائص عامة ونسبية، وليست معايير ثابتة ومطلقة، فهي مستخلصة من تجارب ونصوص في الشعر الفرنسي، وليس بالضرورة أن تكون مطابقةً لقصيدة النثر في العالم العربي ومعبرة عما اتخذته من أشكال ومسارات.‏
نستطيع من خلال هذه الرؤية الاشكالية والرأي القابل للمقاربة والحوار أن نلج صفحات كتاب«في شعرية قصيدة النثر» للناقد عبدالله شريف الصادر حديثاً ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب.‏
والذي يهدف الكاتب في خلال صفحاته الى البرهنة على المشروعية التاريخية والفنية لحركة قصيدة النثرفي الأدب العربي المعاصر، وابراز الخصائص المميزة لشعريتها، باعتبارها شكلاًمن أشكال التحول في الشعر العربي يستند الى قيم ثقافية وفنية مغايرة للقيم التي قام عليها الشكلان العمودي والتفعيلي، خاصة وأن أغلب المعارضين لها ينطلقون من أصول وقيم فنية تقليدية، يعتبرونها مطلقة ًوثابتةًيريدون فرضها على الكتابة الشعرية التي تتميز بالحركة والتحول والانفتاح.‏
كما يجيب الكتاب وضمن دراسات تتكىء على قرائن دالة عن أسئلة، كثيراً مانوجهها في بحثنا المضني عن هوية هذا الوافد الذي أثار ضجيجاً أخذ في بدايته شكل الصراع بين الجديد المستغرب والقديم الموروث، وفي طليعة هذه الأسئلة…هل تمثل قصيدة النثر جنساً أدبياً مستقلاً أم هي جنس أدبي متوسط بين الشعر والنثر؟‏
أم هي نمط جديد من أنماط الشعر العربي، يمثل مرحلةً من مراحل تطوره وإبدالاً جديداً فيه؟‏
وهل تمثل قطيعة مع المراحل والانماط السابقة أم هي استمرار وتحويل لها ضمن فلسفة جمالية جديدة؟‏
وماهي الخصائص العامة المشتركة بين تجاربها ونصوصها؟‏
وهل هي قصيدة ايقاعية أم قصيدة دلالية رمزية غير ايقاعية؟ وهل يمكن قيام كتابة شعرية دون ايقاع؟وماهي انماط الرؤى الشعرية التي بلورتها؟ وماطبيعة الابدالات التي تقترحها؟؟.‏
لعل الاجابة عن هذه الاسئلة يستلزم كماً هائلاً من القراءات والمقارنات لما أنجزه شعراء قصيدة النثر، حتى يكون الحكم أقرب الى الدقة وأوسع في مسعى الحوار النقاش، فتحت عنوان الحداثة والتراث في الشعر العربي المعاصر ،يعاين عبدالله شريف التحولات التي طرأت على طبيعة الشعر ووظيفته والعلاقة بين التراث والحداثة الشعرية والأوهام البعيدة عن روح الحداثة، ويرى أن هناك علاقةً وطيدةً بين الحداثة الشعرية والتراث، فكثير من تجارب ورموز التراث شكلت ومازالت تشكل مصدراً خصباً من مصادر الابداع في الشعر الحداثي العربي، وكل استبعاد للتراث من الرؤية الشعرية الحداثية هو استبعاد للتاريخ واللغة والثقافة.‏
وفي باب اشكاليات قصيدة النثر العربية… يلخص الكتاب هذه الاشكاليات في ثلاث هي:‏
اشكالية المصطلح، واشكالية الانتماء الأجناسي واشكالية الوزن والايقاع.. ويرى شريف أن جماعة مجلة«شعر» التي تأسست سنة1957 تتحمل المسؤولية الكبرى في تبني هذا المصطلح والترويج له انطلاقاً من التجربة الفرنسية واعتماداً على كتاب/ سوزان برنار/ الذي ظهر سنة1958، وقد أدى التشبث بهذا المصطلح الى تشجيع كثير من الشعراء والنقاد المحافظين على التشكيك بشعرية نصوصها، وكان من الأفضل اعتبارها منذ البداية نمطاً من أنماط التجديد في الشعر العربي أو شكلاً من أشكال الشعر الحرّ.‏
وفي أشكالية الانتماء الاجناسي يؤكد شريف أن كثيراً من الشعراء والنقاد العرب المعاصرين ينطلقون في رفض اعتبار نصوص قصيدة النثر نصوصاً شعرية، من عدم خضوعها للشروط المتوارثة في كتابة الشعر العربي وخاصة على مستوى الوزن أو الإيقاع أو البناء الهيكلي، فالبعض يعتبرها كتابةً نثرية تحمل بعض ملامح الشعر، والبعض الآخر يعتبرها جنساً أدبياً جديداً لم تتبلور ملامحه ومميزاته بعد.‏
ويسوق الكاتب لهذه الطروحات جملةً من الآراء لشعراء مثل عزالدين المناصرة وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمود درويش..‏
أما أشكالية الوزن والايقاع فيرى شريف أن التشكيل الايقاعي هو الشرط الضروري والجوهري في الخطاب الشعري، وليس الوزن العروضي الذي يمثل إحدى التشكيلات الايقاعية الممكنة للشعر العربي، ثم إن النصوص الجيدة من قصيدة النثر لاتخلو من الايقاع الشعري ولاتخضع لايقاع النثر، وإنما تبني ايقاعها الخاص وتخلق تشكيلاتها الايقاعية بآليات وطرق مخالفة للنماذج العروضية والايقاعية التقليدية.‏
ويعرض الكاتب في باب تحولات الشكل والتجربة في الشعر المغربي المعاصر للأشكال والتجارب الشعرية المتنوّعة والمتباينة في الشعر المغربي المعاصر، حيث يرتبط كل واحد منها برؤية معينة للعالم وبتصور خاص لطبيعة الشعر ووظيفته ضمن علاقة فنية خاصة بين التجربة والشكل والرؤية.‏
وتبرز أشكال التجريب بين الشكل التقليدي والشكل الجديد أو شكل الشعر الحرّ وشكل قصيدة النثر في نتاج شعراء يدرسهم الكاتباً منهم:‏
عبد القادر حسن، عبد المالك البلغيثي، محمد الآسفي، محمد الحبيب الفرقاني، أحمد المجاطي، محمد السرغيني، عبد الرفيع جواهري، علال الحجام، محمد بنيس، المهدي أخريف، وفاء العمراني، الزهرة المنصوري، ودادبنموس….وغيرهم.‏
ويخلص شريف إلى أن الشعر المغربي المعاصر عرف التحولات نفسها الكبرى التي عرفها الشعر العربي في المشرق في الاشكال والتجارب العامة مع اختلافات جزئية نسبية، وهو في الوقت الراهن يتنازعه شكلان حداثيان عامان هما: شكل الشعر التفعيلي أو الحرّ، وشكل الكتابة الجديدة أو قصيدة النثر.‏

في باب تجربة قصيدة النثر في المغرب يقدم/ عبد الله شريق/ قراءة في التصور النظري والانجاز النصي حيث يعمد الى إثارة مجموعة من القضايا والتساؤلات بخصوص تجربة قصيدة النثر في المغرب، في مجال التصور النظري لطبيعتها وخصائصها الفنية والدلالة ومكوناتها النصية العامة، وفي مجال الممارسة الابداعية والانجاز النصي، على اعتبار أن كثيراً من الإشكاليات النظرية والنصية التي أثارها هذا النمط من الكتابة، مازال يكتنفه اللبس والغموض على الرغم من التراكم الكمي والكيفي الذي حققه على مستوى النشر والممارسة الابداعية، وذلك بسبب عدم تبلور حركة نقدية جادة مواكبة لحركة الكتابة والتجريب النصي، باستثناء بعض المقالات القليلة والقراءات والمتابعات الصحفية المتسرعة، مما يدل على أن حركة قصيدة النثر في المغرب والعالم العربي ماتزال موضوعاً بكراً للبحث والدراسة.‏
ويؤكد شريف أن قصيدة النثر في المغرب تجربة تتقاطع فيها النصوص الطويلة والقصيرة، البسيطة والمركبة، ويتداخل فيها الغنائي والسردي، والدرامي والتشكيلي والزمني واللازمني ويتشابك فيها الذاتي والانساني، اليومي والواقعي، الصوفي والمأساوي، الفوضى والنظام، الوحدة والتشظي، الانسجام واللانسجام، وهي ذات مستويات شعرية متفاوتة، فيها النثري البسيط والشعري المتألق، وفيها السطحي والعميق، والمقلد المكرر والمبدع الخلاق، لذلك مطلوب من هذه التجربة أن تبلور مزيداً من الرؤى النصية الجديدة والأشكال التعبيرية المتميزة على مستوى اللغة الشعرية والايقاع والتناص والتشكيل النصي.‏
قصيدة النثر وإشكالية الايقاع، مقاربة نظرية ونصية، هو عنوان الباب الأخير من الكتاب ،والذي يعود الكاتب فيه الى السؤال الأزلي، هل هي قصيدة نثر أم تجربة شعرية جديدة؟ حيث يرى أن المصطلح«قصيدة نثر» يشير الى كائن فني هجين فلا هو بشعر ولاهو بنثر، فضلاً عما ينطوي عليه من تنافر وعدم انسجام بين لفظتي«قصيدة» بما توحي به من خصائص بنائية إيقاعية وتركيبية و«نثر» الذي يحيل الى الكتابة النثرية في تعدد أنواعها ومستوياتها.‏
أما التجربة الشعرية الجديدة التي يقترحها.. فيرى أن هذا المصطلح يقر ضمنياً بالمشروعية الشعرية لهذه النصوص، ويؤكد على طابعها التجريبي وعلى جدنتها، إذ إن انتشار هذا اللون من الكتابة الشعرية واتساع رقعته وهيمنته على الساحة الأدبية لم يحدث بشكل اعتباطي أو بالمصادفة.. وإنما يمثل مشروع بحث عن قيم ثقافية وفنية جديدة وتعبيراً عن حساسية فنية جديدة وتصوراً مغايراً لطبيعة الايقاع في الشعر.‏
ويقدم شريف تصنيفاً لأبرز الظواهر الايقاعية مع تعريفات نظرية لها ونماذج نصية لأربعة شعراء ،هم وفاء العمراني، محمد بوجبيري، عبد الدين حمدوش، وصلاح بوسريف، ومن هذه الظواهر تكرار الأصوات وتوزيعها بطريقة معينة داخل الأسطر الشعرية وتكرار الألفاظ المتجانسة، الاشتقاق ، الجناس، الترويد، القافية التي تحقق تماثلات صوتية في آخر بعض الأسطر فضلاً عن الوظيفة الدلالية التي تؤديها بتوظيف جدلية التماثل الصوتي والاختلاف الدلالي.‏
وترديد ألفاظ متماثلة صوتياً ودلالياً، وهو يدخل ضمن مايمكن تسميته بالايقاع الدلالي الذي ينتظم متخيل النص الشعري وفضاء ه العام، والتوازي ..وهو ذوطبيعة يتحقق بتكرار صيغ وتراكيب متماثلة ببنيتها النحوية والصرفية وفي الطول والمسافة الزمنية وأيضاً بطبيعتها التنغيمية.‏
ويعترف شريق في ختام كتابه بأن الطريقة النصية المفتوحة في بناء الايقاع ليست سهلة بل انها اصعب من الطريقة المقننة التي تخضع للاوزان والتفاعيل ، رغم ما تتصف به من حرية ورحابة وتنوع وانفتاح ، لانها تحتاج اكثر من غيرها الى ذوق موسيقي ، وقدرة على احساس دقيق بالتوازن والتناغم الايقاعي والى قدرة على الابتكار والتشكيل ، وتحقيق التفاعل والتعاضد بين المستوى الصوتي والمستويات الاخرى التركيبية والدلالية والهندسية المتداخلة في فضاء النص الشعري‏
وأخيراً التوزيع او التشكيل الهندسي لفضاء النص ، ويقوم على تماثل واختلاف اشكال خطية او هندسية بصرية معينة، او على توزيع معين لحركة الاسطر والمقاطع وفق جدلية التماثل والاختلاف .‏
وبالعودة الى الابواب او الدراسات الخمس التي ضمها الكتاب نرى انه استكمل وفتح آفاق الحوار حول مشروعية قصيدة النثر كجنس ابداعي ،مازال يثير حوله الكثير من الاسئلة في ظلّ ما تشهده فنون التعبير من تحولات في بنيتها ودلالاتها ، وأنه وعلى الرغم من صفحاته القليلة يمثل اضافةً جادةً الى المكتبة العربية… حاول الكاتب / عبدالله شريق /فيه ان يسلط الاضوا ء على الاسئلة النقدية الملحة التي ينبغي ان ُ تثار اليوم حول حركة قصيدة النثر بعد اسئلة المشروعية واسئلة الاصول والنشأة ، وهي اسئلة الجمالية النصية واسئلة المفاهيم والضوابط الفنية ، اسئلة التشكيل النصي والابدالات النظرية والنصية التي يقترحها شعراؤها في مجال الايقاع واللغة والرؤية الشعرية.•‏

التعليقات: 1

  • يقول عباس اسكندر:

    صدرت حديثا 2016 عن دار الراية بعمان -الطبعة الثالثة من كتاب ( اشكالات قصيدة النثر ) للشاعر الفلسطيني الشهير عزالدين المناصرة… وكانت الطبعة الأولى قد صدرت عام 1998. ولا يزال هذا الكتاب هو كما قال الناقد جهاد فاضل ( أهم وأوفى كتاب صدر بالعربية حتى اليوم لأنه جامع مانع ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *